تحمدى
تحليل ونقد : للاستاذ محمد ابراهيم جدع هذا المؤلف المكى احد رواد الفكر الحديث فى العلم ، فى الادب ، فى الاجتماع . اجتمعت له مزايا العالم الفقيه ، والاديب الخلاق ، والكاتب الاجتماعى . قرأت له المقالات يبعث بها للصحف فقرأت فكرا ساميا واسلوبا ممتعا ، ونقدا هادفا وقرأت له فى التأليف فألفيته مؤلفا للمبادئ السامية ، تشيع فى أفكاره روح الاسلام ، نابعة من عقيدته الصادقة ، وما ان طالعت كتابه الاخير عن المرأة العربية المسلمة وبهذا العنوان ( مكانك تحمدى ) وهو يشير فى مقدمته الى قول حافظ ابراهيم :
الام مدرسة إذا اعددتها
اعددت شعبا طيب الاعراق
حتى آمنت حقا بان هذا الكتاب سيكون معبرا عن طابع المؤلف واهدافه ومراميه ، طابعه الاسلامى ، اهدافه البناءة ، مراميه الاصلاحية ، ويظهر هذا جليا فى فصول الكتاب ، وفى مقدمته الوافية وهى تبرز افكار المؤلف صريحة وثابة عن المرأة فى محيطنا أو أى محيط عربى اسلامى ، وخاصة فى محيطنا ، اما لماذا اختص بهذه الدعوة المرأة فى محيطنا وجعل بحثه عن غيرها عاما ؟ فلعله أخذ بالحكمة المأثورة : ابدأ بنفسك ، وسنعرف بعد ان نعرض لفصول الكتاب هذه الناحية المهمة من الكتاب .
كتب فصله الاول . . عن طبيعة المرأة ووظيفتها ووجوب التزامها لطبيعتها التى فطرها الخالق تبارك وتعالى عليها ، وتمسكها بوظيفتها الاساسية التى خلقت لها ، والميزة التى تمتاز بها عن الرجل فى اداء وظيفتها كاملة وافية ، ولنعرض بعد هذا لاقواله فى الفصل الاول ( انها والدتي ، ووالدتك . واختى واختك ، وزوجتى وزوجتك ، وابنتى وابنتك . . واى عاقل فاضل لا يهتم بماضى هؤلاء النسوة العزيزات الحبيبات وحاضرهن ومستقبلهن فى الحديث النبوى ( الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ) . وفى الامثال المأثورة عن الحكماء : ( المرأة
الجميلة دمية ، والمرأة المتعلمة فاكهة ، والمرأة الفاضلة غذاء ) نقف عند هذا الحد من أقواله فى الفصل الاول لنعرف ما ترمز اليه الصورة على غلاف الكتاب وهى تمثل امرأة تخرج من بوابة دارها لتلقى امامها رجلا يمد كفه الى اعلى باشارة معناها ( قفى ) وقد اراد بهذا المؤلف ان يوقف المرأة عند عتبة دارها فلا تخرج عن هذا الحد ولا تختلط بغير جنسها واعتبار البيت مقرا للفضيلة وعنوانا للمرأة الصالحة اما كيف نعد المرأة لتكون صالحة وفاضلة ولتكون خير متاع الدنيا كما جاء فى الحديث النبوى ان تفسير هذا الاعداد جاء ذكره فى اقوال المؤلف :
( كيف نعد المرأة للزواج ؟ ان الاسلام لا يحرم تعليم المرأة . بل يحض عليه ويجعله فرضا عليها وعلى الرجل معا ) وفسر هذا التعليم بقوله ( يجب ان نعلم المرأة دينها من صلاة وصيام وزكاة وحج ) ، الى ان قال : ( وينبغى كذلك تعليمها كل ما تحتاجه فى بيتها من اعمال المنزل التى تفرض عليها الزوجية مباشرتها ازاء زوجها واولادها من خدمة وتنظيم وتمريض واعداد للملابس والموائد وغيرها ) وبالنسبة لمركزها الاجتماعى
