يهئ أحد طلاب جامعة محمد الخامس بحثا ، من أجل نيل دبلوم الدراسات العليا ، حول كتاب ( الكوكب الثاقب فى اخبار الشعراء وغيرهم من ذوى المناقب ) ، لمؤلفه عبد القادر بن عبد الرحمان السلوى ، الاندلسى الاصل ، الفاسى المنشأ التونسى الدار . ونظرا لأن هذا المؤلف يكاد يكون مجهولا ، يرجو هذا الطالب بحرارة من كل السادة الباحثين والمهتمين ، وقراء مجلة الفكر الغراء ، وعائلة الحاج احمد بن غشام الطرابلسي - التى تنتسب الى المؤلف - أن يمدوه بكل المعلومات التى تتعلق بحياة المؤلف وكتبه وخاصة النسخة الاصلية المكتوبة بخط يده من ( الكوكب الثاقب ) وكذلك الآثار المنسوخة بخط يده ، أو ان يرشدوه الى مظانها والجهات التى يحتمل ان تكون فيها وهو مستعد لأن يعوض لهم كل ما يمكن أن يتحملوه من تكاليف فى سبيل ذلك .
تشتمل هذه المقدمة على تعريف موجز ( 1 ) بالمؤلف ، ثم وصف لمحتويات الكتاب وطريقة المؤلف فى الترجمة للشعراء مع بعض الملاحظات العامة ، ثم بيان قيمة الكتاب والفائدة من تحقيقه ونشره ، وأخيرا وصف النسخ المخطوطة منه .
التعريف بالمؤلف
مؤلف هذا الكتاب هو عبد القادر بن عبد الرحمان السلوى من رجال القرن الثانى عشر للهجرة ، وهو أندلسى الاصل ، فاسى المنشأ ، تونسى الدار ( 2 ) ولا تعرف سنة وفاته ولكن من المرجح أن تكون فى أواخر القرن الثانى عشر لانه ألف كتابه ( الكوكب الثاقب ) فى سنة 1176 ه ( 3 ) ، وهو آنذاك شيخ كبير السن ( 4 ) ، كما ذكر فى مقدمة كتابه . ومن المعروف أنه كان مازال حيا سنة 1180 ه ، فقد جاء فى مقدمة كتابه ( ادراك الامانى من كتاب الاغاني ) ( 5) أن السلطان محمد بن عبد الله العلوى أمر له سنة 1180 ه باحياء كتاب الاغانى لابى الفرج الاصبهانى وذلك "بتصحيحه" و "تحقيقه" سكن المؤلف فى القطر الشقيق تونس وتولى القضاء فى بنزرت وتزوج وأعقب ذرية هناك وما زال بعض أحفاده الى الآن ، وهم ينتسبون الى اسرة زوجته التى تدعى اسرة ابن غشام ( 6 ) .
ولا تعرف ترجمة مفصلة للمؤلف ، اذ لا نعلم شيئا عن حياته الدراسية فى المغرب ولا عن سبب تنقله الى تونس الشقيقة ولا عن أخباره وحياته فيها الا
النزر القليل المتفرق ، فقد ذكر الاستاذ الباحث محمد الشاذلى النيفر أنه درس بفاس على الامام المسناوى محمد احمد الدلائى الفاسى ( 1136 ه) ( 7 ) وقد عمل فى بلاط الباى التونسى على باشا بن محمد بن على من الاسر الحسينية وقد نسخ له الاجزاء الثلاثة الاولى من كتاب ( الوافى بالوفيات ) للصفدى ، وكان الفراغ من نسخ الجزء الثاني سنة 1156 ه ( 8 )
كما لخص له " الحاشية الكبرى على تفسير ابى السعود المسماة : مطالع السعود ، وفتح الودود ، على تفسير الامام ابى السعود ، تأليف الشيخ محمد بن عبد الله زيتونة التونسي ( 9 ) . ومن المعتقد ان صاحبنا ألف كتابه ( الكوكب الثاقب ) وهو بتونس ( 10 ) سنة 1176 ه . ثم نجده بعد ذلك بقليل فى المغرب حيث أمره السلطان محمد بن عبد الله بتصنيف كتاب ( ادراك الأمانى ) سنة 1180 ه ( 11 ) .
