الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

مقدمة ابن خلدون ، بين ايدى الدراسين

Share

قامت دار المغرب العربى فى تونس بنشر كتاب " نظريات ابن خلدون " من تأليف المستشرقة الروسية المعاصرة الدكتورة سفيتلانا باتسيفا ، وهو دراسات قصيرة وعميقة حول نظريات ابن خلدون الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية والصوفية وغيرها . أما كتابها الكبير حول دراسة مقدمة ابن خلدون من النواحي العامة والمستوعبة التى تناولت فيها حياته وعصره والمسرح السياسي والاقتصادى والثقافى الذى مثل فيه ابن خلدون أخطر الادوار اثرا فى تاريخ الامة العربية حتى اليوم - فما زال ينتظر دوره فى النشر ، وهو من الكتب الخطيرة التى جعلت من ابن خلدون سلفا وأستاذا  للافكار التقدمية الشائعة اليوم فى عالم النشاط البشرى المعاصر على اطلاقه ،  وعرفته الى قارئ اللغة الروسية باعتباره " العالم العربي العظيم " .

وبه نالت المؤلفة درجة الدكتوراه ، وهي تقوم الآن بترجمة مقدمة ابن  خلدون ترجمة كاملة لاول مرة الى اللغة الروسية .

وفى هذه الحلقات نعرض كيف ألمت المؤلفة بالمراحل الزمانية والمكانية التى جعلت من هذه المقدمة منبعا للعلوم والمعارف التى تتلمذ عليها واحتضنها الدارسون والمتخصصون فى الشرق والغرب ، كل فى ميدان تخصصه ،  وحاولوا أن يتقصوا الجوانب الموسوعية والعبقرية التى ألهمها ابن خلدون والتى ألهمها فيما بعد علماء العالم الكثير من العلوم والمعارف والمناهج التى سبق بها ابن خلدون علماء عصره على الاطلاق ، وعلماء الاجيال التالية حتى اليوم .

ويرجع تاريخ دراسة المقدمة الى أكثر من قرن ونصف ، ومع ذلك فانها لم تصبح حتى الآن مادة لدراسة متخصصة ، كما لا يوجد سوى قوائم مصنفة

للمؤلفات المخصصة لابن خلدون ، بينما أصبحت الحاجة ماسة الى مثل هذا العمل فى الوقت الحاضر .

وينتمى المؤلفون الذين كتبوا عن ابن خلدون الى عصور تاريخية مختلفة ، كما ينتمون الى نظريات سياسية وعلمية عديدة .

وفي مسيرة هذه الدراسات كشف المؤلفون عن آراء أثرت تأثيرا ايجابيا فى فهم هذه المقدمة وأدت الى نتائج قيمة .

ومع ذلك فكثيرا ما تعرضت آراء ابن خلدون للتحريف المتعمد وغير المتعمد ، وجرى تقييهما من وجهات النظر المتحاملة .

ولقد بدأت دراسة الانتاج العلمى لابن خلدون فى العشر الاول من القرن التاسع عشر على أيدى المستشرقين الفرنسيين ، وكان على رأس هؤلاء الدارسين الاوروبيين والعرب فى هذه الفترة سلفستر دى ساسى (1759 - 1838 )وتلاميذه وأتباعه المقربون .

ففي عام 1806 نشر سلفستر دى ساسى نصا وترجمة لفصلين من المقدمة هما : شارات المك والسلطان ، والفاطميون .

وهذه النشرة مصوغة بطريقة معيبة ، وفهارسها ناقصة الى حد كبير ، ولهذا لم تقدم مغزى علميا كبيرا .

وفى الشروح المرافقة قدم سلفستر دى ساسي ترجمة لبعض الفقرات من الموسوعة المصنفة لحاجي خليفة الخاصة بابن خلدون .

وفى نفس العام ، وبرجاء خاص من سلفستر دى ساسى ، أحضر الجنرال سباستيان - رئيس البعثة العسكرية الفرنسية فى تركيا - من سوق الكتب فى استامبول سفرا جميلا للمقدمة ، (نسخة 1733 )التى أصبحت فيما بعد أساسا لنشرة كاترير .

وفى عام 1810 نشر سلفستر دى ساسى نبذتين أخريين . وفي عام 1811 لقب المستشرق النمسوى يوسف هامار (1774-1856 ) - الذى كان واقعا تحت تأثير أفكار الثقافة الفرنسية فى ذلك الحين - لقب ابن خلدون بلقب " منتسكيو العرب " وانه لم يكن واضحا لديه على أى حال وجه الشبه بينهما .

وفي عام 1818 اشار دى ساسى الى أن المقدمة تستحق تقديرا فخريا خاصا من بين أعمال " المؤرخين العرب " وهو يصف بايجاز مكونات المقدمة ، لكنه يفسر سيرة ابن خلدون تفسيرات غير دقيقة ، مأخوذة عن حاجي خليفة .

