افضل ان يكون حديثي إليكم عن مقومات الشخصية لا الذاتية التونسية (1) لشيوع استعمال اللفظ الاول فى الاصطلاح ولصوقه بمعنى الكلمة الاعجمية Personnalite وإن كانت الذاتية المشتقة من الذات Ego تدل في الاصطلاح الفلسفى على أعمق ما فى النفس البشرية .
وإذا قلنا الشخصية التونسية فانا نعنى انتسابنا إلى أمة تسمى الأمة التونسية المعتزة بكيانها المستندة الى مقومات خاصة .
وعبارة مقوم " جمعها مقومات " . Fondement تعنى ما تقوم عليه الشخصية التونسية من أسس وهياكل تميزها عن الشخصيات المجتمعات الاخرى ويكون القاسم المشترك le denominateur commun بين أفراد الشعب التونسي وتظهر فى سلوك معين وفى مظهر أسلوب معين من الحياة بمقتضاه ينسج كل فرد نمط حياته ، على اختلاف امزجة الافراد وأصنافهم وتكوينهم ومستويات عيشهم .
واذا قلنا الشخصية التونسية فذلك يعنى الشخصية القاعدية La personnalite de base , بالاحرى الركيزة النفسانية المشتركة بين المجموعة على البشرية فى الوطن التونسي .
وعلى الشخصية القاعدية تتركب السمات الفردية في المجتمع الواحد . ومن اهم خصائص الشخصية القاعدية دوامها عبر الاجيال . فبها يرتبط الماضى بالحاضر والمستقبل فى مد مسترسل ويكون دوام الذات التاريخية وامتدادها عبر العصور la Continuile de I' etre historique
من هذا التمكن والدوام التاريخيين نفهم ارتباط الشخصية بالثقافة والحضاره . بديهى أن العلاقة تفاعلية بين الشخصية والثقافة . فان كانت الشخصية تتأثر بالثقافة ، فان الثقافة تعكس صورة الشخصية ، وثمت علم اللاجناس الانترو وبولوجيا الثقافية anthropologie Culturelle ويهتم ذلك العلم بدراسة الثقافة الخاصة بمجتمع ما ، ويتجه عادة الى كشف سلوك افراد الذين تلقوا تلك الثقافة وجسموها .
فما الثقافة وهل ثمت فرق بينها وبين الحضارة ؟ الثقافة فى أصل اللغة من ثقف العود بمعنى سواه ليطاوعة عند الطعن كالرمح للمحارب . واذا انتقلنا من هذا الاصل علمنا أن جوهر الثقافة هو الحذق والاستقامة .
واذا وسعنا مفهومها وتذكرنا الانسان بيده وعقله ولسانه وذوقه وروحه فتكون الثقافة جميع النظم والهياكل والتقاليد والملكات الجسمانية والعقلانية واللسانيه والذوقية الجمالية والروحانية التى بها يستقيم الانسان ويمهر ويتألف مع أخيه الانسان فى بيئته ووطنه أولا ثم على الصعيد العالمي ثانيا وربما مرورا بمجموعة من الشعوب المتشابهة .
فتلك الملكات التى ذكرنا إذا استقرت في الانسان كانت " بمثابة الجبلة والفطرة " على حد قول ابن خلدون .
والثقافة في صراع دائم بين الزيف والحقيقة . فاذا فقدت أصالتها او بتعبير أوضح سندها الصحيح مع الايام وبموجب حتمية التطور ، فترت وتيبست وتراجع عزها فكان ذلك وبالا على الشخصية فتضعف وتتميع .
أما الحضارة فهي كما عرف بها " ول ديورانت " فى موسوعته " قصة الحضارة ، نظام اجتماعي يعين الانسان على الزيادة فى انتاجه الثقافي ، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة هي الموارد الاقتصادية ، والنظم السياسية والتقاليد الخلقية ، ومتابعة العلوم والفنون ، وهي تبدأ حيث ينتهى الاضطراب والقلق لان الانسان اذا أمن من الخوف ، تحررت فى نفسه دوافع التطلع وعوامل الابداع والانشاء ، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضى فى طريقه الى فهم الحياة وازدهارها " .
فالحضارة حافز للثقافة وهى أشمل منها إذ فى الامكان أن تحتوى العديد من الثقافات كشأن الحضارة الاروبية التى تشترك فيها عدة ثقافات كالفرنسية والالمانيه والانكليزية وكشأن الحضارة العربية الاسلامية التى طبعت عديدا من الامم والشعوب كالفارسيه والهندية والافريقية والعراقية والمغربية . فمنها من اثرت فيه تلك الحضارة وتمسك بلغته كالشعب الايراني ومنها من هضم تلك الحضارة ونهض بها بواسطة اللغة العربية كالامة التونسية .
وإذا أخذنا بهذا فيصح التسليم بوجود ثقافة تونسية متميزة بشخصيتها فى خصائصها ونوعيتها عن الثقافات العربية والاسلامية الاخرى . ولا ضير فى ذلك التميز لعروبة تونس وإسلامها ، لأن إزدهار الأمة العربية الكبرى والامه الاسلامية الكبرى لا يتحقق إلا بتقاوى أجزائهما وبروز شخصية كل شعب على حدة لا بذوبانها إذ بفوارقها الابداعية الايجابية لا السلبية تتكامل تلك الشعوب ويثرى بعضها بعضا ، وتتلاقح قرائح رجالها وعبقرياتهم فيتواجدون على وجه الحقيقة والواقع ويتجاوزون مجرد وحدة الامل .
تجلى الحكم ان ارتباط الشخصية بالثقافة ظاهرة أساسية إذ تتحكم الثقافة قبل غيرها من العوامل الاخرى فى استمرارية المجتمعات فلا يكتب للمجتمعات الدوام والازدهار اذا فقدت ثقافتها وقصرت نظرتها فى الحياة عل المادة والاقتصاد وإن كان الانسان فى حاجة الى ما يقوته لأن " الله سبحانه خلقه وركبه على صورة لا تصح حياتها وبقاؤها الا بغذاء " كما يقول ابن خلدون في تعليل ضرورة الاجتماع الانساني .
ليس صدفة ولا عقوبة سعى حكومه كندا فى الحفاظ على ثقافات الجاليات المختلفه النازحه المقيمة بتلك القارة بالرغم من أن أولئك ما هاجروا بحثا عن مجتمع مطابق لمجتمعهم الاصلى وانما رغبوا فى وافر الرزق وميسوره فكان لابد لحكومة كندا من الحفاظ على ثقافات الجاليات المختلفة لفقدان الثقافة العريقة الموحدة لشتات الجاليات .
