لكل لغة ماهية تميزها عن اللغات الاخرى ، وان لغتنا التونسية هى احدى هذه اللغات ، فلها ماهنتها ، وخصائصها ، وسماتها التى تعرف بها وان درس هذه الخصائص عمل اساسى لتحرك الشعر الشعبى التونسى . وبدون هذا الدرس يكون عملنا غير ذى فائدة ، ولا يجدى هذا الشعر فتيلا ، لانه لا قيمة علمية له .
يمكن ان نتبين ملامح هذه اللغة التونسية بمجرد ارجاع مفرداتها الى لغة أم هى اللغة العربية ، ودون ان نضعها فى اطارها الايقاعى إلى جانب الاطار الايقاعى للغة العربية
ذلك لا يمكننا البتة ان نعالج هذه المشكلة " مشكلة الشعر الملحون " ونعطيه حدا علميا ونلحقه بالشعر العربى ونضعه فى اطار اوزان الخليل . او عن هذا الاطار الا عندما ندرس الشعرين كل واحد منهما على حده وننظر بعد ذلك فى نقط التلاقى ، وفي أوجه الشبه ، او فى نقط التباعد ان كانت ونحكم عند ذلك حكما صادقا تدعمه الحجة والبرهان
ليس من العسير ان نقوم بهذه الدراسة المنهجية . لسببين
اولها : وفرة المراجع ، التى تمكننا من معرفة الشعر العربى ، ومن تحديد ماهيته بسواء أكان ذلك بواسطة علم العروض ، او عن طريق الاستقراء والتامل
وثانيهما اتصالنا المباشر باللغة الدارجة . التى هى اللغة التى نتخاطب بها ونتداولها صباح مساء . وهذا الاتصال يمكننا الى حد بعيد من تحديد ماهية هذه اللغة ومن تحسس خلاياها . ومن أن نستعرض استعراضا بسيطا بعض مفرداتها . من التامل واعمال النظر فى هذه المفردات وذلك فى نطاق واسع يهدينا إلى اسرار جديدة كانت تحجبها عنا عواطف قومية ، حتى اننا نرى بعض الباحثين يكدون اذهانهم ويجتهدون اجتهادا فى تلمس وجة الشبه فى اللفظ والمعنى بين المفرد المستعمل فى لغتنا الدارجة والمفرد في اللغة العربية يقولون فى الآخر ان اللغة الدارجة هى لغة عربية حرفت واهملت فيها علامات الاعراب
لكن كان يجب عليهم ان يعرفوا وجه هذا التحريف ، واشكاله ، وان يبحثوا اسبابه ، بحثا يخرج عن نطاق الفتوحات الاسلامية ، واختلاط العرب بالاعاجم ، الى جوهر القضية ، لان تعليل تحريف اللغة العربية بهذا الاختلاط لا يتعدى ان يكون تعليلا تاريخيا ، لا قيمة لغوية له .
فعندما نرى مثلا الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب فى ابحاثه التى نشرها بمجلة الفكر فى هذا الموضوع موضوع الشعر الملحون والتى تعتمد آراء كان كتبها ابن خلدون عن طائفة بعينها ، وعن قبائل بنى سليم وبنى هلال ورياح الذين نزحوا الى تونس فى عهد ما . ويسرد لنا امثلة من هذا الشعر نقلها ابن خلدون فى مقدمته تلك الامثلة التى سنعالجها فى رسالتنا الثالثة فى مقدمة الشعر الملحون . ونبين فيها خطأ المقابلة بين هذا الشعر شعر الهلاليين وبين ما اورده العلامة حسن حسنى عبد الوهاب لملاك وشقرون وبن موسى وغيرهم من شعراء الملحون نرى ان الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب ، أهمل بحث ماهية اللغة ، وتركيبها .
