الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

مقدمة:، ديوان الأنصاريات

Share

١ - العقيقيات ما هذا؟ سيل هادر دفاق، يحتضنه الوادى الخصيب الفسيح، وادى العقيق. وما تلك..؟!

قصور شماء تنعم برغد. العيش وبالنسيم العبق، بين الحدائق الغناء، والمروج الزاهية بالطيف الشمسى وبألوانه وبجماله وسحره، وبالسكينة الوادعة الناطقة.

وما هؤلاء؟؟! سلائل المهاجرين والانصار الابطال، يروحون ويغدون، نشاوى بمفاتن الطبيعة الضاحكة المرحة، بين الخمائل الفينانة والنخيل المصطفة، كأنها جنود العمالقة تومئ الى تلكم الزمر وتهتف بهم:

" هنا يستريح الانسان من متاعب الحياة وهنا يغتسل من ادرانها، وهنا ينتشى بأغاريد الطيور، وهمسات النسائم التى تهب رخاء بين فترة وفترة، وهنا الجمال يلقاك عريانا، يسبح فى عباب هذا السيل الدافق، وهنا الاشواق السحرية تعرج بالقلوب الى عالم الصفاء، الى عالم الاحلام. الى عالم المتعة والسعادة. "

انهم قوم بررة اطهار، لا ريبة فى شمائلهم العربية الابية الكريمة، وما زلت اقتفى آثارهم مترنحا مفتونا، تظللهم افياء النخيل والاشجار الضافية الذيول. وتغشاهم نسماتها المختلفة الطيوب.

هناك بعد الف وثلاثمائة عام، التقيت بالشاعر " الانصارى " وهو مكتظ بالاحلام، يرمق السماء طورا وطورا يناجى الغمام

ايها الغيم يا ابن ماء البحار

لم تبكى بدمعك المدرار؟!

لم تذق في حياتك البؤس حتى

تملأ الارض بالدموع الغزار؟!

لم تذق في حياتك الحب حتى

يعصف الحب بالفؤاد المطار

.. فسلم وسلمت. ثم يلتفت الى اصطخاب عباب العقيق الهادر، والصخور تتقلب بين يديه كأنها الاكر وهى طلة المحيا غير مكترث، والحرار الظامئة الوامقة تعانقه متهللة فرحه بمقدمه شاكية اليه ما اصابها من شحوب ومحل من جراء هجره.

هذا العقيق وقد همى مترنما

يشدو لنا بقطينه وقصوره

هذا العقيق وقد همى متارجا

يشدو لنا بحياته وشعوره

يتوارد الزوار يوم وروده

مستبشرين بفيضه وصدوره

وتراهمو زمرا على حافاته

يشدو لهم بنظيمه ونثيره

هزجا يغنيهم على اوتاره

لحن الحياة على عروض بحوره

يجلو لهم فى وحيه وغنائه

معنى السعادة هادئا بهديره

ويعيد في الحانه سيرا لمن

اخنت عليهم سالفات دهوره

ويجيش بالآلام، كامنة به

فيصوغها عقدا على مهجوره

يرثى لماضيه الجميل بشعره

ويسجل المأساة في تكريره

ويفتن الشاعر ما يوحى العقيق من ذكريات شجية فاتنة، وما يزيح عن الانفس المكدودة من اشجان، ويلذ له خريره. ويحس بسبب ذلك كأن النشاط يكاد يطير الى عوالم جديدة من السحر فيقول:

وانظره يوحى للشجى مباهجا

ويزيح عنه شجونه بخريره

ويعيد للجسم النضيب رواءه

ويزيل عن عطفيه عبء فتوره

وما زلت اصحب الشاعر وهو يتجول بين قصور رجالات العرب وبساتينهم، فطورا تراه فى قصر عروة بن الزبير، وطورا فى بستان والده الزبير بن العوام واولهما فى جنوب الوادى وثانيهما فى شماله.

كانت هذه سنة حلوة وساعة استجمام حالمة، استطاع الشاعر ان يختطفها، ولكن ما اسرع ما تمر السنات وتختفى مباهجها، وتذبل نضرتها وينضب معينها.