ان الاقتصاد على اهميته وحاجة الانسان اليه لتتم به حياته - لا يكون وحده قوام المجتمع إذ لا بد لهذا من معايير عقلانية وروحانية وذوقية لا توفرها غير الثقافة وبدونها لا يستقيم المجتمع . إلا أن الاقتصاد مرتبط أيضا ارتباطا تفاعليا بالثقافة فهى تتأثر به وتؤثر فيه .
ألا ترى ان لظهور الثقافة الاسلامية المتجسمة أولا فى القرآن خلفية اقتصادية فقد حدث فى مكة قبل ظهور الاسلام بنصف قرن تغير اقتصادي هام قوى قبيل فجر الاسلام وظهور الدعوة المحمدية .
تمثل ذلك التغير في نمو التجارة وازدهارها مما جعل مكة مركز معاملات تجارية معقدة . إلا أن ذلك التحول التجارى الهام من النمط البدوى الريفي بما فيه من بساطة وعفوية الى النمط التجارى المعقد لم يواكبه قبل ظهور الاسلام تطور ثقافى مجانس لنوعية الحياة الجديدة ، ومقوم لأخطائها إذ ظل العرب الرحل القاطنون في البوادى محافظين على بعض التصرفات الجاهلية التي لم تعد ملائمة للمجتمع التجارى الجديد كالغزو والغارة ، فى حين انهار فى مكه وفي الحواضر الاخرى النظام القبلى القائم على التناصر بين افراد القبيله . فحلت الفردية محل التضامن القبلى فى مجتمع تجارى جديد لا يراعى فيه الافراد الا مصالحهم الخاصة . وقد يتخالفون على العشيرة وذوى القربى والقبيلة حفاظا على مصالحهم الخاصة فانهارت مبادئ التضامن القبلى او كادت تنهار في العاملات والسلوك ولكنها ظلت مع ذلك عالقه بالاذهان فتعسف الاقوياء على ضعفاء الحال في المجتمع القرشي الجديد أمثال اليتامى والارامل وتغاضى القوي والموسر عن الرفق بالضعيف والمحتاج كما ان يرعاهما رئيس القبيلة فحدث اختلال في التوازن الاجتماعى il y a one reprue de ' quilibre socia وفى امكانك تعليل عقلية الموسر المكى بأنه وجد نفسه فى وضع اقتصادى حديد لا يجانس النظام الاجتماعى البدوى ومثله .
ففي النظام الاجتماعي القبل كان الرئيس يأخذ ربع الغنيمه بعد الغزو والغارة فيتمكن من إعانة الضعيف والمحتاج فى العشيرة .
أما التاجر المكى الموسر في وضعه الاقتصادى الجديد فقد اكتسب ثروته بتدبيره لا من الغارة والنهب . فما رضي بالسنة الاخلاقية القبليه المستوجبه منه نصرة أخيه ظالما أو مظلوما وإعانة اليتامى والمساكين .
ولم يكن بد أمام أمام هذا الخلل فى التوازن الاجتماعى قبيل الاسلام من ظهور ثقافه جديدة يستقيم بها المجتمع ويتألف أفراده قويهم وضعيفهم ، فكان ظهور الاسلام وتنزل الآيات الاولى من القرآن وإنها لآيات وثيقه الصلة بالوضع الاقتصادى والاجتماعى الجديد فى مكة .
ففي تلك الآيات المكية الاولى دعوة الى التضامن الاجتماعى بين مختلف الاصناف الاجتماعية والى التعاون على شؤون الحياة والى الرفق بضعاف الحال والى الحد من الانانية والفردية المتفشيتين في المكيين بعد انتقالهم من بساطة الحياة القبلية إلى تعقد الحياة التجارية ، فكانت الدعوة الاسلامية متجهة الى
تأليف قلوب العرب ضمن أمة واحدة وحول معتقد ديني موحد وقيم أخلاقية متجانسة .
وهل أدل على ما ذكرنا من الآيات المكية التالية : - " ويل لكل همزة لمزة الذى جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده " - . ( ثلاث آيات من سورة الهمزة المكية ) .
- " كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما " - ( وهى أربع آيات من سورة الفجر المكية ) .
- وفى الآيات التالية من سورة الضحى المكية خطاب للرسول عليه السلام ولمن شرح الله صدره للاسلام : " فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر . وأما بنعمة ربك فحدث " - .
وامثال تلك الآيات الحاثة على التمكن من الثقافة الاخلاقية الاسلامية التى تعوض العصبية القبلية بالاخوة الاسلامية ، مما يكثر بخاصة فى السور المكية .
ففيها يوازي القرآن بين تصورين للحياة ومذهبين فى السلوك ، مذهب المسلم المتواضع لله البار باخيه الانسان ، ومذهب المشرك المتكبر بماله المتعالى عن ذكر الله المتعسف لاخيه الانسان . فكان موقف البارى تعالى منهما واضحا فى هذه الآيات من سورة الليل المكية :
_ " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى " -.
وأمثال تلك الآيات شاهد على وجوب تحكم الثقافة بما فيها من قيم أخلاقية ومبادىء سلوكية فى استمرارية المجتمع الذي يفقد دوامه طال الزمان أو قصر - اذا حصر المجتمع نظرته فى الحياة على الناحية الاقتصادية المتملصة من كل اختيار نوعى لجملة من المعايير الثقافية والقيم الاخلاقية .
وبعد هذا فيمكن الجزم بأن الاسلام بمفاهيمه الاربعة العقيدة والحضارة والدستور الاجتماعى والامة من أخص خصائص الشخصية التونسية فلا غرو ان نجد منقذ الأمة التونسية من ذل التبعية الاستعمارية يركز عليه اهتمامه فى عديد المناسبات .
لكن هل يعني انتساب الشعب التونسى الى الامة الاسلامية ذوبانه فيها ؟ لا أبدا فلكل قطر إسلامي طابعه ومميزاته وللشعب التونسى شخصيته الاسلامية ، فهو أمة على حدة ولنتساءل الآن :
* ما مفهوم الامة التونسية ؟
ما أمكن للشعب التونسي أن يصبح أمة على حدة إلا لانه اثبت نفسه كمجموعة تاريخية من الناس تتوفر فيهم شروط خمسة : أنهم يتكلمون لغة مشتركة هي اللغة العربية ولهم تاريخ مشترك وتراث نفسى مشترك ويعيشون على أرض واحدة ، ولهم مصالح اقتصادية مشتركة .
