يعتقد المثقفون الشطريون ( ١ ) ان الاجوبة بنصوص الوحي ، عما يطرح من الاسئلة ، حول العقائد وسواها ، لا تقنع الا المؤمنين بتلك النصوص . وهذا الاعتقاد غاية في السخافة . لان براهين نصوص الوحى - ان كانت يقينية ( ٢ ) فهي اقوى من أية براهين علمية أخرى قوة الاسد ، حيال الارنب .
والسبب في ذلك أن براهين الوحى مصدرها . علم الله ، والبراهين العلمية مصدرها المعارف الالهية التي كونت بموجبها الاكوان . وما اكتشف منها ، لا يبلغ قطرة الغيث بالنسبة للجج المحيطات .
ولا سرية في ان المعارف التى يكتشفها العلماء من دراسة تكوين الاكوان ، تسير صاعدة متطورة ، وفي سيرها الصاعد المتطور عبر العصور والاجيال ، تغيير وتبديل وزيادة ونقصان ، فتجد ما يكون في جيل حقيقة يكون في اخر خرافة ، وما يكون خرافة
يصبح هو الحقيقة العلمية اليقينية .
وهذا هو عين المسطور في معارف الاجيال مذ أبعد الازمان الى اليوم .
ومرجع ذلك أن علم الانسان محدود ومهما غزر وتقدم وتطور ، فانه يظل محدودا حيال ما تشتمل عليه الكائنات من المعارف التي لا نهاية لها . اذن فعلم الانسان المقتبس من معارف الكائنات ناقص ، والعلم الناقص ، لا يعطى عين الحقيقة في كل شئ .
أما علم الوحي المنزل ، فان مصدره مباشرة علم الله النفسي المحيط بكل ما كان ويكون وما لم يكن .
وهل يعقل أن الله الذي خلق العوالم وصورها وقدر لها اعمارها ، وأقواتها ، وأعمالها ، ومواطنها ، في هذا الفضاء . أن لا يكون علمه عين الحقيقة وأن لا يكون شاملا لكل ما كان ويكون وما لم يكن . اذ لو تغلف عن شئ من ذلك لانقلب علم الله جهلا وهذا مستحيل قطعا في حقه تعالى :
(( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )) .
ومن هنا كانت نصوص الوحي اليقيني ، هي الاصل المعتمد عليه لدى تحرير المعرفة من الظنون والاوهام والاساطير . ونصوص العلوم الكونية التي يكتشفها الانسان هي الفرع ، والفرع مهما علا وزها فانه لا يسمو سمو الاصل . . في الوثوق به والاستمداد منه والتثقيف به ، في كل ما يجد من الاسئلة عن حقائق الأشياء .
والاجوبة بنصوص الوحي اليقيني ، اذا ثم تكن اقوى دلالة ، وأوثق حجة ، واظهر برهانا من الاجوبة بنصوص العلم اليقيني ، فكيف يمكن أن تكون من علم الله النفسي الازلي يقينا .
وهذا الذي يحدوني حين أذكر البراهين العلمية الحديثة للمثقفين الشادين فى العلم ( ٣ ) أردفها بنصوص الوحى اليقينى لتطمئن قلوبهم أنهم امام الواقع اليقينى . . علما وروحا ، ولكي يؤمنوا انهم حيال كلام الله الازلي المعجز ، وانه وحده هو الحجة الدامغة في الواقع الوجودي الاصيل ، الذي لا يتغير ، ولا يتبدل ، ولكى يؤمنوا ان الدلائل العلمية لن تبلغ قوة الواقع الاصيل الوجودى من الحق والصدق ، وطمأنينة اليقين . الا إذا اذعنت وخشعت وركعت حيال محراب وحي الله المعجز ، وهي تتلو ضارعة :
(( سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا ، انك أنت العليم الحكيم . ))
واني اضرب مثلا لاقامة الحجة من وحي الله اليقيني المعجز . .