وبدا الواقع وقد هتف هاتف من اعلى أكمة فى العقيق:

سنة من كرى وطيف امان

وصحا القلب من ضلال وهجس

واذا الدار ما بها من انيس

واذا القوم ما لهم من محس

فالتفت حيث الرنة المدوية فاذا هو امير الشعر.

وهنا يرفع الشاعر رأسه مرتاعا لما شاهد الاطلال الدارسة والربوع الهامدة والحدائق المصوحة والعيون الغائرة، فما وسعه الا ان يرفع رأسه الى السماء وهو يقول:

رب ما هذى الطلول الدراسات؟!

اتراها اندرست من فتن؟!

رب ما هذى العيون اليابسات؟!

اتراها يبست من حزن؟!

رب ما هذه الربوع العابسات؟!

اتراها عبست من شجن؟!

ذكريات مثلت لى في العقيق!

خفق القلب لها من وصب

حبست آلامها دمعي الطليق

رب حزن حابس للندب

٢ - التأمليات التأملات لا تعطى وحدها الحكمة، بل لا بد من الوعى والذكاء والملاحظة. وما دمنا قد تجولنا فى حدائق وادى العقيق مع شاعرنا، وشاهدنا مباهج ماضى العقيق ومآسى حاضره المتحرك الى الحياة واستعادة الامجاد، فمن ادب الصحبة ان نسير مع الشاعر بعد ذلك فى تأملاته فى الحياة:

ها هو ذا يرفع لنا الستار، عن حفلة ساهرة راقصة فى عالم السحر والجمال فى عالم الاحلام، فى عالم الكواكب - يرفعه بقوله:

فى احتضار الظلام في مولد الفج

ر على منبر التأمل شاعر

ورمى نظرة الى الافق يكسى

طليسانا من زاهر النور باهر

ورنا للنجوم وهى نشاوى

رافعات فوق السحاب منابر

راعه ان يقمن ثم احتفالا

راقصا فهى فى حماه سواهر

ناضرات الوجوه يرشفن ضوءا

من فم البدر ضاحكات سوافر

وما اسرع ما انتهت هذه الليلة الساهرة بين رقص النجوم وتدلل القمر المنير وانتقل شاعرنا من هذا الموقف، يتأمل

البواعث الخفية لاعمال البشر .. ها هو يعرض علينا اخلاط الزمر، ويكاد يلمسنا خفى اخلاقهم الحسنة والسيئة، فى قصيدته: " بداية شاعر ونهايته " وان مطلعها يلمسك نضرة الشعر، وافراحه واغانيه الكريمة المهذبة، وتهاويل خياله المبدع واهرنيه العذاب.

والقطعة التى تلى المطلع تبين لك ما يثيره الطموح الشعرى من سمو فى الخيال ونزوع الى المجد ..

ونجد الشاعر يقص علينا فى القطعة الثالثة كيف وفى الشاعر بوعد الشعر ونذره، وكيف كان ينتظر ان يلقى من المجتمع جزاء التقدير الذى يتخيل انه يستحقه من العالم ولكنك تحس فى القطعة الرابعة والتي تليها ان الشاعر اخفق فى امانيه

كل الاخفاق. ومن ثم آثر العزلة وظل منطويا على نفسه متبرما من الحياة حتى لقى المنية مغتبطا بوصوله للحقيقة المغشاة بالغرور والاثرة، والكبرياء والاوهام الزائفة.

والوصول الى الحقيقة ليس بالقليل ابدا.

ونجد في حقل التأمل، القصيدة التى يعرض فيها الشاعر تجاربه عرضا اقل ما فيه انه يمنح الشباب الوعى والحذر والفطنة وينير له الطريق .. أجل عرض تجاربه فى القصيدتين اللتين انهى بهما تأملياته،

هذا وانى لو اردت ان ابسط القول فى حقول هذا الديوان لاضعت على القارئ جهد التحليل والنظر.

اشترك في نشرتنا البريدية