ومع هذا فليست تلك الشروط نهائية بالنسبة الى بعض الشعوب التى لا تتوفر لها اللغة الواحدة وربما الارض الواحدة كبلجيكا والباكستان قبل - انفصال بنغلاداش .
والشعور بالامة هو ما يسمى بالقومية وقد تكون القومية متعصبة مستعليه فتلحق الضيم بالشعب والانسانية لتعاليها عنها باديولوجية خيالية تعسفية كالنازية فى القومية الالمانية والصهيونية فى القومية الاسرائيلية .
ونوع ثان من القومية كالقومية التونسية سليم لانه متحفز للاستقلال السياسي والاقتصادى مناضل في سبيل التحرر من الاوهام ومن ذل التبعيه دون تلفيق نظرية عرقية أو عنصرية .
وما أمكن للشعب التونسي أن يصبح أمة إلا لاثباته استمرارية إرادة الحياة ضمن مجموعة مشتركة فى العيش وفي الثقافة تواقة الى حكم نفسها بنفسها فى أحلك حالات الاحتلال عبر العصور - ويظهر ذلك فى الثورات المتعاقبة عل الاجنبى المستبد بأمر الشعب التونسي من " جوغورتا " Gugurtha ملك نوميديا ( تونس القديمة ) الذي قاتل الرومان وغلب على أمره ومات سجينا فى روما سنة 104 قبل الميلاد الى بورقيبة الذى قاوم الاستعمار الفرنسي بحذق ومهارة وخلص البلاد من ذل التبعية وما زال - أطال الله أنفاسه - يتمتع بثمرة كفاحه . وهو يعتبر نفسه " جوغورتا " ناححا .
لكن هل نسلم بأن الامة التونسية بمفهوم الاصطلاح الحديث موجودة منذ القديم ؟ إن إرادة العيش الجماعى المشترك موجودة باستمرار فى الرقعة
المسماة تونس ولكنها ظلت قديما الا من حين لآخر فى مد وجزر ، وتبرز كما قلنا في الثورات على الاجنبى المستبد بالبلاد كما تبرز فى سمات الشخصية التونسية التى نتبينها من خلال التقاليد والعادات والمواقف والآثار الفنية المطبوعة بالطابع الافريقي المغربى كما فى الفسيفساء المعروضة بمتحفى سوسة وباردو . فهى تتميز عن الفسيفساء البيزنطية المشرقية وعن الرومانية اللاتينية وإن كانت متصلة بتينك الحضارتين .
وتبرز الشخصية التونسية أيضا فى عديد من الآثار الادبية كما فى ديوان اقتراح القريح واجتراح الجريح " لعلى الحصرى القيروانى الضرير صاحب الموشح المشهور " يا ليل الصب " فقد كثر حنين على الحصرى من بلاد الغربة بسبتة فى المغرب ومدن الاندلس الى القيروان موطنه الدريس بعد ان نزح عنه فارا بنفسه وعياله من المجازر التى أقامها الاعراب الهلاليون الزاحفون على إفريقية من الصعيد المصرى بايعاز من الخليفة الفاطمي المستنصر ووزيره الحسن اليازورى اللذين ارتأيا الانتقام بجحافل الاعراب المخربين من المعز بن باديس الزيرى الامير الافريقي التونسى الذى جرؤ على قطع الدعوة العبيدية ببلاده وأمر بتقتيل الشيعة والرجوع الى المذهب السنى المتأصل فى أهل البلاد .
وقد نكب على الحصرى فى بلاد الغربة بموت ابنه عبد الغني فقوى فيه ذلك المصاب وغدر زوجته شعوره بالغربة فخاطب عبد الغني بمثل هذا الشعر وكان على الحصرى مقيما فى الاندلس :
هذا محل لا أحب حلوله والمحل اقصدني إليه وأشخصا
لولا رياح رياح لم أك امتطي ذا الأخضر الطامى وذاك الأحوصا
وطن بغير غنى أحب إلى الفتى من غربية تغنيه إذ لا مخلصا
ويجهر الشاعر القيروانى بأنه ما غادر موطنه إلا اضطرارا فيناجى روح عبد الغني بقوله :
والقيروان حمى أبيك وما نأي إلا وربع القيروان دريس
ولا يتصور الشاعر التونسى عزا إلا فى موطنه فيقول فى رثاء القيروان بعد ان انقض عليها أعراب هلال وسليم وعاثوا فى الضواحي والاطراف يفسدون ويخربون ويقتلون :
لا تنا مبتغيا قوتا تعيش به ففي احاديث من تهواه أقوات
ولا تقل تشمت الأعداء محتحضرى إن اغترابك أيضا فيه اشمات
موت الكرام حياة فى مواطنهم فان هم اغتربوا ماتوا وما ماتوا
كنا وكان لنا فى ما مضى وطن لكنها اسهم الدنيا مصيبات
يا أهل ودى هل فى القرب من طمع فتشتفي بكم هذى الصبابات
اصبحت في غربة لولا مكاتمتى بكتني الأرض فيها والسماوات
ابعد أيامنا البيض التى سلفت تروقني غدوات أو عشيات
ألا سقي الله أرض القيروان حيا كأنه عبراتي المستهلات
وكف عنها اكف المفسدين لها ولا عدتها من الخيرات عادات
فانها لدة الجناة تربتها مسكية حصاها جوهريات
الا تكن فى رباها روضة انف فانما اوجه الاحباب روضات
او لا يكن نهر عذب يسيل بها فان انهارها ايد كريمات . . .
ان للمفردات " موطن " و " وطن ، و " أوطان " و " قيروان " وقعا عاطفيا قويا فى نفس الشاعر التونسي على الحصرى القيروانى لكنه لا يبلغ مستوى الادراك القوى لمفهوم الوطن فى عصرنا الحاضر . فالكلمات التى يستعملها على الحصري للتعبير عن انتمائه الى القيروان عاصمة إفريقية ( تونس ) تؤلف مستوى من الادراك الوطني البسيط un putriotisme elementire الذي له قاعدة عاطفية بيولوجية ولكنها على كل حال تمثل رابطة تؤلف بين سكان هذه البلاد عصرئذ .
ما من شك في أن اكتشاف الابعاد الوطنية بالمفهوم الحديث قد ظهرت بوادره فى القرن التاسع عشر بتونس .
