٢
وبعد فقد تطورت الحياة العلمية فى العهد السعودي تطورا لا يغمط فضله الامن ينكر ضوء الشمس فى رابعة النهار . ولقد يقر لعيون المؤمنين ان تتعدد المدارس والمعاهد في احب الاقطار إلى قلوبهم وان تتوافد بعثات الخريجين منها الى الجامعات الكبرى فى الأقطار الشقيقة وفي البلدان العريقة فى المدنية والحضارة والعمران . وانه لبذل عظيم وسخاء منقطع النظير ذلك المال الذي تنفقه الحكومة منذ قيامها حتى الآن على انهاض المعارف وتوسيع آفاقها واغداقه على الاساتذة والتلامذة وأعضاء البعثات وما الى ذلك من مقتضيات التثقيف والتهذيب التى عممت فى الحاضرة والبادية ورصدت لها الاعتمادات المالية الكبيرة .
غير ان ذلك يجب أن لا يصرفنا عن الحقيقة الصارخة التى لا تتبدل ولا تتحول مهما اختلفت الاشكال والألوان . وهى اننا بحكم جوارنا وقدسية وطننا لم نتقدم كما يجب نحو العلم الديني الصحيح والقيام بنشره والتبشير به فى مختلف بقاع الأرض
صحيح أن الامية قد اخذت تتلاشى بمرور الزمن فى محيط المدن وسوف لا ينقضى وقت طويل حتى نجد نسبة المتعلمين - بحكم التيار الجارف - اعلى بكثير مما هي عليه الآن .
ومما لا مراء فيه أن الادباء والشعراء وحملة الاقلام قد توفروا وتزاحموا وانطلقوا فى ملكوت الأخيلة والأطياف ! وان منهم لمن لا يشق غباره فى ميدانه ، ويوم سبق رهانه
ولا مكابرة أن الأمة فى تكوينها الحاضر احوج ما تكون الى ابنائها الذين يحملون شهاداتهم من ارقى المعاهد والجامعات فى الفنون المتصلة بالحياة والانشاء والتعمير والتنظيم ومواكبة ركب الحضارة الحديثة في حدود ما يتفق واحكام دنيا الحنيف ، ويسد الحاجة فى كل غرض وتكليف
وانه لما يملأ نفوسنا بشرا واغتباطا أن يتبارى شبابنا ونشؤنا الطموح فى كل ما يجعله فى مصاف اخوانه واقرانه وبنى جلدته فى كل المميزات ومكارم الاخلاق وبواعث التقدم والارتقاء . وانه لحق عليه وجدير به ان يكون الطليعة والغرة فى جبين الشعوب العربية قاطبة بماله من خصائص الذكاء وملهمات النهوض وبما تعضده به الحكومة والامة معا من تشجيع وتقدير وايثار وتكريم .
واذا كان المجال - ضيقا - بما يفرضه عنوان هذا المقال - فان ضيقه لا يضطرني إلى الوقوف وراء هذا الافق الشكلى ولا عند حدوده المقتضبه اننا اليوم - ولله الحمد والمنة - فى موقف يسمح لنا ان نتغني بامجادنا التليدة والطريفة ، فى ظل عاهلنا المفدى امد الله ايامه ونصر اعلامه ، وان هذه المملكة الضخمة العظيمة التى اقام جلالته اركانها وشيد بنيانها بعد المعارك الفاصلة والمواقف الحاسمة وجعلها ذات مكانة بارزة فى الاوساط الدولية لا تجد مجالها الحيوى إلا فى سواعد أبنائها - وما بهم من قلة - والا فى عقولهم وعقائدهم واخلاقهم وما هى الا التراث الخالد والكنز الثمين .
ان علينا ان نفطن الى ما يدور تحت اسمعنا وابصارنا فى الشرق والغرب من دواليب الحياة الأدبية والمادية والحسية والمعنوية . وان نحرص على ان لا نؤخذ بزبرج المدنية وزخرفها ، ولهوها وسخفها ، وان نقصر سعينا على كل ما فيه نفع وفائدة وقوة وعزة وكرامة واستغناء وحده .