ويذكر العالم البحاثة الاستاذ الشاذلى محمد النيفر ان لكاتبنا مصنفا فى الاصول يقع في 72 صفحة ( 12 ) . ولا ندرى متى ألف هذا الكتاب .
الكوكب الثاقب :
و لا شك ان أهم مؤلفات كاتبنا هو ( الكوكب الثاقب ) وهو يتألف من مقدمة وعشرة أبواب وهى كما يلى :
الباب الاول فى طبقات الشعراء وما جاء فى تعلم الشعر وتعليمه عن السادة الكبراء .
الثانى فى ذكر نبذة من أشعارهم وما يحسن ايراده من أخبارهم .
الثالث فى الحرب وتدبيرها وما ينبغى من الحزم والتيقظ لمن يباشرها
الرابع فى الشجاعة والجبن وآلات القتال وما للشعراء فى ذلك من بديع المقال . الخامس فى الجود والسخاء والايثار ، وما يؤثر فى ذلك من عجيب الحكايات السادس فى الشح والبخل وما يبغى من تجنبهما لاهل الفضل السابع فى السفه والحلم وما قيل من ان أحق الناس به الولاة وأولو العلم . الثامن فى ذكر ملوك بنى أمية وابتداء دولتهم التاسع فى ذكر الخلفاء من بنى العباس الى منتهى دولتهم والعاشر فى نوادر من الأخبار حفظت عن أهل الجاهلية وغيرهم ونقلها الأئمة الاخيار .
وأهم أبواب الكتاب هو الباب الثاني الذي يحتل ثلثى صفحات الكتاب تقريبا ( 296 صفحة من أصل 431 هى مجموع صفحات الكتاب ) . وقد ترجم المؤلف فى هذا الباب لتسعة وعشرين ومائة شاعر
ويمكن تقسيم هؤلاء الشعراء المترجم لهم الى ثلاث طوائف :
1 - الشعراء الاسلاميون وعددهم ثمانية عشر شاعرا . 2 - شعراء دولة بنى العباس وعصر الانحطاط وعددهم ستة وتسعون شاعرا 3 - شعراء الاندلس والمغرب العربى وعددهم خمسة عشر شاعرا ( تسعة من الاندلس والباقي من المغرب العربى ) .
والملاحظ ان شعراء الدولة العباسية وعصر الانحطاط قد نالوا حصة الاسد من عناية المؤلف : اذ ان عددهم يصل تقريبا إلى ثلاثة أضعاف الشعراء الاسلاميين والاندلسيين والمغاربة جميعا
ويلاحظ أيضا ان شعراء الاندلس والمغرب لم يردوا في الكتاب على حدة وانما جاءوا مختلطين بغيرهم من شعراء المشرق العربى . وقد وردوا جميعا فى أواخر الباب وهذا يدل على ان المؤلف اعتمد فى ترتيبه للشعراء المقياس
الزمنى منتقلا من الاقدم الى القديم وهكذا . ولم يهتم المؤلف بذكر الشعراء حسب أقاليمهم ، وذلك أمر طبيعى من مؤلف يضع كتابا عن الشعراء العرب بغض النظر عن الحدود والاقاليم
واذا كانت أغلبية الشعراء الذين ترجم لهم من مشاهير الشعراء كالحطيئة والفرزدق وجرير وبشار وابى نواس وغيرهم ، فان كثيرا من الاسماء المترجم لها لم تشتهر بالشعر واذ كانت لها أشعار قليلة ، ومن هؤلاء الفقهاء والقضاة والعلماء والمغنون والامراء والولاة والخلفاء وغيرهم . وذلك تطبيقا لعنوان الكتاب : ( الكوكب الثاقب فى أخبار الشعراء وغيرهم من ذوى المناقب ).
واذا ما نظرنا فى مقدار الشعر الذي يرويه للشعراء ، فاننا نلاحظ أنه يروى للبعض مقطوعات كثيرة بل قصائد طويلة تفوق أحيانا الثلاثين بيتا ، بينما يروى للبعض الآخر أبياتا متفرقة قد تكثر الى أن تفوق الاربعين بيتا وقد تقل حتى تصل الى البيتين والثلاثة
طريقة المؤلف فى الترجمة للشعراء .