فالى جانب استعمال لفظ أمة بمعنى الامة الاسلامية المنضوية تحت راية الخلافة العثمانية فانا نحد لفظ أمة مستعملا مثلا فى كتاب " أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك " للوزير خير الدين وفي كتاب " اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان " لأحمد بن ابي الضياف بمعنى التخصيص فى قولهما : " عموم الأمة " و " قادة الأمة " و " حقوق الأمة " .
غير أن لفظ أمة - على ما فى استعماله عند الوزير خير الدين وأحمد بن أبي الضياف فى القرن التاسع عشر - من رغبة فى إبراز الشخصية
التونسيه ، لم يتخلص آنذاك تماما من معنى تبعية الايالة التونسية للسلطان العثمانى .
ألا ترى أن جميع المصلحين التونسيين فى القرن التاسع عشر كسالم بوحاجب ومحمد السنوسى وبيرم الخامس وأحمد بن أبى الضياف وخير الدين قد اعتقدوا ان رد غائلة الاستعمار الاروبى عن تونس رهن ارتباطها بالخلافة العمانية رغم ما تبينوه من وهن اصحابها حتى سميت الامبراطورية العثمانية رجلا مريضا . فقد كتب خير الدين فى مذكراته ما يلى :
لقد كنت مؤمنا راسخ الايمان بان المملكة التونسية ينبغى أن تحد من الروابط التى تربطها بالخلافة العثمانية امنع حصن يصونها من أطماع الدول لاروباويه المختلفة وعلى مر الزمن سواء اكنت مواطنا أم موظفا بسيطا أم وزيرا أكبر - فانى لم انفك أوكد حقوق تركيا على تونس وانصح بايات تونس باقرار الروابط مع الامبراطورية العثمانية وتوطيدها " .
اقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك لخير الدين - ط . الدار التونسية لننشر 1975 - ص 45 ( . واني يتخلص لفظ أمة من معنى التبعية للسلطان العثمانى فى القرن التاسع عشر بتونس وقد ظل هذا التعلق بالوحدة الاسلامية تحت راية الخلافة العثمانية عالقا بأذهان التونسيين وزعمائهم في عشرينات القرن العشرين من حركة حزب الشباب التونسي بقيادة على باش حامبة الى حركة الحزب الحر الدستورى قبل انشطاره بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبى . وليس هذا منى اعتباطا اذ استطيع أن أستدل عليه باستنطاق نصوص ذلك العصر . وهل أدل على امتداد الاتجاه الوحدوي الاسلامى والعثمانى فى حركة الشباب التونسي مما أكده على باش حامبة في جريدة " التونسى " عندما قال :
" يظن بعضهم دائما إزعاجنا عندما يتحدث إلينا عن الجامعة الاسلامية Panismisms والجامعه العثمانية Omanisme كأننا أنكرنا فى وقت ما وجودهما . لكن كل مسلم فى التعريف به متمسك بالجامعة الاسلامية وان من التفاهه تكرار تلك الحقيقة . فقد كان يظن فيما مضي - والحق يقال - أن الجامعة الاسلامية منظمة سرية منضبطة متمكنة من وسائل عمل ومعادية فى اتجاهها لأروبا . لكن تلك الأسطورة البالية تلاشت اليوم وكل الناس يعلم ان الجامعة الاسلامية ما هى إلا شعور أخوى واسع أفضى الى الجامعة العثمانية فكانت له فى آن مظهرا جليا .
خمسة قرون من الجهاد والفتوحات والعظمة أحاطت الأسرة العثمانية المالكة بهالة من الاكبار وأقرت سلطان إسطنبول خليفة فكان الوثاق الديني القوى بين المسلمين رابطا بينهم وبين من اعتبروه حامل لواء الرسول و كانت القسطنطينية في نظرهم عاصمة الاسلام ودار الخلافة ، إنها للمسلمين بمثابه روما للمسيحيين ، فالتونسيون نصراء الجامعة الاسلامية والاتراك ، ثم انهم لا يكتمون ذاك الشعور وليس فيهم من عزم على الاعتقاد بان النفوذ التركى تقلص من هذا القطر الى الأبد " .
فواضح أذن الاتجاه الاسلامي الوحدوى والعثمانى فى تفكير على باش حامبه وجماعته وان وازي ذلك الاتجاه في تفكير زعيم حزب الشباب التونسى اتجاه ثان قومي يظهر في نفس المقال بجريدة " التونسى " سنه 1910 :
" لكن الجامعة الاسلامية والجامعة العثمانية - وهما من العلاقات الشعورية الصرفة - بعيدتان عن خدمة أى وحدة جنسية أو قوميات تنتمى للقران ...
لئن أكبستنا التربية العصرية عقلية جديدة فليست أقل من هذه محافظتنا على ذاتيتنا " .
ولفظ Individualite اى الشخصانية الذاتية يدل على ادراك ثان فى ذهن على باش حامبة لشخصيته التونسية وإن كان قد انهى عمره باسطمبول وتقلد فيها مهام وزارية ووجد الوطن الثاني بعد تغريبه خارج وطنه الاول تونس عقب معركة الزلاج سنة 1911 ومخلفاتها فى سنه 1912 .
وتظهر سياسية على باش حامبة نحو " الجامعة الاسلامية " فى جريدة له اخرى سماها " الاتحاد الاسلامى " وقد كان مديرها الشيخ الثعالبى رئيس تحريرها ووجدت الجامعة الاسلامية أو " الخلافة الاسلامية " تحت راية الخليفة العثماني أنصارا فى الحزب الحر الدستورى الذى أسسه عبد العزيز الثعالبي وقد تأسيست في تونس لجنة الخلافة الاسلامية برئاسة أحد أقطاب الدستوريين القدامى أحمد توفيق المدني ، وأعلنت بيعة الخلافة كما نقلت ذلك جريدة " تقويم المنصور " سنة 1342 ه .
ولما انعقد مؤتمر الخلافة بمصر سنة 1344 ه = 1926 م شارك فيه عبد العزيز الثعالبي .
هكذا كان مفهوم الامة فى تونس مرتبطا فى أذهان قادة حزب الشباب التونسى وقادة الحزب الحر الدستورى ( القديم )بالخلافة الكبرى الى جانب المفهوم الوطني الاقليمي .
والرأى عندنا اليوم أن مفهوم الامة بالمعنى الواسع الشامل العربى أو الاسلامى لا يكون إلا انطلاقا من شخصيتنا التونسية ومن وطننا تونس .
وهكذا يرتبط مفهوم الامة بمفهوم الوطن فى استكناه مقومات الشخصية التونسية .
