لم يكد يسلم من النزعة الى تفضيل العربية على غيرها من اللغات سوى طائفة قليلة من اللغويين العرب ، نذكر منهم - فيما نعرف - ابن حزم الاندلسى . وموقف ابن حزم - حقا - يثير التساؤل ، الا ان هذا التساؤل لا يلبث أن يزول عندما تدرك أن مذهب ابن حزم " الظاهرى " هو الذى دفعه الى رفض التقرير بأفضلية اللغة ، اذ لم يأت نص فى ذلك ) 1 ( ولذلك فهو يعيب على جالينوس قوله ان لغة اليونان أفضل اللغات ، لأن سائر اللغات انما تشبه اما نباح الكلاب أو نقيق الضفادع ! وهذا جهل شديد ، لان كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده فى النصاب الذي ذكر جالينوس ولا فرق " . ) 2 ( ويتفق تعليل ابن حزم لهذه الظاهر والحقائق التى نبه اليها علم الاجتماع اللغوى ) Sociolinguistics ) 3 (
ثم يخصص ابن حزم القول فيرفض - أيضا - التقرير بتفضيل العربية لانه بها نزل كلام الله تعالى ، ويرى أن " هذا لا معنى له ، لان الله اخبرنا انه لم يرسل رسولا الا بلسان قومه . فبكل لغة نزل كلام الله ووحيه " ) 4
وباستثناء هذا الموقف الفريد لابن حزم ، كان اتفاق اللغويين العرب على تفضيل العربية على غيرها من اللغات اتفاقا عاما . ذهب الى ذلك
أحمد بن فارس والثعالبى وابن جنى . وقال به أيضا أبو حاتم الرازى صاحب كتاب ) الزينة فى الكلمات الاسلامية والعربية ( المتوفى عام 322 ه
وهذه حقيقة يمكن تقبلها " من خلال نشأة علم اللغة . وانه نشأ لفهم القرآن الكريم . فالعربية هى لغة القرآن ، وهي مستودع عقائده وأحكامه . (5)
وليست هذه النزعة - على أية حال - مما انفرد به علماء العربية وحدهم فيعاب عليهم بها ، اذ يحدثنا التاريخ عن أمثلة لتغنى الناس بفضائل لغاتهم ، وهجومهم على لغات الآخرين . فقد اعتقد الاغريق القدماء أن لغتهم أجمل اللغات ، وانها تثير الاحاسيس الجمالية فى النفس ، بينما اعتبروا اللغات الاخرى ) رطانة ( يستعملها ) البرابرة ( والمتلعثمون . وفى العصور الوسطى تتكشف لنا صور متعددة لسخرية البعض من اللغات الغريبة عنهم . فقد سخر الرهبان الايطاليون من ) جلافة ( لغة زملائهم من القوطيين ، كما أظهر اوليفير باسيلين احتقاره للغة الانجليز الغزاة . وهذا - كما يقول ماريو باى - منزع طبيعى . فاللغة ملك للناس تعبر عن خلجات أنفسهم ، وتتحدث عن مفاهيم عزيزة لديهم ، منها الاسرة والبيت والوطن والدين . ونادرا ما يتنكر الانسان لافراد اسرته أو لاصدقائه المقربين او لدين اجداده " . ) 6 (
فارتباط لغة ما بعقيدة مقدسة لدى جماعة ما باعث قوى لهم على اجلال هذه اللغة وتقديسها وتفضيلها . ومن هنا كان ديفد كريستال على حق عندما قال :
" ان هذه المسألة ترتبط بالنظرة الى الاصول المقدسة للغة " . ) 7 (
وهذا نفسه ما ذهب اليه عالمنا ابو حاتم الرازي سببا الى تفضيل اللغات بعضها على بعض . فيقول : " أفضل ألسنة الامم كلها أربعة : العربية والعبرانية والسريانية والفارسية ، لان الله عز وجل انزل كتبه على
انبياته - عليهم السلام - آدم ونوح وابراهيم ومن بعدهم من أنبياء بنى اسرائيل بالسريانية والعبرانية ، وانزل القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - بالعربية . وذكر ان المجوس كان لهم نبى وكتاب ، وان كتابه كان بالفارسية . هذا ما اتفق عليه أصحاب الشرائع " . ) 8 (
بيد أن ابا حاتم يرى - بعد ذلك - أن العربية تفضل هذه اللغات فيقول : " وقلنا : إن افضل اللغات الاربع لغة العرب ، وهى أفصح اللغات وأكملها واتمها واعذبها وابينها " . ) 9 ( ويعود أبو حاتم فيؤكد ان هذه الفضائل للعربية انما كانت لاظهار فضل محمد - صلى الله عليه وسلم على سائر الانبياء ، واظهار فضيلة الاسلام على سائر الاديان ) 10 (