وكان بامكان هؤلاء الباحثين ان يستعرضوا بعض المفردات ويعملوا فيها الراى ، ويتفلسفوا فى ماهيتها قليلا
فلو أخذوا مثلا هذه الكلمات العربية التى دخلت لغتنا العامية كرة ، صفة رجل ثقة
وتأملوها . لوجدوا ان كرة اصبحت فى لغتنا الدارجة كوره . باضافة واو بعد الكاف ، وحذف التنوين مطلقا
وصفة : صيفة بزيادة ياء بعد الصاد وحذف التنوين مطلقا ورجل : راجل بتوليد الف بعد الراء والغاء التنوين مطلقا وثقة : ثيقة بياء بعد الثاء فما هو الدافع الى هذه الزيادة واى شى نسميها
طبعا لا يجوز لنا ان نسميها لحنا . لانها ليست من باب الاهمال لعلامات الاعراب ، بل هى زيادة فى أصول الكلمة فرجل التى كانت ثلاثية فى اللغة العربية اصبحت رباعية فى لغة التونسيين ، ولا يمكن ان يكون هذا العمل جزافا ولغير سبب فانما زيدت هذه الكلمات احرف مد لتوفر الايقاع وخضوعا لماهية لغة بقى طبعها وماهيتها وانقرضت مفرداتها ، ومن يدرى الى اى اصل ترجع هذه المفردات الايقاعية ، الباقية فى لساننا
فان المسألة فى نظرى تحتاج الى كثير من الدرس والبحث والاستقراء وان دراسة اللغة البربرية ومفرداتها الايقاعية قد تجدى كثيرا فى هذه الدراسة
وان هذا القالب الايقاعى الذى نفرضه على الكلمات العربية لا يبعد ان يكون قالبا بربريا وانى لارجو ان يتوفر لى ان ادرس هذه اللغة التى ما زال يتكلمها في بلادنا التونسية بعض القبائل الجبلية التى انحدرت من اصل بربرى
وحتى نتمكن من ذلك فانه يمكننا ان نستعرض المفردات الايقاعية التى يتكون منها الشعر العربى ، اولا
والمفردات الايقاعية التى يتركب منها الشعر الملحون ثانيا وان هذه المفردات الارتفاعية سواء أكانت عربية ، ام تونسية تتكون من اصلين اثنين هما الحركة والسكون .
الخلاف بين هذه المفردات الايقاعية فى اللغة العربية وفى اللغة العامية يتبين في تركيبها فاللغة العربية باعتبار الحركة والسكون تتركب من هذه المفردات الايقاعية - ونرمز للمتحرك بمطه ( - ) وللساكن بدائره ( 0 )
هى الآتية ( - 0 ) ( - - 0 ) ( - - - 0 ) ( - - - - 0 ) وهذه المفردات الايقاعية حسب الترتيب السبب الخفيف : ( - 0 ) حركة وسكون الوتد المجموع : ( - - 0 ) حركتان وسكون الفاصلة الصغرى : ( - - - 0 ) حركات ثلاث وسكون الفاصلة الكبرى : ( - - - - 0 ) اربع حركات وسكون وفضلت أن ألغى من المفردات الايقاعية العربية الوتد المفروق ( - 0 - ) متحركان يتوسطهما ساكن والسبب الثقيل ( - - ) حركتان متتاليتان
ذلك لانهما خليتان افتراضيتان وضعهما الخليل لاغراض اصطلاحية وليولد منهما بعض مصطلحات العلل
كالقطف - والصلم - والكسف - والوقف