والوطن هو المحيط الجغرافى والتاريخي والاجتماعى والاقتصادى والنفسانى والعقلانى . وهو بمفاهيمه المتكاملة يعنى امتلاك رقعة من الارض والذود عن وحدة ترابها . والوطن مناخ وسكان ورجال أعلام ونظم حكم واقتصاد واجتماع وعقيدة وأخلاق ولغة وعادات أهل وماض وحاضر ومستقبل وما أحمله فى أعماقى وما يحمله كل تونسي مخلص لوطنه من مشاعر ود لشعبنا ومحبة لبلادنا .
واذا اعترفت بأن الوطنية أحد مقومات الشخصية القومية أو القاعدية ، فلا مناص لك من الاعتراف بأن " الوطنية " المرتبطة بالقومية مصطلح عصرى قد اعتبر اكتشافه تحولا هاما فى تاريخ الشعوب فى العصر الحاضر .
قد ظهر الشعور الوطني فى عديد من الاقطار وخاصة فى أروبا والولايات المتحدة فى القرن التاسع عشر الذي شهد تواجد الاقاليم والولايات والدويلات فى نطاق امة موحدة بعد طويل تشتت . فهو عصر توحد الدويلات والممالك فى إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة .
والرأى عند بعض الباحثين المهتمين بتاريخ تونس كالأب ديمرسمان أن اكتشاف الأبعاد الوطنية ببلادنا قد ظهرت بوادره العصرية فى القرن التاسع عشر مدة حكم الأتراك بداية من عهد أحمد باي بالخصوص فيما بين سنتى 1837 و 1855 .
ويتحدث المؤرخون عن بوادر الشعور الوطني بمفهومه العصري لا عن شعور وطنى فى مستوى الادراك العقلى المتبلور التام المعانى .
ويكون من المفيد سلوك مسلك الأب ديمرسمان في استكناه بوادر اكتشاف الابعاد الوطنية بالرجوع الى اللغة الرائجة فى كتب الاخباريين والمؤرخين التونسيين فى القرن التاسع عشر مثل كتاب " أقوم المسالك في معرفة أحوال
الممالك " للوزير خير الدين ، وكتاب " صفوة الاعتبار فى مستودع الأمصار الاقطار ، في جزئه الرابع لبيرم الخامس ، وكتاب " إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان " لأحمد بن ابي الضياف .
فلنتأمل بعض المفردات الرائجة فى تلك المصنفات من الناحيتين اللغوية والنفسانية .
1) تونس ثم 2) وطن
نجد لكلمة تونس وللنسبة " تونسى " فى مثل قولهم " الريال التونسى " " المال التونسي " وقعا عاطفيا دالا على وجود الشخصية التونسيه .
وعساك تعلم أن أحمد باي (1836 _1855 ) هو أول ملك حسينى تتونس في لباسه ولغته فلبس الجبة وخاطب الباب العالي بالعربية بدلا من التركية واستعمل كلمة " تونس " بمفهوم دال على شعوره بالشخصية التونسية التى كانت تواجه فى زمانه بوادر هيمنة استعمارية أروبية ونوعا من الهيمنة التركية العثمانية على البلاد بواسطة القناصل فى الحالة الاولى والمماليك الأتراك في الحالة الثانية .
تتونس أحمد باي بالرغم من انتسابه الى الأتراك من جهة والده والى الايطاليين بسردينيا من جهة أمه السبية من سنبيرة San Prierto وهاك دليلا على تونسته فى قوله مرة بمحضر كاتب سره أحمد بن أبى الضياف :
" من الواجب الدفاع عن الوطن والدار وتونس دارنا ونعمت الدار " . ومع أحمد باي ظهرت نخوة الانتساب الى أرض تونس وعنده وضح رفض الانتماء الى أرض أخرى مهما فاقت اغراء وثراء كما يبينه حديثه مع كاتب سره أحمد بن ابي الضياف في منتزه " شان زلزي " Chamqs Elysee بباريس أثناء رحلتهما الى فرنسا فى زيارة رسمية الى الملك لويس فيليب سنة 1946 .
قال أحمد بن ابي الضياف في الجزء الرابع من كتابه " إتحاف أهل الزمان " ( ص 108 ) :
" ولم يزل ( أى أحمد باي ) مدة إقامته في باريس يتنقل من نزهة الى نزهة " وهو مع ذلك يتذكر تونس وعادات أهلها وأماكنها عند مشاهدة كل
عجيب ويقول : ليت مثل هذا عندنا بالمحل الفلانى بتونس حتى أنه مر يوما بمكان اسمه شان زلزى ومعناه ممشى الجنة ، فقلت له : كاد أن يوافق الاسم المسمى . قال لى : ما اشوقنى للدخول من باب عليوة وأشم رائحة الزيت من حانوت الفطائرى داخله . فقلت له مداعبا : وأنا أتنفس في هواء الحرية وارد من مائها وقدماى بأرضها . يحق لك ذلك لأنك إن دخلت من هذا الباب تفعل ما تشاء . أما الآن فأنت رجل من الناس . فقال لي :
لا سامحك الله : لم لا تحملنى على حب الوطن لذاته وعلى أى صفاته ؟ فقلت له : إن هذا البلد ينسى الوطن والأهل كما قال الشاعر :
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم يعاب بنسيان الأحبة والأهل
فقال لى : " اذن يصدق علينا المثل المشهور عند العامة : من رأى قمح الناس لا يبزع شعيره " .
ففي هذا الخبر ينكشف جانب هام من نفسية أحمد باي الملك المتشبع بتونسيته فهو لا يترك نفسه تنبهر ببريق العاصمة الفرنسية ويجتهد فى ربط الصلة المنقطعة بوطنه لكن بأى وطن تعلق ؟ هو الوطن الذى تغوص عروقه فى عالم الشعور وعالم المحسوس هو الوطن الذى يخاطب المخيلة والحواس قبل الادراك العقلي المفرط فى التجريد .
ان خواطر أحمد باي تقوم على الوطن المجسم بنظرة تلقائية ، المرتبط بالحساسية والشم كما يبينه خبر آخر رواه أحمد بن ابي الضياف ويخص أحمد باى عندما وصل الى مرسيليا فى طريق العودة إلى بلاده . قال أحمد بن الى الضياف :
" وشم من مرسيليا رائحة الوطن "
وعلى كل فلفظ وطن أدل من غيره على التحول من مفهوم شعورى ضبابي الى مفهوم أوضح وأدل على الأبعاد الوطنية من غيره عند أحمد باي مثلا .
