هذا كتاب يحتوى على مجموعة من المقالات نشرت بالجرائد والمجلات التونسية وظهر بعضها منذ أكثر من عشرين سنة بدون إمضاء ؛ كما يحتوى على عدد من التعاليق الاذاعية قيلت غداة الاستقلال وواكبت احداث تصفية الاستعمار وملابساته ، كما رددت اصداء نضال الشعوب من أجل الحرية والكرامة والدفاع عن السلم والوئام بين البشر ، وساهمت فى التخطيط الى بعث مجتمع تونسى متجدد أصيل
وإنما دفعني الى هذا العمل الحرص على صيانة هذه المقالات من النسيان والتلاشى ، بل المشاركة بها فى إثراء المنشورات التونسية ، ولو بقدر جد متواضع ، والافادة بما قد تلقيه من اضواء على بعض الاحداث التاريخية او تزود به عالم الاجتماع ، والمهتمين بشؤون تونس عامة ، من معلومات حول حال البيئة التونسية قبيل الاستقلال وبعده ، والتعريف باتجاهات جماعة من المثقفين والمربين الشبان إزاء مستقبل التربية والتعليم بهذه البلاد ، وارائهم حول رسالة الثقافة ومعنى الأدب وماهية الالتزام ومقومات الحضارة القومية .
ودفعني كذلك الى القيام بهذا العمل ، أملى فى أن اوحى الى الشباب بأن يعتبروا بمواقف من سبقهم ، عساهم أن يتبينوا طريقهم ، ويواجهوا مصيرهم ، ويضطلعوا بمسؤولياتهم ويقووا على الاختبار ، ومغامرة الاختبار فيما هم مطالبون به - ومضطرون اليه فى اخر الأمر - من مواقف واعمال قصد المساهمة في تشييد تونس وصنع حضارتها كما ساهم من جاءوا قبلهم في ! تحريرها ودعم استقلالها .
ولئن افتقر هذا الكتاب فى الظاهر - الى وحدة الموضوع ، فان المتأمل في كل ما احتواه من مقالات قد يتبين الخط الواحد الواضح الذي يربط بينها
جميعا ، ويدرك الاتجاه الفكرى والاخلاقى الذى تصدر جميعها عنه وتنتمي اليه ، بل قد يستشف النظرة المنطقية ، الشاملة ، الهادفة ، الى الواقع المتغير ، والأحداث المختلفة المتقلبة .
لذلك رأيت أن يكون عنوان الكتاب : مواقف وآثرت على وحدة الموضوع انتساب المواضيع جميعها الى اتجاه واحد ، وإخضاعها الى غاية واحدة ، والوفاء بها الى سلم قيم واحد ، ونظرة إلى الوجود واحدة . وحرصت دائما على مواجهة صروف الحياة ومنعرجاتها بمنطق واحد ، ورد فعل واحدة ، من دون انزلاق إلى المجانية ، وتورط مع الانتهازية أو حتى الملابسات الظرفية ، واجتنبت الغموض والتناقض والرمزية والسلبية والتحليلات التى تدعى الكشف عن عبثية الوجود واللاتصال بين الانسان والانسان ، وحقارة الكائن الحي فى هذا الكون ، فاذا هي تورث العجز فى أوساط الشباب وتحول دونهم ودون شرف النضال والتضحية من أجل تقرير المصير بكل ابعاده ، بل سعيت الى الوضوح فى المقصد والمبنى ، أسوة بما قاله الجاحظ من أن احسن الكلام ما كان معناه في ظاهر لفظه .
ذلك أنى أعتقد أن الانسان المواطن ، والكاتب بصفة أخص وأوكد ، لا يقتصر دوره على التفرج الباهت والتسجيل السلبى ولو بدعوى التحرى والموضوعية ، بل هو مدعو ازاء ما يستجد ويحدث حوله الى التقييم والحكم ، والدعوة والاقناع ، لا بدافع الطمع أو الخوف ، ولا انسياقا مع العدد ، او محاكاة للأنجح والأشهر ، بل احتراما للنفس ، قبل كل شئ ، وحرصا على ضرورة تماسك الشخصية الذاتية وتالف مقوماتها ، وهو لا يكون إلا إذا انسجم العلم والعمل وكانت عقيدة يوم الجمعة هي عقيدة سائر الأيام ، كما قد يقول أرتر كستلر
ومن هنا تتجلى مسؤولية الكاتب إزاء نفسه وإزاء مجتمعه ، وهي التى بها بشرف ويعز ، ومنها يستمد القوة والجأش للاضطلاع برسالته السامية فى هذا الوجود .