يبدأ المؤلف ترجمته للشاعر بذكر اسمه ونسبه وكنيته ولقبه الذى اشتهر به ( 13) ، ثم يذكر الاغراض الشعرية التى برز فيها كما يذكر آراء العلماء فى شعره ، وينتقى له بعض الاشعار التى يستحسنها . ويروى فى أثناء ذلك بعض الاخبار والحكايات والنوادر المستملحة التى لها صلة بالشاعر وشعره . ثم ينهى الترجمة فى بعض الاحيان بذكر سنة وفاته
ويلاحظ أن الاشعار التى يرويها المؤلف للشاعر يختارها غالبا من الغرض الذى اشتهر به الشاعر ، فمثلا روى للحطيئة حوالى أربعين بيتا أغلبها في الهجاء ، الا انه يورد أيضا بعض الابيات التى استجيدت فى أغراض أخرى .
ويلاحظ من جهة أخرى أن المؤلف شغوف بإيراد الاشعار الماجنة التى يتحرج كثير من المؤلفين من ذكرها فى كتبهم . وتختلف موضوعات هذه
الاشعار بين الهجاء الفاحش والغزل الاباحى والخمريات الماجنة وغير ذلك من الموضوعات ( 14 ) .
واذا كان المؤلف يبدى استحسانه لبراعة الشاعر فى هذه الاشعار فانه لا ينسى - وهو الفقيه القاضى - أن يظهر فى الوقت نفسه عدم موافقته لما ورد فيها من مساس بالأخلاق والدين . يقول مثلا عن يزيد بن معاوية : " كان يزيد شاعرا محيدا الا ان اكثر شعره فى الخمر " . وبعد ان يروى له بعض الابيات فى الخمر يقول معلقا : " وله أشعار كثيرة من هذا المعنى تدل على خبثه وفسقه . ويقول عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك : " وكان فاسقا ضليعا متهما فى دينه ، مرميا بالزندقة . وله أشعار كثيرة تدل على خبثه وكفره وبرغم هذه الاقوال التى تدل صراحة على استهجانه لمحتوى هذه الاشعار فانه يكثر من ايراد هذا النوع من الاشعار حتى تفوق ما يرويه من الاشعار الحكمية او الدينية . واذا علمنا ان المؤلف كان فقيها وقاضيا علمنا ان طبعه الفنى الادبى كان أقوى مما تفرضه عادة مهنة القضاء على صاحبها من وقار وتزمت .
وهذا الميل الى هذا النوع من الاشعار يصاحبه ميل الى رواية النوادر الغريبة والحكايات العجيبة والماجنة فى كثير من الاحيان . ولا تكاد تخلو أية ترجمة من حكاية او عدة حكايات من هذا القبيل . وغالبا ما يبدأ هذه الحكايات بقوله " ومن أعجب ما يحكى عنه . " أو " ومن عجائبه ." ومن المرجح أن شغف المؤلف بهذه الحكايات يعود الى رغبته فى جعل مادته الادبية مشوقة ومحببة للقلوب ، اتباعا لطريقة الجاحظ فى الجمع بين الجد والهزل فى كتاباته . وقد أوضح المؤلف فى مقدمة كتابه هذا الاهتمام بالحكايات والاخبار الغريبة فقال : فذكرت فيه أغراض الشعر وفنونه وعزيزه وعيونه وأبكاره وعونه ومن اخبار غريبة وحكايات عجيبة معزوة لاربابها ومسندة الى اصحابها " ( 15 ) .
وقد نتج عن شغف المؤلف بتلك الحكايات أنه كان يطيل فى الحديث عن الشعراء الذين يجد حياتهم خصبة بمثل تلك الحكايات والاخبار الغريبة ، فى
حين يوجز تراجم الشعراء الذين لا يجد فى حياتهم ما يشبع نهمه الى الحكايات التى تستهويه . ومن هنا كان التفاوت كبيرا فى عدد الصفحات المخصصة لكل شاعر ، فبينما يترجم للبعض في سطور قليلة (16 )، نجده يخصص لآخرين عددا من الصفحات تفوق أحيانا العشر ( 17 ) .