ولا عجب أن تبرز الشخصية التونسية في ذلك الشعور بالانتماء الوطني الى تونس عند أحمد باى الذى كان ميالا الى الاصلاح حريصا على تقدم مملكته بدخال تنظيمات جديدة فى الجيش والادارة والتعليم اقتداء بأروبا التى اكتشفها أحمد باي سنة 1846 .
وقد أعجب ذلك الملك بمملوكه خير الدين فحرص على تربيته وتثقيفه فتضلع خير الدين في فنون مختلفة . ولما اضطلع بمهام الوزارة الكبرى بين اكتوبر 1873 وجويلية 1877 ساعده تكوينه الشامل وتجواله فى سفارات بأوروبا على زرع البذور الاصلاحية الاولى فى تونس بتنظيماتة الادارية السياسية والاجتماعية والاقتصادية وخاصة باصلاح التعليم الزيتوبى وبتأسيس الصادقية فتيسر الحوار بين المدرسيين والزيتونيين فانتعشت به النهضه واستفاد الوطن وتقاربت عقليتان شرقيه وغربية تألفت منهما شخصية تونسية متأصلة فى أرضيتها العربية الاسلامية تواقه الى الرقى والتمدن بدون تمشرق ولا تمغرب .
وقد بدأ الجوار المساعد في القرن الماضى على دعم الشخصية التونسيه بدعم مقوماتها الثقافية وأرضتها الاقتصادية والاجتماعية بين النخبه الحيه من معاصري خير الدين كأحمد ابن أبي الضياف ومحمد السنوسى وبيرم الخامس والجنرال حسين وعلى الوردانى ، ثم تواصل مع تلاميذ خير الدين أبكار المدرسية الصادقية من الحبل المتأثر بمبادىء ذلك الوزير المصلح كالبشير صفر .
وقد التفت نخبة من الشباب التونسي حول هذه الشخصية فظهرت الحركة التطورية التونسية فى ما بين سنتى 1896 و 1006 وتركت الأثر الثقافي والسياسى العميق فى البلاد .
تكونت تلك النخبة فى الصادقية والمعهد العلوى ومعهد سان شارل ( معهد كارنو فيما بعد ) ومعهد سان لوى وكلية الحقوق بباريس . وقادها تحليلها للحالة السيئة التى الت اليها البلاد إلى الاقتناع بأن أهم سبب لضعف الشعب التونسى وتاخره زمنئذ هو الهزال الذى أصاب الذاتية التونسية كما يقول الشاذلى خير الله في الجزء الاول من نشرية له بالفرنسية بعنوان " الحركة " التطورية التونسية " ( ط . تونس - جوان 1934 - ص 17 )فارتأت تلك النخبة أن نشر الثقافة والتعليم حرى باحياء الشخصية التونسية فلا غرو ان نجد الجماعة جادين في فرض وجودهم بتفكير عصرى فى النشريات والصحف والجمعيات كالجمعية الخلدونية التى أسسها البشير صفر سنة 1896 .
ثم يأتي الجيل الثاني من تلاميذ خير الدين ومن بينه محمد باش حانبة صاحب مجلة " المغرب " باللسان الفرنسى ، وشقيقه على باش حانبة مدير
جريدة " التونسى " باللغتين العربية والفرنسية باعث جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية فى أواخر سنة 1905 .
وقد استهدفت تلك الجمعية اشعاع ثقافة حية مزدوجة بها تحقق الحوار المنعش وتيسر التطور مع المحافظة على أصالة الشخصية التونسية ثم سرعان ما انقلبت جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية منتدى سياسيا على غرار الجمعية الخلدونية فكانت امتدادا ثقافيا لمعهد خير الدين اى الصادقية التى أخرجت أفواجا من المناضلين فكان أبرزهم الزعيم الحبيب بورقيبة .
وقد استعمل الوزير خير الدين لفظ " الوطن " بمعنى عميق في العبارات " حرية الوطن " امر الوطن " حب الوطن " مصالح الدين والوطن " بناء الوطن " .
واختار خير الدين لجريدته " الرائد التونسى " الصادرة لاول مرة فى سنة 1860 شعارا دالا فى أعلى الصفحة الاولى على شعوره بالانتساب الى الوطن التونسى وهو : " حب الوطن من الايمان فمن يسع فى عمران بلاده انما يسعى فى اعزاز دينه " .
ونسبه التونسى فى اسم " الرائد " دالة على نوع الانتساب . انه الانتساب فى الوطن التونسى والحنين الى أنسه فى حين الغربة نتبينهما فى العديد من المناسبات عند الأدباء التونسيين فى القرن الماضي كما فى قول أحمد بن أبي الضياف من مطلع قصيدة مدح بها تونس وتشوق إليها وهو مقيم بالقسطنطينية :
نسيم تونس حيانى ويحيينى والطيب منه إذا ما تهت يهديني
لا غرو ان تاه قلبي في محبتها فأصل نشأته من ذلك الطين "
وفي قوله من قصيدة أخرى أثناء إقامته بتركيا :
تألق غربيا فذكر فى الخضرا وأذكى لنار الشوق فى كبدى جمرا
حنينا الى انسي ومعهد رفقتى ومنشا شبابي لا عدمت به فخرا
بلادى التى رب وحنت وهذبت فبائسها ما أن يجوع ولا يعرى
سقي حلق واديها وكل حصونها من السحب غيث يمطر العز والنصرا
وبين من ذلك الشعر أن أحمد بن أبى الضياف (1804 _1874 ) يستعمل كلمة " تونس " بمفهوم ألصق بمدلول " الموطن " Terror منه بمدلول الوطن Patrie كما فى قصيدة الباجى المسعودى (1810 _ 1880 )في وصف منازه تونس في ضواحيها باب سعدون وأريانة وشطرانه ورواد والمرسي وجبل الباجي بوسعيد وغيرها . وهاك مطلع القصيدة وهو جميل :
حيى نسيمك حتى كاد يحيينى يا تونس الانس يا خضرا الميادين
3) القطر ( Coutree )
هذا مفرد آخر استعمل في القرن التاسع عشر لابراز الشخصية التونسية ودل عل بوادر اكتشاف الأبعاد الوطنية فى مثل عبارة " جهات القطر " واذا اضيف القطر الى ضمن المتكلم ونسب الى تونس فى قولهم " قطرنا التونسى " دل عل ارتباط بالبلاد وعلى إرادة استقلال عن الباب العالي بالآستانة .