1- فالقطف من علل النقص وهو اسقاط السبب الخفيف من الفاصلة الصغرى وتسكين الجزء الثانى من السبب الثقيل فيها . فتكون عملية القطف كالآتى فى المفرد الايقاعى : الفاصلة الصغرى . ( - - - 0 ) يبقى بعد حذف السبب الخفيف سبب ثقيل هو هذا ( - - ) فيسكن الجزء الثانى منه فيصير ( - 0 ) فـــ ( ـــمفاعلتن ) - تصبح بعد القطف ( مفاعل ) وتنقل الى ( فعولن )
2 - والصلم من علل النقص كذلك وهو حذف الوتد المفروق أصلا وصورته فى مركب ايقاعى ذى ثلاثة مفردات ؟ سببان خفيفان ووتد مفروق ( - 0 - 0 - 0 - ) فعندما يحذف الوتد المفروق من هذا المركب يصير هكذا ( - 0 - 0 ) سببين خفيفين فــــــــ ( مفعولات ) يصبح ( مفعو ) وينقل الى ( فعلن )
3 - الكسف - حذف آخر الوتد المفروق وهو من علل النقص وصورته فى مركب ايقاعى ( - 0 - 0 - 0 - ) وهذا المركب يتكون من ثلاثة مفردات ايقاعية سببان خفيفان ووتد مجموع مثاله ( مفعولات ) بعد الحذف يصير ( مفعولا ) وينقل الى ( مفعولن )
له - الوقف من علل النقص - وهو تسكين الجزء الثالث من الوتد المفروق - وصورته فى مركب ايقاعى - ( - 0 - 0 - 0 - ) وهو يتألف من ثلاثة مفردات ايقاعيه سببين خفيفين ووتد مفروق . وعند اجراء عملية الوقف على هذا المركب الايقاعى يصير هكذا : ( - 0 - 0 - 0 0 ) وهذه العلة التى تدعى الوقف والتى هى من علل الزيادة تلعب دورا هاما فى أوزان الشعر الشعبى كما سيبتبين لك ذلك فى الرسالة الثالثة .
وهكذا نرى ان الغرض من وضع الوتد المفروق كان لتفريع العلل وتمييزها عن بعضها بعض
فهو شكل افتراضى كان يمكن الاستغناء عنه والاقتصار على الفاصلة الصغرى والاسباب الخفيفة . لانه لاوتد مفروقا فى العربية وكل وتد مفروق يؤول حتما الى الوقف اذا انتهى به الكلام او يلحق بالوتد المجموع او الفاصلتين اذا كان فى وسط الكلام . ولذا فهو لا يجدى فى دراستنا الشعر العربى والملحون وهذا الوتد المفروق يلعب دورا آخر فى أصول العروض حيث يقررون
للتفعيلات العشر العربية اربعة أصول . وهى التفعيلات التى تبدأ بوتد من الاوتاد سواء أكان مفروقا ام مجموعا وكل تفعلية تبدأ بسبب خفيف او سبب ثقيل . تعد فرعية . على اعتبار السبب الثقيل هو الجزء الاول الايقاعى من مركب الفاصلتين الصغرى والكبرى (- - - 0 ) ( - - - - 0 )
وعلي هذا الاعتبار فالفاصلتان جملتان ايقاعيتان مركبتان احداهما من سبب ثقيل وسبب خفيف وهى الفاصلة الصغرى واخراهما من سبب ثقيل ووتد مجموع وهى الفاصلة الكبرى