والمؤلف حريص على الامانة العلمية ، فقد ذكر فى مقدمة كتابه قائمة الكتب التى اعتمدها فى تأليف كتابه من أمثال الكامل للمبرد ، والاغانى للاصبهانى وبهجة المجالس وأنس المجالس لابى عمر يوسف النمرى الاندلسي ، وخاص الخاص لابى منصور الثعالبى ، وسراج الملوك لابى بكر الطرطوشى ، والوافى بالوفيات لصلاح الدين الصفدى ، والرافى فى نظم القوافى لصالح بن شريف الرندى ، وكتاب رى الاوام ومرعى السوام فى نكت الخواص والعوام لابى يحيى عبيد الله الرجالى الاندلسي ، وكتاب الصيب والجهام ، وكتاب رقم الحلل فى نظم الدول وهما للسان الدين ابن الخطيب ، والمرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا لابى محمد عبد الله النباهى الاندلسى ، وجذوه الاقتباس فيمن حل من الاعلام مدينة فاس لأبى العباس القاضى الفاسى . وغير ذلك من كتب الادب العربى . كما حرص أثناء ترجمته للشعراء على اسناد الاقوال والاخبار والآراء لاصحابها . وكان يكتفى غالبا بذكر صاحب الرأى ، وفى بعض الاحيان كان يذكر المصدر دون صاحبه وفى أحيان أخرى كان يذكرهما معا .
وبالرغم من غلبة طابع الجمع على الكتاب فان للمؤلف كثيرا من الآراء الشخصية مبثوثة فى ثنايا الكتاب . والطابع الغالب على هذه الآراء انها موجزة مقتضبة ، وتتجلى فى اظهار اعجابه ببعض الابيات وترجيحه لرأى من الآراء أو خبر من الاخبار . وقد ترد هذه الآراء مبسوطة أحيانا مع بعض التعليل والتفصيل ويظهر ذلك فى ابرازه لسرقات بعض الشعراء كما فعل مع أبى العتاهية . كما تتجلى آراؤه أيضا عندما يشرح فى أحيان قليلة بعض الابيات المستغلقة المعنى
ومن الملاحظ ان المؤلف لا يخفى ميله لبعض الشخصيات التى يترجم لها ، ونفوره من البعض الآخر . ومن أمثلة ذلك ميله مع جرير ونفوره من الاخطل .
وقد دفعه حبه الشديد لآل البت الى ان يكيل الثناء للكميت ويصب جام غضبه على أحد أعدائهم وأعداء الكميت وهو خالد بن عبد الله القسرى والى العراق ، وذلك في عبارات شديدة من مثل قوله : " ومن خبثه وعتوه أخزاه الله ولعنه لعنا كثيرا أنه كان يصعد على منبر الكوفة ويصرح بلعن على بن ابى طالب (ض ) فيسميه باسمه واسم أبيه وجده "
وأخيرا فان من مزايا ترجمته للشعراء خلوها من الاستطراد الا فى النادر القليل ( 18 ) . وهذا يدل على أن المؤلف وضع تصميما ظل حريصا على اتباعه .
قيمة الكتاب والفائدة من تحقيقه ونشره ( 19 ) :
لا تتضح قيمة هذا الكتاب الا اذا عرفنا ولو بايجاز شديد - نوع الثقافة التى كانت سائدة فى عهد المؤلف ، وهو القرن الثانى عشر الهجرى
ان الثقافة التى كانت رائجة فى هذا القرن فى المغرب هى ثقافة تعتمد أساسا على دراسة الفقه والحديث والتفسير والتصوف والمنطق وعلم الكلام والنحو والبلاغة وما يتفرع عن هذه العلوم
أما الادب بمعناه الخالص ، فقد كان الاهتمام به ياتى فى المرتبة الثانية ولهذا نجد ان اكثر المؤلفات التى ألفت في هذا القرن ذات طابع فقهى دينى ( 20 ) وحتى الرحلات التى ألفت في هذا العصر كان أغلبها رحلات حجازية ( 21 )
وبالرغم من ذلك فان هذا العصر عرف أدباء كبارا مشهورين أو بعبارة أدق ، عرف فقهاء برزوا في ميدان الادب ، مثل ابن زاكور ( ت 1120 ه ) وابن الطيب العلمى ( ت 1134 ه ) وعلى مصباح الزرويلى ( ت 1150 ه ) ومحمد الافرانى ( ت 1153 ه ) ، ومحمد بن الطيب الشرقى ( ت 1170 ه ) وغيرهم .