4) البلاد
هذه كلمة أخرى استعملت بمدلول يوحى بالانتساب الى وطن وبامتلاك ارض والتعلق بها كما في قول أحمد باي الذى تقمص فى القرن التاسع عشر شخصية البلاد فعبر عن وجوب حمايتها من مطامع الغزاة والمستعمرين عندما كان الجيش الفرنسي قابعا بالحدود الجزائرية ينتظر فرصة للوثوب ببلادنا فنجد أحمد باي يقول مرة : " حماية بلادى من الاستيلاء عليها " .
5) عمالة ( Province )
هذا اللفظ يؤكد تبعب تونس للامبراطورية العثمانية فى القرن التاسع عشر لذا فقد استعمل بكامل الحذر لأنه يزرى بنفوذ الباى الذى كان يسلك دبلوماسية لينة مع الباب العالي موفقة بين الرغبة فى الاستقلال عنه والرهبه من معاداته .
6) إيالة ( Regence )
هذا لفظ من الألفاظ التى أصبحت ميتة فى لغة الشعب التونسى فى العهد البورقيبى الجمهورى . - فقد كان يستعمل لفظ إيالة للدلالة على التبعية للباى وبالخصوص عندما ينسب الى ضمير المتكلم بالتعظيم فى قول الباى :
" ! يالتنا " .
7) بيت ( Dynoslie )
هذه كلمه اخرى فقدت مدلولها فى تونس اليوم وكانت تطلق على نظام لحكم الملكى بالبلاد فى القرن التاسع عشر ، وعلى أسرة مالكة استقرت فى تونس وحاولت أن تكون تبعيتها إسمية للباب العالي بدءا من عهد أحمد باي ومثل ذلك المدلول لكلمة بيت نجده فى كلمة " مملكة " ( Royaume ) .
8) دولة ( Etat )
هذا لفظ استعمله المؤرخون بصفة عامة عند ذكر الامبراطورية العثمانية خصصوه للحكومة العليا باسطمبول فى القرن التاسع عشر .
ويجدر بنا أن نلاحظ أن أحمد باي ينسب الدولة مرة إليه في حديثه الى حاشيته عندما تولى حكم البلاد . قال المؤرخ الاخبارى أحمد بن أبى الضياف فى الجزء الرابع من كتابه : " إتحاف أهل الزمان . . . " :
" افتتح ( أحمد باي ) أمره بأن قال لخاصة رجال دولته : قد ظهر لكم تقديمى على عادة بلادنا ومنزلتكم عندى هى منزلتكم عند أبي وعمى وأسلافى . ولا معنى للدوله إلا الرجال فاذا لم تكونوا معي كما كنتم مع من قبلى فلا ملك ولا دولة " .
والربط ههنا بين الملك والدولة مقصود عند أحمد باي إذ ذكر الدولة مرتين وربطها بملكه طبقا لنظام الحكم بالبلاد آنذاك .
ولكنه فى مناسبة أخرى استعمل كلمة " دولة " ونسبها الى العثمانيين اصحاب الحكومه العليا بالآستانة واكتفى بكلمة عمالة Province فى إشارته ان القطر التونسى . وكان ذلك فى رسالة بعث بها إلى قنصل فرنسا في شأن الخلافات القائمة حول الحدود بين الجزائر وتونس ، فكتب ما يلى :
" وحدود عمالتنا هى التى نتصرف فيها كما وجدنا من قبلنا لم نتجاوزها . فما تجديد التحديد أو إبدال بعض العمالة يجزء من غيرها فمعلوم أننا نتوقف فيه على المشورة من جهة الدولة العثمانية " .
وبعد هذا يمكن الجزم بأن الدولة التونسية بمعناها العصرى حقيقة جديدة ظهرت لاول مرة فى بلادنا مع الاستقلال سنة 1956 وليس معنى ذلك أن البلاد لم تعرف من قبل أنواعا أخرى من الدول .
فمفهوم الدولة العصرية من مكاسب العهد البورقيبي وبها اكتملت الشخصية التونسية .
9) استقلال ( Independarce )
هذا لفظ حى فنى فى لغة الشعب التونسى اليوم وهو من الالفاظ الحاسمة لدلالتها على حرية البلاد وبروز شخصيتها .
الا أن لفظ استقلال استعمله المؤرخون التونسيون فى القرن التاسع عشر عن تبرؤ البايات من الاستقلال التام عن الدوله العثمانية اذ كانوا - مع حرصهم على التفرد بحكم البلاد التونسية - جادين فى حب الاحتماء بالامبراطورية العثمانية من خطر الاحتلال الفرنسى المداهم من الجزائر .
أيقنتم الآن من العرض اللغوي التاريخي السابق أن عديدا من الكلمات الرائجة في القرن التاسع عشر جرفت مدلولات جدية للانتساب الى الأرض .
وبعد هذا فلنتساءل الى أى حد كان التونسيون شاعرين فى القرن الماضى وقبله بشخصيتهم القومية مدركين ذاتيتهم فى وطنهم ؟
نميل إلى الاعتقاد بأن الماضي التاريخى الطويل لتونس باعتبارها رقعه جغرافيه معينة وكذلك تشبع البلاد بالثقافة العربية الاسلامية ، وتعاقب الدول عليها كل ذلك قد ساهم في إفراز ما يسمى ذاتية أو شخصية تونسية ليست الشخصية الجزائرية ولا الليبية ولا المصرية ولا العراقية اذ تميزت عنها بصفات جعلتها نسيج وحده وإن كانت تلتقي معها فى عناصر مشتركة كاللغه والدين .
وقد تواصلت الشخصية التونسية فى مد تاريخي مسترسل يبين ويغمض ويتضح ويلتبس بحسب الظروف عبر العصور ليبرز فى القرن الماضي ثم يقوى في خمسينات القرن العشرين وبصفة أخص مع الزعيم الشاب الحبيب بورقيبة الذى فرض الشخصية التونسية على المستعمر مدة الكفاح الوطني . فكانت الشخصية التونسية درعا واقيا من التحديات الاستعمارية المستهدفة الحاق تونس بفرنسا وجعلها مقاطعة لها كفلاندر وكرسيكا وكذلك طمس الذاتية التونسية بسياسة التجنيس والتجهيل والتفقير ومحاولة القضاء على جميع مقومات شخصية أهل البلاد .