وان ما يدفعنى إلى اعتبار الوتد المفروق لا وجود له فى اول التفعيلة هو الالتباس بينه وبين السبب الخفيف لانه يبدأ كما ترى بسبب خفيف ( - 0 - ) مضافا إلى مفردات ايقاعية اخرى كما فى هذه التفعيلة الاصل ( فاع لاتن ) (- 0 - - 0 - 0 ) وهي جملة ايقاعية افترض انها مركبة من وتد مفروق وسببين خفيفين ، فاى شىء يفرقها ويميزها عن ( فاعلاتن ) التى تبدأ بسبب خفيف ( - 0 - - 0 - 0 ) فهى الجملة الايقاعية الاولى ذاتها سوى اننا نفترض فى هذه الجملة الثانية تبدأ بسبب خفيف - وانها مركبة من ثلاثة مفردات ايقاعية . سبب خفيف ووتد مجموع وسبب خفيف 0 اى شىء يدفعنا الى هذا الافتراض لولا تفريع العلل والزحاف وتقسيمها الى الاقسام الكثيرة التى انتهت اليها فى علم العروض
فذه التفعيلات الاصول الاربعة التى تبدأ بالاوتاد مجموعه كانت او مفروقة هى الآتية :
أ - ( - - 0 - - - 0 ) ( مفاعلتن ) وتد مجموع وسببان ثقيل وخفيف ب - ( - - 0 - 0 ) ( فعولن ) مفردان ايقاعيان وتد مجموع سبب خفيف ج - (- - 0 - 0 - 0 ) ( مفاعيلن ) وتد مجموع سببان خفيفان د - ( - 0 - - 0 - 0 ) ( فاع لاتن ) وتد مفروق سببان خفيفان فالتفعيلات الاصول الثلاث الاولى تبدأ بوتد مجموع والتفعيلة الرابعة تبدأ بوتد مفروق
وان هذه المفردات الايقاعية لا تلعب اى دور فى بحور الشعر الا من حيث رصفها . وعندما تقرأ هذه الجمل الايقاعية طردا وعكسا يتولد منها عشر جمل ايقاعية هى جمل الشعر العربى فى جميع بحوره وأوزانه الاصلية والفرعية مع ملاحظة انها تقرأ طردا وعكسا من حيث هى مفردات - لا من حيث هى حركة وسكون .
فيقلب الاصل الاول الذى هو ( - - 0 - - - 0 ) الى ( - - - 0 - - 0 ) والثانى ( - - 0 - 0 ) الى ( - 0 - - 0 ) والثالث ( - - 0 - 0 ) الى ( - 0 - 0 - - 0 ) ( - 0 - - 0 - 0 ) والرابع ( - 0 - - 0 - 0 ) الى ( - 0 - 0 - 0 - ) ( - 0 - 0 - - 0 )
هذه هى الجمل العشر الايقاعية التى يتركب منها الشعر العربى
ومن المفردات الايقاعية التى أثبتها علم العروض السبب الثقيل وهو حركتان ( - - ) ويدخل الزحاف على هذا المفرد الايقاعى اما بتسكين الجزء الثانى منه او بحذفه
فاذا كان هذا المفرد الايقاعى الذى هو السبب الثقيل فى بدء الجملة الايقاعية . فان تسكين الجزء الثانى منه يسمى اضمارا وصورته فى - - - 0 - - 0
فهذه الجملة الايقاعية متألفة من ثلاثة مفردات ايقاعية وهى سبب ثقيل وسبب خفيف ووتد مجموع فتصير بعد الاضمار وهو تسكين المتحرك الثانى فى السبب الثقيل ( - 0 - 0 - - 0 )
فمتفاعلن تصبح متفاعلن بتسكين التاء وتنقل الى مستفعلن اما اذا كان السبب الثقيل باعتباره مفردا ايقاعيا ثانيا فى الجملة الايقاعية فان تسكين الجزء الثاني منه يسمى عصبا .