إن الكاتب الأصيل يتخذ دائما موقفا ، من دون مواربة وفي غير التواء ، لأنه يؤمن بقدرة الارادة البشرية على تغيير الواقع ، ولأنه لا يكفر بشئ كفره بأسطورة حتمية التاريخ وترديد بعضهم لماساة الانسان فى عالم تدير شؤونه قوى ما ورائية عمياء أو نواميس اقتصادية ومادية قاهرة
والكاتب الأصيل يتخذ دائما موقفا فى شجاعة وإباء لأنه يابى أن يعوى مع
العاوين ، إذ هو يرفض مجتمع الذئاب ، ويابى أن يهتف مع الهاتفين ، لأنه يحقر المنافقين ، ويرفض أن يصمت مع الصامتين ، لأن الصمت ليس دائما من ذهب ، بل قد يكون رصاصا ، يثقل فيميت
الكاتب الأصيل يتخذ موقفا للتعبير عن رأيه من دون التباس ، والاتصال بغيره من الناس في الآن والاستقبال ، وتحطيم جدار الصمت ، والتخلص من جاذبية الرتابة وحضيض التقليد وعار التفاهة والحقارة .
إنما يقف الكاتب موقفا من أجل كل هذا لا محالة ، ويعبر عنه بأسلوب هو حر في اختياره لأنه صنو له وشاهد عليه ، ولكنه ، الى جانب ذلك ، يقول ما يقول ويكتب ما يكتب لأنه يسعى الى ان يدرك القراء ، والناس عامة ، هذا المعنى الذي اكسبه حياته ، بل نمط الحياة الذي يقترحه ويتحمل تبعاته ، ويسعى الى أن يدركوا ما بينه وبين اقواله وكتاباته من تآلف وأنسجام ووحدة متماسكة .
وليس من باب الصدف أن أهديت هذا العمل المتواضع الى الشباب ،الى الأجيال الصاعدة ؛ ومطمحى ليس بالدرجة الأولى أن يتبنوا أفكارى أو يتمسكوا بتحاليلى او ان يسلكوا سلوكى ؛ إذ محبتي لهم وثقتى فيهم تابيان على أن أضعهم في منزلة المقلدين ، بل إنى أحرص الناس على مساعدتهم في شق طريقهم بأنفسهم ، واستجلاء القيم التى سيستهدونها فى حياتهم
غير أنى أمل أن تساعدهم هذه المواقف على النظر الحصيف فيما يتلقونه على مقاعد بعض المدارس والكليات ، ويستمدونه من مطالعة المجلات والكتب ومشاهدة الأفلام والمسرحيات والبرامج التلفزية . . وتمدهم بما يعينهم على مزيد التحري والحيطة ، والحذر من النظريات الذائعة الصيت بفضل بعض الوسائل السمعية البصرية الخاضعة للتجار والخادمة لمصالح رأس المال ، او المنتحلة لثوب العلم والموضوعية أو المتشدقة بالثورية والتقدمية وهي تمهد فى الواقع الى ابشع صور الامبريالية والسيطرة الايديولوجية ، والتى قد توهمهم - جميعها - بالتحرر وتغريهم بالحرية فاذا هم - بتبنيها - مقلدون ، وضحايا من حيث لا يشعرون
بل آمل أن تحفز هذه الأفكار الشباب إلى توخي طريق الشك الشائك ، والطلب المضنى ، والتشبث بحبل الصدق المتين ، والوفاء للروح الأمين والاقدام على تحمل المسؤولية فى شجاعة وهمة نفس ونبل قلب .
ومهما يكن النسق الفكرى الذى قد ينتهون إليه فى خاتمة مطافهم الروحى والثقافى ، ومهما يكن سلم القيم الذي تؤول إليه مغامرتهم الوجودية ، وأيا كانت المواقف التى قد يقدمون عليها ويتمسكون بها ، فانه لا مناص لهم ولنا - من ان يربطنا وإياهم جذع حضارى مشترك وعروة ثقافية وثقى ، هى هذه الأمة التونسية الماجدة التى ننتسب إليها كلنا ، ونتحمل جميعا مسؤولية الحفاظ على مقوماتها التى من دونها لا حياة لنا كأفراد ولا منزلة لنا كأمة بين الأمم .
وليتفلسف المتفلسفون وليحلم الحالمون ، فان حقيقة أبدية تبقى ! هي ان لكل امة ديمومتها الممتدة عبر القرون ، وحركيتها الذاتية الدفينة فى الأعماق وإن اى عمل سياسي أو اقتصادى أو اجتماعي او ثقافى يتناقض مع سنة أمة من الأمم لا يمس منها إلا السطح ولا يفلح إلا فى الظاهر
لقد سعى جيلنا - بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة الذي اوجدته عبقرية هذه الأمة لينقذها مما أراد لها الاستعمار الفرنسي من فرنجة ومسخ وذل ، فأيقظها الى الايمان والجهاد وقاد نضالها حتى فازت بنور الحرية وشعرت بنخوة الاستقلال - سعى جيلنا إلى الاخلاص لجوهر الأمة التونسية فيما كتبه من مقالات وأتاه من أعمال وأتخذه من مواقف . فعسى أن يدرك الشباب الصاعد العبرة من هذا الجهاد ويعمل على دعم صلة الرحم بين الأجيال ويكون عنصر تجديد ، ونهضة ، وتقدم ، ووعي بمقتضيات العصر الحاضر ، ويتحمل مسؤولية البناء والتشييد والازدهار الاقتصادى والعدالة الاجتماعية مع الوفاء لروح هذه الأمة والانسجام مع باقى خصائصها وعميق اشواقها .
تلك مواقفنا منذ شبابنا وذلك هو موقفنا من شباب اليوم !