والعربية عند أبى حاتم - " هى اللغة التامة الحروف الكاملة الالفاظ ، لم ينقص منها شئ من الحروف فيشينها النقصان ، ولم يزد فيها شئ فيعيبها الزيادة . وسائر اللغات فيها زيادة حروف مولدة ، وينقص عنها حروف هى أصلية . ونعتبر من ذلك باللغة الفارسية لانا طبعنا عليها ونشأنا فيها . على أنا تدبرنا سائر اللغات فوجدنا فيها مثل ما ذكرنا من الزيادة والنقصان اللذين هما العيب البين والشين الظاهر . والحروف التامة كلها هى ثمانية وعشرون حرفا لا زيادة فيها ولا نقصان ودارت لغة العرب على هذه الحروف . وسائر اللغات زادت عليها ونقصت عنها . مثل اللغة الفارسية . فانها قصرت عن : العين والغين والحاء والقاف والطاء والظاء والصاد والضاد والذال والثاء فاذا اضطروا الى أن يتكلموا بكلم عربية أو معربة فى بنيتها حرف من هذه الاحرف قلبوا ذلك الحرف الى حرف قريب الحيز والمدرج منه ، او الى حرف يسمونه ذلك المعنى ، كما قلبوا ) الحاء ( الى ) هاء ( فقالوا لمحمد ) مهمد ( 11 (
فكرة أبى حاتم فى تمام العربية - كما يبدو في هذا النقل - تعتمد على لعدد والحساب ، فهو يرى أن عدد الحروف الثمانية والعشرين هو العدد
التام ، وهذا هو عدد حروف العربية ، وبذلك توفر لها الاكتمال . ويحتم أبو جاتم الى الحساب معيارا لتأكيد ما يذهب اليه فيقول : " المعيار بيننا وبينهم ) بقصد المعترضين ( الحساب ، لأنا اختلفنا فى عدد الحروف والعدد هو الحساب والحساب هو الشاهد العدل الذى اتفقت عليه الأمم كلها .
لن الامم كلها متفقة على أصوله انه آحاد وعشرات ومئون وألوف وهذه الاصول مبنية على الحروف الثمانية والعشرين ، فسموا ) أ ( واحدا و ) ب و ) ح ( ثلاثة و ) د ( أربعة ، فعلى هذا حتى استوفوا الآحاد الى تسعة فقالوا : ) ط ( تسعة ، ثم ابتدأوا بالعشرات فقالوا : ) ى ( عشرة و ( ك ( بمشرون ، حتى استوفوا العشرات الى تسعين فقالوا ) ص ( تسعون . ثم ابتدأوا بالمئين فقالوا : ) ق ( مائه و ) د ( مائتين حتى استوفوا المئين الى تسعمائة ، ثم قالوا فى الألف الذى هو غاية الحساب ومنتهى الاعداد
(غ) ألف ... لا عن الفن فى استيفاء الحروف استيفاء الحساب كله . وصارت الحروف الثمانية والعشرون - التى بنيت عليها لغة العرب - وفاء لأصول الحساب كلها ، لم يفضل حرف ولم ينقص حرف " . ) 12 (
وهذا المنحي ذاته هو ما لجأ اليه أصحاب ) رسائل اخوان الصفاء ( فى تعليل فضل العربية وتمامها ، متأثرين فى ذلك بالفلسفة الفيثاغورية ونظريتها فى العدد .
وللعربية - بعد ذلك - فضائل أخرى تتمثل فى علومها ، فى النحو ) وهو قانون يرجع اليه فيها ومعيار يعتبر به . . وليس هذا - كما يرى عالمنا لسائر الأمم مقولة فيها عظيم مبالغة ( .
ثم في ) الشعر والعروض ( اذ أن للغة العرب ديوانا ليس لسائر لغات الامم . والذي قالته العجم فى الاغانى هو بين الشعر والكلام المنثور وليس له وزن الشعر العربي ولا تقويمه ، بل هو كلام قد سجعوه ومثلوه بالالحان .
ثم تتمثل فضيلة العربية أيضا فى حظها من الفنون البلاغية كالايجاز والمشترك اللفظى فاجتمع لهم التوسعة فى الكلام وليس هذا لسائر الامم . ( 13 ) .
ومهما كانت هذه الاسباب التى يسوقها أبو حاتم فى تفضيل العربية فانها - جميعا - تساق بدافع من الاعجاب والاجلال لهذه اللغة ، مما يصبغها - أجمعها - بصبغة الحكم الذاتى ، وينأى بها عن أوصاف الحكم العلمى الموضوعي . ولا يعنى هذا ان نرفض هذا الحكم الذاتى بجماليات العربية وانما علينا - كما يقول ماريوباى أن نسمى الاشياء بمسمياتها
ان الدرس اللغوي الحديث يرفض مثل هذه الاحكام " فليس هناك لغة أكثر منطقية أو أكثر تعقيدا . وكذلك لا يجب ان نتحدث عن ان بعض اللغات بسيطة أو فجة أو بدائية . وان بعض اللغات أجمل أو أقبح أو متكلفة فمثل هذه أحكام غير واقعية " . ) 14 (
ومع ذلك فان الوقوف عند هذه القضية - أفضلية العربية - واستعراض رأى لغويينا العرب فيها أمر هام ، لانه يكشف لك عن الاطار الصحيح الذى ينبغى للغوى الحديث أن ينظر من خلاله الى آراء علماء العربية فى كثير من مسائلها ، وأن يكون درسه على وعى بهذه العلاقة الوثيقة بين العربية والقرآن الكريم
مصر