وبدون ارتباط بأعمال المستشرقين الفرنسيين نشر الأب لانتشى المخطوطة المنسوبة الى ا . ى . ايتالنسكى ، ومقتطفات عن حروف الهجاء العربية ، لكن المقتطفات المنشورة يشوبها عدد كبير من الاخطاء وهى بدون ترجمة ، ولهذا سرعان ما نسيت هذه الطبعة .

ومنذ العشرينات بدأ اهتمام الاستشراق الاوروبى - والفرنسى منه بوجه خاص - بدأ الاهتمام بأعمال ابن خلدون يتزايد ، فقد أصدر يوسف هامار ، و ج . دى تاسى ، و ج . فريتاج ، أصدروا نشرة تضم مقتطفات من فصول  المقدمة ، مصحوبة بالترجمة والشرح .

وفى هذه السنوات لاحظ ج . رينو أن اسم ابن خلدون اكتسب شهرة عظيمة فى أوروبا ، وأثار كتابه ضجة حقيقية فى الدوائر العلمية ، وأجبر الكثير من الباحثين على أن يعيدوا النظر فى علاقتهم بتاريخ الشرق ، ولقد  لعبت الدور الحاسم فى تغيير موقف المستشرقين الاوروبيين مقالة استاذ الفلسفة الشاب ، والعالم المستشرق البارز ، فريدير شولتز( 1977 -  1829 )تلميذ سلفستر دى ساسي .

لقد انهال شولتز بعنف على المستشرقين الاوروبيين الذين شغلتهم - على حد قوله - " السرقات فى الشعر الشرقي " فحسب ، وفي عصرنا هذا  - كما يكتب شولتز - ينتظر منا الرأى العام معارف أكثر تنوعا واتساعا وجدوى ، ومن المشكوك فيه أن هذه المعارف يمكن الحصول عليها من الشعر العربى أو الفارسي ، والمستشرقون يشغلون أنفسهم " بنشر المعلقات أو الغزل ، وتمجيد حافظ أو المتنبى " فحسب ، وكل هذا يسيئ الى سمعة المستشرقين .

ويدعو شولتز الى تحويل مجرى الابحاث ، وينصح فى اصرار بتوجيه الاهتمام الاساسى الى الاعمال التاريخية والفلسفية التى تساعد على فهم " تاريخ الشعب وروحانياته " . ويقول : " إننى أقول كل هذا ، لا عن غرور

تافه ، ولكن لصالح الحقيقة ، بهذا توحى قراءة المقدمة التى لم أر لها - مع الاسف العميق - نشرة مترجمة على الوجه الاكمل ".

وينشر شولتز فى مقتطفاته جزءا كبيرا من : " مقدمة فى فضل علم التاريخ " ، وفي شروح شولتز يقدر تقديرا ساميا للغاية مبادىء دراسة حياة المجتمع ، وبنية الكتاب التاريخي الذي يقدمه لنا ابن خلدون ويشير الى أن " تاريخ العرب والبربر " مؤلف فريد له أهمية علمية وعملية ، وانه يعطي جميع الجوانب والمعارف الحقيقية عن شمالي افريقيا . وفي نهاية المقال يشير شولتز الى ضرورة اصدار نشرة سريعة ، وترجمة لهذا البحث الفلسفي لمؤلف يمكن أن يدعى بحق " مونتسكيو الشرق " .

وينبرى للدفاع عن دراسة الشعر الشرقي سلفستر دى ساسى ، و ج . دى لاجرانج بصفة خاصة ، لان كلا العالمين يستشهد على هذا بالمضمون الفلسفى للشعر وأهميته لفهم حياة الشعوب الشرقية وأفكارها فهما صحيحا ، وقد اتفقا مع شولتز فى شىء واحد فقط ، هو الحاجة إلى دراسة  أكثر فاعلية للمؤلفات التاريخية الفلسفية للشرق .

وقد أحدثت مقالة شولتز دويا هائلا لا في الدوائر العلمية فحسب ، ولكنها اثارت الاهتمام حتى فى وزارة الحربية الفرنسية .

وفى العشرينات والثلاثينات من سنى القرن التاسع عشر ظهر بجلاء تأثير عاملين على جانب كبير من الاهمية ، وقد أثارا اهتماما خاصا بكتاب ابن خلدون فى البلدان الاوروبية ، وقبل كل شئ فى فرنسا .

أولها : النضال العنيف الذي قامت به البورجوازية الاقتصادية المسيطرة اقتصاديا ضد طبقة النبلاء المسيطرة سياسيا .

وثانيهما : طموح البورجوازية الفرنسية الى توسيع حجم أسواقها الاستعمارية التى تقلصت لدرجة عظيمة ابان الحرب الانجليزية الفرنسية .