وصورته : - - 0 - - - 0 فيصير بعد العصب - - 0 - 0 - 0
فانت ترى أن الجملة الايقاعية بعد ان كانت متركبة من ثلاثة مفردات ايقاعية
هي الوتد المجموع والسبب الثقيل والسبب الخفيف اصبحت بعد العصب - تتركب من وتد مجموع وسببين خفيفين . اولهما كان سببا ثقيلا سكن جزؤه الثانى فاصل المركب الايقاعى قبل العصب مفاعلتن وبعد العصب مفاعاتن وتنقل الى مفاعيلن هذا فيما يتعلق بتسكين الجزء الثانى من السبب الثقيل
وهناك نوعان آخران من الزحاف يدخلان السبب الثقيل ايضا وهما الوقص - والعقل
فالوقص هو حذف المتحرك الثانى من السبب الثقيل ( - × ) وذلك عندما يكون هذا المفرد الايقاعى أولا فى الجملة الايقاعيه : مثاله ( - - - 0 - - 0 ) فهذه الجملة او المركب الايقاعى يتركب من ثلاثة اجزاء هى الآتية سبب ثقيل ( - - ) سبب خفيف ( - 0 ) وتد مجموع ( - - 0 ) فعندما يحذف الجزء الثانى من المفرد الايقاعى الاول الذى هو السبب الثقيل - يسمى هذا الحذف وقصا وصورته متفاعلن ( - - - 0 - - 0 ) فى الاصل فيصبح بعد الوقص هكذا ( - - 0 - - 0 ) مفاعلن فيكون الجزء الاول من هذا المركب الايقاعى بعد الوقص مركبا من جزأين هما سبب ثقيل حذف جزؤه الثانى المتحرك وسبب خفيف ولا يكون بتاتا كما قد يتبادر الى الذهن بعد الواقص وتدا مجموعا ، لانه لم يكن وتدا مجموعا فى الاصل وان هذا الزحاف ذاته يسمى عقلا إذا ورد هذا المفرد الايقاعى ( - - ) ثانيا فى الجملة الايقاعية . وصورة هذا العقل هو ان تصبح ( - - 0 - - - 0 ) مفاعلتن بعد عقلها ( - - 0 - 0 - 0 ) مفاعاتن وتنقل الى مفاعيلن
فان هذا التفريع كله من اضمار ووقص وعصب وعقل . ناتج على اعتبار الفاصلة مفردا ايقاعيا مركبا .
وهذا ما جعل علم العروض يصعب أخذه ، ويكثر تفريعه ،
ولو جعلت الفاصلتان مفردين ايقاعيين اصليين ، لوقع اجتناب هذا التفريع الذي لا فائدة تجنى منه . مع الغاء الفاصلة الكبرى من المفردات الأصول لانها تتولد من الزحاف والعلل - فتكون المفردات الأصول ثلاثة الوتد المجموع - ( - - 0 ) السبب الخفيف - ( - 0 ) الفاصلة الصغرى ( - - - 0 ) الذى لافائدة تجنى منه .
وان هذا لا يهمنا فى هذا البحث الا من حيث اقرار المفردات الايقاعية للشعر العربى وهى المفردات التى ستقابل بها المفردات الايقاعية للشعر الملحون
اذن فهذه المفردات فى النهاية هي ثلاثة : السبب الخفيف : ( - 0 ) الوتد المجموع : ( - - 0 ) الفاصلة الصغرى : ( - - - 0 )
وانه لو بنى علم العروض على هذه الاصول الثلاثة لوقع اختصاره وسهلت دراسته على الباحثين . ولكان الاضمار والعصب زحافا و واحدا يدخل الجزء الثانى من الفاصلة الصغرى ذكرت اولا او ثانيا فى الجملة الابقاعية ، ولكان الوقص والعقل كذلك شيئا واحدا يدخل الجزء الثانى من الفاصلة الصغرى المتركبة من اربعة اجزاء ولها قيل فى الزحاف المفرد يقال فى الزحاف المركب وهو زحاف لم نتعرض له فى هذا البحث ويقال كذلك فى العلل التى كنا شرحناها واستعرضنا ما يتعلق منها بهذا الباب
واذا كان الشعر العربى من حيث ايقاعه مسافات صلوات تعتمد الحركة والسكون - وان ابعاد الحركة المرسلة اى التى لا يعقبها ساكن هى غير ابعاد الحركة التى يعقبها سكون حيا كان او ميتا - فان الشعر التونسى الذى ندعوه شعرا ملحونا لا يسير على هذا النمط ، ولا يعتمد هذه المسافات وليست له الاطوال الصوتية ولا الابعاد الايقاعية التى للشعر العربى
واذا كان تركيب هذه المفردات الايقاعية ذات الابعاد والاطوال المختلفة هو كترتيب القضايا المنطقية من حيث هى سالبة وموجبة ، فانه يتعدد بحسب تركيبها وترصيفها الايقاع العام للبيت الشعرى وتتعدد البحور
فالشعر العربى وان كانت تتعدد فيه الحركة وهو من هذه الناحية اقرب الى الشعر الفرنسى الذى تتعدد فيه الحركات ولا يفترق عن الشعر الفرنسى الا فى كونه لا يعد بها ولا تصلح حركاته ان تكون مقاطعا . اذ قد نجد عدد الحركات مثلا فى البحر البسيط اربع عشرة حركة فلا يلزم من هذا ان يكون البحر البسيط كالبحر الطويل الذى يحتوى كذلك اربع عشرة حركة لان ترصيف الحركات وتركيبها يختلف فى البسيط عنه فى الطويل
فنحن اذا اخذنا مثلا من الطويل بيتا .