وقد عبر " مانشيكور " الذى اشتغل مراقبا مدنيا عن وجهة نظر غلاة المعمرين وحزبهم فى عدد شهر نوفمبر سنة 1924 من مجلة " افريقيا الفرنسيه "Francaise Arique 'l حيث كتب ما يلي بامضاء مستعار كعادته هو " رد بالك " ( أى كن حذرا ):
" إن الشعب التونسى الجديد الذي نعده يتكون من الفرنسيين الواردين من فرنسا وكذلك من الروسيين لبيض ومن اليوغسليين والايطاليين ومن جميع العناصر اللا تونسية اللا عربية اللا إفريقية اللا مسلمة التى تختار الجنسية الفرنسية " .
وتدرك من اعترافات " منشيكور " بالنوايا الاستعمارية أنه كان مثل العديد من الغلاه يحلم بشعب فى تونس مفرنس منصر فى حين كان الوطنيون الصامدون بقوة الشخصية التونسية المتقاوية بمقوماتها وإيمانها على السجون والتغريب والرصاص يترصدون الفرص للدفاع عن الشخصية التونسية ويحملون بين جوانحهم أمل تخليص البلاد من الادماج وذل التبعية كما تبيه العينه التالية المقتطفة من جريدة " إفريقيا " بعددها يوم 19 جانفي 1925في ظروف كفاح محمد على الحامي :
ان الذين يسعون الى سياسة الادماج ويريدون القضاء على الذاتية التونسية يعملون بكل قواهم لمحو مميزات هذه الذاتية وازالة معالمها الموجودة يعارضون بل يقاومون كل مؤسسة يراد احداثها ويريدون أن نبقى تابعين فى جميع احتياجاتنا ومرافق حياتنا لمؤسسات فرنسية فكأنهم قضوا عل هذه الأمة بأن لا حق لها فى الحياة . . . " .
ولما كانت التقاليد التونسية بجيدها ورديئها درعا واقيا من التحديات الاستعمارية من المحاولات المتكررة المستهدفة القضاء عل الشخصية التونسية ولم يحن بعد التخلى عن بعض التقاليد البالية كالحجاب باعتباره سلاحا واقيا من الادماج انذاك ، فقد تصدى الزعيم الشاب الحبيب بورقيبة فى سنة 1929 لمحاضرة تونسيه هتكت البرقع لمناصريها من الاشتراكيين الفرنسيين المؤيدين سياسه الادماج الاستعمارية وكان معهم محمد نعمان - قبل أن ينسلخ عنهم وينضم الى بورقيبة وحزبه الجديد .
فبعد محاضرة السيدة حبيبة المنشارى بقاعة جمعية " الترقى " l Essor يوم 9 جانفى 1929 تدخل الزعيم الشاب الحبيب بورقيبة باسم
الدفاع عن الشخصية التونسية وعلل تأييده للحجاب انذاك تعليلا سياسيا مجانسا لسياسية المراحل التى وضع أسسها ، فقال :
هل من المصلحة في الظرف الحالى من حياة تونس التعجيل بإزالة تقاليدنا سواء كانت حسنة أو سيئة وكذلك التعجيل بإزالة الاشياء التى تبدو تافهه ولكن مجموعها يؤلف ذاتيتنا بدون مراعاة المراحل الانتقاليه الضرورية ؟
طبعا انى اجيب بالنفي نظرا الى الوضع السياسى فى البلاد حيث انتصبت الحماية وأخذت تتوسع وتمد جذورها وتحاول محو الذاتية التونسيه وادماجها فى الذاتية الفرنسية بعد تجريدها من كل دعامة من دعائمها .
ان هذا الظرف يفرض على التونسيين التشبث بكل مظاهر ذاتيتهم ولو كان ذلك فى اللباس .
وليست المحافظة على الكيان موقوفة طبعا على رفض التقدم والظهور فى مظهر الانسان البدائى ، إذ لا بد من التطور وإلا كان المال الاندثار ، وسيحدث التطور ولكن بدون كسر ولا قطيعة بطريقة تحفظ فى دوام متجدد وحده ذاتنا التاريخية التى تستطيع ضمائرنا ادراكها فى كل حين . . . بيد ان الوقت لم يحن بعد لرفع الحجاب فحين تنقذ الشخصية التونسيه حينذاك تحين ساعة تطويرها بما يلزم واصلاح فسادها ويكون من اليسير تمزيق الحجاب " . من مقال بالفرنسية : 1929-1-11 e Vole dans I' Etenendord Tunisien de
وتظهر عبقرية الزعيم ههنا في توقعه أحداث المستقبل وكان صانعة ، فقد وضع الزعيم تحرير المرأة في المقام الثاني بعد إنقاذ الشخصيه التونسية من خطر الفناء وذل التبعية واهتدى الى أن الدخول فى نقاش حاد حول وضعية المرأة التونسية والجهر بآراء اصلاحية جريئة فى قضية المرأة ونظام الاسرة يكون آنذاك سابقا لأوانه لا يرجى منه الخير لما قد يحدثه من بلبلة فى العقول وانشقاق في الصفوف كما حدث بعد سنة في الخصومة حول الطاهر الحداد وكتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " .
وما ان تحررت البلاد في سنة 1956 حتى سارع الحبيب بورقيبة بتحقيق ما نوقعه في سنة 1929 بعد أن أصبح المسؤول الاول فى الدولة فأصدر مجلة الاحوال الشخصية التى تضمنت حقوق المرأة وواجباتها وكان ذلك فى الثالث بمشر من أوت سنة 1956 ، وقد جرى العمل بمقتضاها بدءا من غرة جانفى 1957 .
بعض مراجع البحث
ابن خلدون " المقدمة " ول ديورانت " قصة الحضارة " ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود ، ط . القاهرة 1956 ، ج 1 . البشير بن سلامة " الشخصية التونسية " خصائصها ومقوماتها ، ط . مؤسسات بن عبد الله ، تونس 1974 على الحصرى القيروانى " ديوان اقتراح القريح واجتراح الجريح " فى كتاب " أبو الحسن الحصرى القيروانى " لمحمد المرزوقي والجيلاني بن الحاج يحيى ، مكتبة المنار ، تونس 1963 أحمد بن أبى الضياف " إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان " ج 4 ، ط . تونس 1963 .
خير الدين باشا التونسى " أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك " ط . تونس 1968 . جريدة " تقويم المنصور " سنة 1342 ه . جريدة " الرائد الرسمى " . جريدة " إفريقيا " 19 جانفى 1925 ، من مقال محمد محيى الدين القليبي " شغب وتضليل ومكابرة عجيبة " .