واذا حاولنا ان نعرف الكتب الادبية التى كانت تدرس آنذاك فانه يمكن القول اعتمادا على كتاب ( نفحات الشباب ) وهو لمؤلف مجهول من القرن الثانى عشر ، ان الكتب التى كانت تدرس فى سوس هى " مقامات الحريرى ومعلقات الشعراء الجاهليين وحماسة ابى تمام والحماسه المغربية وعدد وافر من دواوين الشعراء كالمتنبى والبحترى وأبى تمام وجرير والفرزدق والاخطل وأبى نواس وبشار ومسلم بن الوليد " ( 22 ) .
وأما فى جامعة القرويين بفاس وغيرها من مناطق المغرب الوسطى والشمالية فيبدو أن الاهتمام كان منصبا على المؤلفات الادبية التى أنشئت فى عصر الانحطاط والتى يطغى عليها السجع والمحسنات البديعية والتكلف . ولعل هذا هو السبب الذى دفع السلطان محمد بن عبد الله ، الذي يعد من كبار العلماء ( 23 ) فى القرن الثانى عشر للهجرة ، الى وضع برنامج دراسي لجامعة القرويين ، أوصى فيه بدراسة " سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وكذا كتب النحو كالتسهيل والألفية والبيان بالايضاح والمطول . وكتب التصريف ، وديوان الشعراء الستة ومقامات الحريرى والقاموس ولسان العرب وأمثالهما مما يعين على فهم كلام العرب " ( 24 ) .
من خلال النصين السابقين يتضح ان كتاب ( الكوكب الثاقب ) قد حقق ، باعتماده على أمهات الكتب الادبية القديمة وبترجمته لكثير من الشعراء القدماء والمحدثين ، ما كان يصبو اليه الناس فى عصره من دراسة للكتب الادبية الاصيلة ، ومن دراسة لشعر الشعراء القدماء والمحدثين
وتتجلى قيمة كتاب ( الكوكب الثاقب ) فى أن صاحبه ألفه اعتمادا على دراساته وقراءاته المتكررة لعدد كبير من المصادر الادبية القديمة والقريبة من بمصره . وقد امتدت هذه الدراسة حسب قول المؤلف نفسه ( 25 ) ، من فترة الشاب الى زمن الشيخوخة حيث أخذ يجمع ما سجله سابقا من معلومات وأخبار وتراجم ليؤلف منها كتابه هذا . فهو اذن جهد العمر كله .
وتتجلى قيمة هذا الكتاب من جهة اخرى فى ان السلطان محمد بن عبد الله - ، وهو العالم الذي عرف بتكليف العلماء المختصين بالتاليف فى مادة اختصاصهم (26 ) - أمر مؤلفه " يتنقيح " كتاب الاغاني و " تصحيحه " و " تجديد تبويبه " كما مر معنا سابقا . ولا شك أن ذلك كان بعد اطلاعه على كتاب ( الكوكب الثاقب ) وبعد أن رأى حسن اطلاع المؤلف وجودة فهمه لكتاب الاغانى وحسن اختياراته منه .