قال محذرا : ( ونسلك بها الى مسالك الاحتشام والاحترام حيث لا تعرف رجلا اجنبيا ، ولا تكلمه ، ولا تمازحه ، وحيث لا تقرأ الصحف والمجلات والكتب التى تتاجر بالصور العارية ، والقصص الغرامية الفاخرة ) وقفت عند هذا الحد من أولى حلقات هذا الفصل وفيه نرى ان المؤلف لا يرضى للمرأة من العلم الا ما يتفق ونظام البيت ومستلزماته دون التدرج بها الى التعليم العالي والالتحاق بالجامعة والتخرج منها لتحاضر وتكتب وتعطى رسالتها كأم تبنى جيلا وتشارك فى مختلف المجالات الادبية والعلمية كأخواتها العربيات المسلمات فى البلاد العربية فلماذا أراد المؤلف لها هذا المصير وحدد لها هذا الاتجاه ورسم لها هذا التخطيط ؟ قد يكون الاتجاه ورسم لها هذا التخطيط قد يكون رأيه فى هذا واضحا وان لم يذكره فى هذه الحلقة مكتفيا بالاشارة دون العبارة قد يكون رأيه ان التدرج بالمرأة الى التعليم العالي والالتحاق بالجامعة والتخرج منها قد يخرجها عن حدود ما فطره الله عز وجل عليها ، ووجوب تمسكها بوظيفتها الاساسية التى خلقت لها . فقد يؤدى تدرجها الى التعليم العالي والالتحاق بالجامعة والتخرج منها قد يؤدى هذا كله فى رأى المؤلف الى ان تسلك مسلكا يختلف عن احتشامها واحترامها ويتيح لها مجال التعرف على رجل اجنبى وتكلمه وتمازحه وتقرأ الصحف والمجلات والكتب التى تتاجر بالصور العارية والقصص الغرامية الفاجرة . لذلك هو يقول : ان المرأة كالرجل - ميزتها الخلق لا العلم ، بل الخلق الحسن في المرأة مرغوب فيه اكثر منه فى الرجل ، ذلك انها موطن العفة والشرف ، والكرامة بالنسبة للزوج والاولاد بل انها كما يطلق عليها فى بلادنا ( عرض الرجل ) تحمد به او تذم ! )
وسؤالنا بعد هذا العرض
لاقوال المؤلف فى الفصل الاول من كتابه وما اتبعناه من تفسير لما جاء فى اقواله سؤالنا بعد هذا كله هل التعليم العالي وتخرج الفتاة من الجامعة يجرها الى هذا المصير ؟ أو أن فى هذا التعليم تهذيبا لخلق الفتاة وتبصيرا لها بواجباتها وتوجيها لها الى الاهتمام بمسؤولياتها ؟ ومن المسلم به انه لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون والفتاة حين تعلم ستكون ارقى فهما وأجل ادراكا من فتاة تنزع فى تصرفاتها الى مصير مجهول ، لا تلبث ان ترتطم فيه بحائط الجهل فترد حيرى لا تدرى اى طريق تسلك وفى اى مجال تسير ، هى جهلت المصير فوقعت فيه وتفقدت امامها الحياة فلا تجد من مسلكها مخرجا الا ان تتقاذفها الويلات وتطيح بها النزوات فلا تجد من جهلها ما يردعها عن طيشها واندفاعها ولا من ظلامها النفسى ما ينير لها طريق الرشاد او يعصمها من الزلات والفتاة حين يتألق كيانها العلمى وهى تتطلع فى افق الجامعة الى مستقبل نضير الى تحقيق رسالتها كام لابناء وكعضو عامل فى مجتمع يتطلع الى مجالها العلمى والثقافى والادبى لا شك انها تنشط الى تحقيق هذه الاهداف السامية ضاربة بالنزوات والآثام جانبا لتقف على قدميها كأم وقور تثقف الابناء وترعى الجيل الصاعد بحنانها وامومتها الحالمة .
اما ما تقع فيه المرأة الحديثة من مساوىء فليس مرده طبيعة تعليمها العالي ولا ثقافتها الرفيعة وانما هناك عوامل تشد المرأة شدا اليها لعل من اهم تلك العوامل سوء التربية المنزلية وتأثر المرأة بها وانجرافها فى تيارها والرقابة الابوية كفيلة برد الامور الى نصابها والتربية الدينية والرقابة المنزلية على سلوك الفتاة فى البيت وفي الشارع وفي المدرسة حتى التخرج من الجامعة تعطى اثرها الحميد في تقويم الخلق النسائى وربطه بعادات المجتمع وتقاليده المرعية .
والى الحلقة التالية فى تقديم هذا الكتاب وما يحمله من أفكار هادفة ؟