وكان السلاح الفكرى الاساسى للبورجوازية الفرنسية فى سنوات بعث التراث القديم هو علم التاريخ

ولقد مكنت تجربة الثورة المنتصرة المضادة للاقطاع ووفرة التراث بدرجة كافية لتعليم الافكار التاريخية الفلسفية مكنت الايدولوجية البورجوازية من إعادة النظر فى التاريخ الفرنسى كله ، كما مكنتها من أن تصوره على أنه  تاريخ لنضال الشعب ، أى البورجوازية ضد النبلاء ، وفي هذه الفترة بلغ  علم تدوين التاريخ البورجوازى قمة تطوره ، وكان أشهر ممثلية هما : و . تيري ، و ف . جيزى اللذان ابتدعا نظرية النضال الطبقى . وقد  قاد علم تدوين التاريخ حركة موجهة ضد " الرومنتيكية " الاقطاعية الاكليركية  القانونية ، أى القاعدة الفكرية لاحياء الآثار القديمة .

ولم يكن الاستشراق الفرنسى فى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن  التاسع عشر ميدانا ثانويا بالمرة لجبهة الحرب الايديولوجية بين البورجوازية  والاقطاع ، فالى هذا الحد أو ذاك وضع ممثلوه النوابغ أنفسهم في خدمة الطبقة العليا ، وفى هذا الصدد بالذات تتميز شخصية المؤرخ الفيلسوف  الملحد ، والعالم اللغوي ، والمستشرق الرحالة ، كـ. ف . فولنييه (1757 -  1820 ) و هو باحث مصر وسوريا .

وقد بقى نائبا لكونفينت فى سنوات الثورة ولون امبراطورية ببير فرانس ، كما بقى تابعا للودفيك الثامن عشر وكان طوال حياته الحرة ممثلا منطقيا للعلم التقدمي البورجوازى ، مطورا للآراء التاريخية الفلسفية  لمونتسكيو ، وفولتير ، ورينال ، وهو يشير فى حرية الى ضرورة الاختيار النقدى ، وتحليل الحقائق ، ويطالب بالدراسة العميقة لتاريخ بلدان الشرق وشعوبه ، ويدافع عن الطريقة التى " تميل الى وضع نظام للاسباب والنتائج فى سلسلة الاحداث لكى تستخلص منها نظرية الاصول والمبادئ " . وتحث تأثير دراسة الاقتصاد السياسي ولا سيما مؤلفات الفيزيقيين ، اتخذت الحرية  أساسا فى التطور التاريخي للنشاط الاقتصادى فى المجتمع وفي مقدمته الزراعة ، وبالحرية صنع الكثير من أجل فهم الخاصية الطبعة للتطور التاريخي .

وكانت هذه الآراء المتشابهة مميزة لكثيرين من ممثلى الاستشراق الفرنسى ، فقر أوحت أفكار الثقافة الفرنسية كذلك بالثقافة الليبرالية  الراديكالية للمناطق الغربية والجنوبية لالمانيا التى أبغضت الحمى

" الرومانتيكية " الرجعية التى أفسدت الحياة الروحية للبلاد فى العشرينات والثلاثينات من القرن التاسع  عشر .

وكان ظهور شولتز ، عالم المدرسة الفرنسية ، وممثل البورجوازية الليبرالية فى الثقافة الالمانية فى هذا الصدد - نموذجا فريدا .

انه يهاجم الرومنتيكية فى الاستشراق بقسوة ، وينادى بدراسة الحياة التاريخية الواقعية والايديولوجية السياسية العامة لشعوب الشرق . ولقد كان انسجام كثير من أفكار منتسكيو والمفكرين الآخرين من البورجوازيين التقدميين مع آراء ابن خلدون مما جعل كتاب ابن خلدون " محركا " لا بديل عنه ، وأمكن بمساعدته - كما يرى شولتز - " أن ينقلب علم الاستشراق رأسا على عقب ، وأن يكون سلاحا جبارا فى أيدى البورجوازية  الى حد كبير ، كما كانت الفلسفة وعلم تدوين التاريخ ، ويشير الى التقارب بين أفكار ابن خلدون وأفكار منتسكيو .

وبهذه الطريقة يحول شولتز أفكار الثقافة الى أفكار انسانية عامة ، ويقتحم المنطقة المحرمة لرومنتكى القرون الوسطى " فيسكب على الرومنتكيين دلوا من الماء البارد " كما يعبر مؤلف العرض المنوه عنه فى " السجلات التاريخية "

ومن هذا الموقع يشارك فى هذا الاساس كثير من المستشرقين الاوروبيين الذين هم أكثر محافظة على النزعة القديمة ، والذين أدوا ضريبة الرومانتيكية المعروفة .

اشترك في نشرتنا البريدية