وتبرز قيمة هذا الكتاب أيضا فى أنه أهم كتاب ألف فى هذا العصر من حيث عدد الشعراء الذين ترجم لهم ( 129 شاعرا ) ومن حيث اتساع الرقعة المكانية والزمانية التى ينتمى اليها هؤلاء الشعراء ، فقد بدأ المؤلف بشعراء العصر الاسلامي ( القرن الاول الهجرى ) ووقف عند ابن الخطيب فى أواخر القرن الثامن الهجرى . وهكذا ترجم لكثير من شعر المشرق والاندلس والمغرب
وهذا النوع من الكتب الذى يهتم بإيراد عدد كبير من تراجم الشعراء مع شمولها لاقطار عربية متعددة فى فترة زمنية طويلة يعد قليلا جدا عندنا فى تاريخ التأليف فى الادب العربى قديما وحديثا
وتبرز قيمة الكتاب ايضا فى ان صاحبه لم يقتصر اهتمامه على الشعراء الكبار المشهورين وانما اهتم بكثير من الشعراء المغمورين والمقلين على عكس كثير من المؤلفين .
من كل ما تقدم يتبين ان تحقيق هذا الكتاب ونشره ستكون له فائدة كبيرة لأنه سيحيى أثرا مغربيا قيما جمع فيه صاحبه كثيرا من شعراء الوطن العربي ، وترجم لهم وعرف بهم واختار لهم منتخبات من اشعارهم الجيدة وصاغ ذلك
فى قالب حميل . وقد ظل مؤلفه مغمورا مجهولا ، اذ لم نعرف له ترجمة فى أى كتاب من الكتب المطبوعة او المخطوطة برغم البحث وسؤال أهل الاختصاص فلم نجد له ذكرا عند بروكلمان ولا عند الزركلى ولا فى كتاب من كتب الادب التى صدرت فى المغرب - وتيسر الاطلاع عليها - أو فى تونس ( 27 ) . و كل ما نعرفه عنه هو ما ورد في مقدمة كتابيه (الكوكب الثاقب ) و ( ادراك الامانى )
لكل هذه الاعتبارات عزمت على تحقيق هذا الكتاب ونشره وشرعت فى ذلك من أجل أن نرد بعض الدين والحق لاحد أدبائنا المغموط حقهم
وصف المخطوطات المعروفة من هذا الكتاب :
تمكنت بعد البحث من معرفة وجود خمس نسخ من هذا المخطوط وهي كما يلى :
1 - نسخة كتبها المؤلف بيده . وذكر الاستاذ الباحث محمد الشاذلى النيفر أنه رآها في تونس عند أحد احفاد المؤلف وهى فى 566 صفحة ( 28 ) واننى أرغب رغبة ملحة فى معرفة عنوان الحفيد الذي يملك هذه النسخة وقد رجوت الاستاذ الشاذلى أن يمدنى بعنوانه مرات عديدة ولكنى لم أتوصل للاسف بأى جواب
2 - نسخة موجودة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة وهي " بقلم مغربى كتبت سنة 1177 ه أولها محلى بالذهب والالوان فى 204 ورقة وفى كل صفحة منها 29 سطرا ، رقمها 4845 أدب " ( 29) .
3 - النسخة الثالثة موجودة بالخزانة الملكية بالرباط تحت رقم 925 وقد كتبت سنة 1209 ه وهى من الحجم الكبير ، وفى كل صفحة منها 27
سطرا وعدد صفحاتها 431 ، وأولها محلى بالذهب ، وهى بخط مغربى لا بأس به ، وهذه النسخة هى التى اعتمدت عليها فى كتابة هذه المقدمة كما أعتمد عليها فى التحقيق فى انتظار الحصول على النسخة الاولى ان امكن او النسخة الثانية .
4 - النسخة الرابعة المعروفة ، توجد فى مكتبة الاستاذ الشاذلى محمد النيفر ، وهى أيضا بقلم مغربى ، وقد كتبت سنة 1276 ه في 285 ورقة ( 30 ) .
5 - النسخة الخامسة فى ملك أحد الاساتذة بافادير وقد تقدم بها فى سنة 1976 لنيل جائزة الحسن الثانى للمخطوطات ، وهى نسخة مبتورة من الاخير ، ويقدر القسم الضائع منها بأكثر من النصف بقليل ، اذ أن آخر ترجمة وردت فيها هى ترجمة السلامى . ولا يعرف تاريخ نسخها وخطها لا بأس به .
وقد ذكر الاستاذ الشاذلى ان هناك نسخا مخطوطة كثيرة من هذا الكتاب فى خزائن تونس ولكنه لم يذكر أماكنها .