أما ميراثنا الأول وشرفنا الاكبر وفخرنا الاظهر ومجدنا الاسلامى من هؤلاء إلا السياج الحديدى والحصن الأبدي الذي لا بقاء ولا سمو ولا ارتقاء لا فى احتضانه واعتناقه ذلك هو ) الدين القيم ( و ) الشريعة المطهرة و ) العقيدة الصحيحة ( و ) الخلق الكامل ( وبقدر تمسكنا به ودابنا فيه
واتباعنا لاحكامه واقامتنا لحدوده وسهرنا عليه ودعوتنا اليه يكون مقامنا ملحوظا وسعينا محمودا ومعاشنا كريما ومعادنا مأمونا .
قد يقنع بعض الناس ان يرى فريقا منا متفوقا فى بعض الفنون الأدبية أو الرياضية أو الهندسية أو الكيمائية أو الصناعية ولكنهم لا يلبثون أن يجدوا آن كل شعب يحاول اثبات وجوده بين الامم المعاصرة لا يقف به السير عند أول الطريق ولا وسطه ولا آخره - وانما هو بين جزر ومد يتعاقبهما الفرد وبالتالى الامة - أو الامم جمعاء - وقد اصبحت كالحلقة المفرغة متصلة الأجزاء متقاربة الأبعاد ممتزجة العناصر .
- يجب أن لا نطفر - وان لا نجهد ، وأن نعترف في تفاؤل كبير بأننا قد قطعنا شوطا لا بأس به فى مراحل الحياة العلمية والعملية اجمالا وان نتذكر أن علينا لبلادنا واجبات خطيرة لا مناص لنا من القيام بها وأهمها خطورة والزمها ضرورة وأعظمها شأنا تلك التى لا شأن لنا ولا قيمة ولا اعتبار بدونها - ألا وهى ) العلوم الدينية ( وبثها ونشرها والتبريز فيها والمحاضرة بها والأذاعة عنها والدعوة اليها . وكفى بنا غفلة وتقصيرا واهمالا تلك القرون الطويلة والإجيال المتعاقبة التى خفتت خلالها اصوات كانت الهداية تتجاوب بها فى جوانب المعمورة من ) أروقة الحرمين ( ومشارف ) البطحاء ( - ) ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال اننى من المسلمين ( ؟ !
والخلاصة - أننا نجد مظاهر الحركة العلمية والأدبية وقد اخذت فى تبدو للعيان في وضوح وجلاء تامين وهي متوثبة دائبة السير الى الامام وانها لأشد بروزا فيما يأتي :
أولا - فى ) المعهد السعودى ( و ) مدرسة التوحيد ( و ) دار الحديث ( و ) دار العلوم الشرعية ( و ) دور الأيتام ( وفى المدارس الاميرية والاهلية المختلفة وفى البقية المباركة من حلقات المسجدين فى كل من مكة والمدينة المنورة . وفي مدارس القرى والمدن فى كافة الجهات . ثانيا - فى الانتاج العلمى والادبى الذي يشهد له ) الجهابذة ( بغزارة
المادة وسعة الاطلاع بقدر ما تسمح به البيئة والمحيط ويمتد به افق المؤلفين وما يلاقونه من مشجعات أو مثبطات
ثالثا - فى الصحف والمجلات والرسائل - على قلتها وندرتها فقد تطورت مع الزمن ونوه بمكانتها قادة الفكر ورجال الصحافة . والأدب فى الاقطار الشقيقة المجاورة . وحسبك برهانا على ذلك ما حازه ) منهلنا الأغر وما ظفر به بعض الشخصيات البارزة من ادبائنا وكتابنا وشعرائا فى المجلات العربية الذائعة الصيت وفي دور الاذاعة ومحطات ) الراديو ( العالمية . بعد أن كان فن التحرير والانشاء وقفا على اناس لا يتجاوزون عدد اصاع اليد الواحدة وكانوا متقيدين في نثرهم ونظمهم بالسجع ) الحريري ( ولزوم ما لا يلزم رابعا - فى التقدير الذي لاقاه ويلاقيه اصحاب المؤلفات الحديثة من أبناء هذه البلاد من قبل اعاظم رجالات الأدب وحملة لوائه في الشرق العربي - وفى مصر خاصة - والذي يبدو واضحا جليا فى ) المقدمات ( التى دبجها أكثر من واحد عليها
ولنا بعد ذلك كله أمنيات هي في طريق التحقيق والتطبيق ان شاء الله وهي تتلخص فيما يلى :