هب أنك تقيم الحجة لسائل عن كنه ذات الخالق العظيم جل وعز . وهب أنك قلت له :
ان كنه ذات الخالق لا تماثل الذوات المادية ولا سواها ، ولا تتصف بحفاتهما . . ثم تلوت عليه نصوص وحي الله اليقينية المحكمة برهانا على قولك :
( قل هو الله احد ، الله الصمد ، لم يلد . ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد )
( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) ٤٢-١١
( يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ) ٢٠-١١٠
( وجعلوا له من عباده جزءا ، ان الانسان لكفور مبين ) ٤٣-١٥
( أفمن يخلق كمن لا يخلق افلا تذكرون ) ١٦-١٧
( وما قدروا الله حق قدره ، والارض جميعا قبضته يوم القيامة ، والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) ٣٩-٦٧
( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله . ان الله واسع عليم ) ٢-١١٥
( ولا يأمركم ان تتخذوا الملائكة والنبين أربابا ايأمركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون ) ٣-٨٠
( ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة ايام وما مسنا من لغوب ) ٥٠-٣٨
( انما أمره اذا اراد شيئا ان يقول له : كن فيكون ، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ واليه ترجعون ) ٦٣-٨٢
( هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم ) ٥٧-٣
( والله من ورائهم محيط ) ٨٥-٢٠ ( ألا انهم في مرية من لقاء ربهم ، الا انه بكل شئ محيط ) ٤١-٥٤
( وجعلوا له شركاء الجن ، وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ( ١٠٠ ) بديع السموات والارض ، اني يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم ( ١٠١) ذلكم الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شئ ، فاعبدوه وهو على كل شئ قدير ) ٦-١٠٢
( ولله المثل الاعلى وهو العزيز الحكيم ) ١٦-٦٠
( لا اله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ، له ما في السموات وما في الارض من ذا الذى يشفع عنده الا باذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم ) ٢-٢٥٥
( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسماته سيجزون ما كانوا يعملون ) ٧-١٧٩
( لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير ) ٦-١٠٣
( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون ) ١٢-١٠٦
( ان الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) ٧-١٩٤
( واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون ) ٢-٥٥
وهنا بعد تلاوه نصوص وحي الله اليقيني تستطيع أن تفهم مكانة السائل من المعارف الحسنة .
فان كان من المتعمقين فيها ، علم يقينا بأنه امام كلام الخالق العظيم الذي يعلم وحده حقيقة ذاته وصفاته ، وان خلقه لا يعلمون منها الا ما أعلمهم في آياته .
والذي يجعله يعلم ذلك يقينا هو عمق المعارف الحديثة التي احاط بها . وسلف بسط الدلائل التي تحدث بها المتعمقون في المعارف الحديثة في الكلمات التي نشرتها .
ونهاية ما يجب أن تستوعبه من هذه الابحاث هى أن نص الوحي اليقيني المحكم هو البرهان العلمي لاكيد الصادق الذي يكشف عين الواقع الحق في كل الاسئلة التي تجد حول حقائق العوالم .
وان ما اكتشفه العلماء ويكتشفونه على مدى الاجيال من معارف الكائنات ، لن تكون دلائل علمية قطعية تثبت عين الواقع ، الا إذا جاءت موافقة لنصوص الوحي اليقينى المحكم . .
والمعارف الحديثة المبنية على التجارب والمشاهدة تكشف لكل دارس أن الكائنات سواء اكانت كائنات المادة أو كائنات الطاقة ، هي صنع محكم دقيق رائع .
وتكشف أنها - بما تشتمل عليه من العجائب وما تأتيه منها دائما - محال أن يكون كل ذلك من عمل المصادفات . وان المصادفات التى جعلتها تصنع نفسها بنفسها طاقات ومواد كليات وأجزاء على ما هي عليه . .
وأخيرا قل يا أخي معي : ( قل فلله الحجة البالغة ، ولو شاء لهداكم اجمعين ) ٦-١٩٦