الا لا أرى الاحداث مدحا ولاذما
فما بطشها جهلا ولا كفها حلما
فاننا نجد البيت من حيث المسافة الحركية اربعة عشر مقطعا مكررة مرتين نصفها فى الصدر ونصفها فى العجز
- - 0 - 0 - - 0 - 0 - 0 - - 0 - 0 - - 0 - 0 - 0
فيكون مجموع المقاطع فى الشطرين ثمانية وعشرين هذا بالنسبه للبحر الطويل الذى هو فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن اما مثال ذلك في بحر آخر وهو بحر البسيط مثلا فيظهر فى هذا البيت
أمن تذكر جيران بذى سلم
مزجت دمعا الجرى من مقلة بدم
فعدد الايقاعات الحركية فى الصدر اربعة عشر ، وفى العجز اربعة عشر كما هو الشان فى الطويل سواء بسواء
فيكون مجموع المقاطع الحركية او الارجل فى الصدر والعجز 14 + 14 = 28
فان عدد المقاطع الحركية فى بحرى الطويل والبسيط وان كان متساويا الا كان في البسيط مختلفة عما هى عليه فى الطويل ترصيفا وتركيبا واذا كان هذا التساوى فى عدد المقاطع لا يجعل من هذين البحرين بحرا واحدا فى الشعر العربى ، فان الشأن يختلف عن ذلك فى الشعر الفرنسى
ولهذا كان يتعذر علينا ان نسلط مقاييس الشعر الفرنسى على الشعر العربى ومقاييس الشعر العربى على الشعر الفرنسى مثلا . ذلك لان ماهية اللغتين تختلف عن بعضها بعض اختلافا جوهريا اذ أن هندسة اللغة العربية هى غير هندسة اللغة الفرنسية فى المفردات الايقاعية
لا لشىء الا لان الضوابط تختلف بحسب شكلية اللغات وطبيعتها وملامحها من حيث هى مفردات ايقاعية
فالمفرد الايقاعى فى الشعر العربى له ثلاثة اشكال او تراكيب كما كانت اسلفت . وهي السبب الخفيف ، والوتد المجموع ، والفاصلة الصغرى ،
واني لاعدها مفردات اصلية . وان ترتيبها من بعضها بعض هو الذى يكيف البحور العربية .
بينما المفرد الايقاعى فى اللغة الفرنسية هو غير هذا وهو ذو خلية واحدة التى هى المقطع .
وبهذا اكون استطعت ان اضع مقدمة علمية يمكن لى ان اعتمدها فى الرد على وليام مرسى الذى يرجع الشعر التونسى الملحون إلى الشعر الفرنسى باعتبار الشعر التونسى ذا أوزان تعتمد المقاطع
واستطعت كدلك ان أخالف الاستاذين حسن حسنى عبد الوهاب ومحمد المرزوقى اللذين يذهبان ، مذهبا آخر وهو جعل الشعر الملحون شعرا عربيا نزح الى تونس عن طريق بنى سليم والهلاليين اعتمادا على ما نقله ابن خلدون لهؤلاء الاعراب من شعر فى مقدمته - ويأتى بيان ذلك فى الرسالة الثالثة .