١ - اقتداء الشعب بسيده وعاهله العظيم وسمو ولى عهده المفدى وسمو نائبه المحبوب بالمساهمة في تشجيع وتعضيد محاربة الامية ورفع مستوى الأمة علميا وأدبيا وخلقيا
وناهيك بما انفقه جلالة الملك الصالح من أموال بطائلة فى طبع عدة مؤلفات ودوائر معارف دينية وأدبية وزعت وتوزع مجانا وفى سبيل الله تعالى ونشر الدعوة اليه بين أفراد رعيته وخاصتهم وعامتهم وجميع الاقطار العربية وفي كافة أصقاع العالم الاسلامي . فأى مغزى يدل عليه هذا الاتجاه إلا رغبة جلالته في آن يعود المسلمون الى ما كان عليه سلفهم الصالح سيرة وعملا ومعاشا ومعادا ؟ ! وتلك هي الصالحات الباقيات وهل من يجهل أن جلالته بذاته الكريمة ورغم مشاغل التاج وسياسة
الدولة العليا وتصريف مهام الأمور في مملكته الشاسعة الاطراف : يسمع في خشوع واخبات الى الدروس الدينية والوعظية والتاريخية في بلاطه العالي فى اكثر من ساعتين احداهما فى الضحى والأخرى بعد صلاة العشاء يوميا دون ، افطاع ، اليس في ذلك أسوة حسنة ومثل عال للذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ؟
٢ - تأمين حاجة البلاد الملحة الى العدد الوفير من العلماء العاملين والمعلمين والمدرسين والائمة والخطباء والوعاظ والمرشدين ليقوموا بالواجب الملقي على عواتقهم في المدارس والمعاهد والبعثات والحلقات ولا نعني بهذا الواجب اقتصاره على الداخل فقط - بل نرمى الى هدف ابعد وغاية اسمى هي الدعوة الى الحق والهدى من جنبات ) وادي ابراهيم ( تسبق بها وسائل النشر الى مختلف بقاع الأرض وأقاصى المعمورة تحارب نزغات الالحاد وتهدم هيا كل الدجل والخرافات والاباطيل . وتثبت حقائق ) التوحيد ( وفضائل الدين وحكمة الأسلام صافية المشارب فياضة المسارب ، واضحة المعالم رحبة الجوانب .
وليعذرني القارئ الكريم - إذا رآني اكرر واكرر قولي في ضرورة النهوض بالمستوى العلمي والناحية الدينية - فقد يحق لأي بلد كان ان يفاخر ويباهى بثرواته وصناعاته ومخترعاته وحضاراته . ولكننا لا نستطيع فى بلد الله الامين ومهوى افئدة المسلمين ومهبط الوحى على سيد المرسلين ان نكاثر أو نفاخر بغير تراثنا الديني وترسيخ اقدامنا فى معرفة احكامه واسراره وأوامره ونواهيه - وبغير المحافظة على عقائدنا الصحيحة واخلاقنا القويمة وآدابنا وتقاليدنا العربية .
وانه لمن المؤسف حقا أن نجد المناصب الهامة فى الوز رات والادار ت والمفوضيات والقنصليات والسفارات والدواوين والمكاتب والشركات والمتاجر وغيرها ملأى بشبابنا المثقف ! ولا نجد ماهو اقل من الضرورى منهم فى منصات القضاء و ) كتاب العدل ( و ) نواب المحاكم ( و ) منابر الوعظ و لا شاد ( و ) كرا سي التعليم والتهذيب ( و ) وحلقات التدريس والترغيب والترهيب ( ؟ !
يحدثنا التاريخ الأوربي الحديث عن كلمة ارسلها داهية المانيا السياسي فى القرن المنصرم ) بسمارك ( اثر انتصارها فى حرب طاحنة ضروس : قال ما معناه : ) ان الشعب الألماني لا يدين بانتصاراته هذه للقيصر - ولا لي - ولا لرجال حكومته - وانما هو مدين بها وبكل مجد يفوز به لأولئك الاساتذة والمعلمين الذين عرفوا كيف يبعثون فيه روح العزيمة والمضاء والتضحية والفداء ( .
ومالنا وللاستشهاد بما يقوله رجالات الغرب فى هذا المعنى ؟ حسبنا قوله صلى الله عليه وسلم ) لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم ( ، ) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون

