قبل سنوات كنت اقرأ للشاعر الملهم الأستاذ عمر ابي ريشة نثارا من شعره العذب يرصع حقول الشعر فى بعض صحف سوريا ومصر ولبنان فكنت أحس بفيض نشوة حلوة وأستشعر انسراحا وتهويما مع هذه الروح الوثابة الهفهافة التى تتعشق الحرية وتتسم أطيابها وتتوق دائما الى السبح فى جداولها ونهرها محتفرة السدود والحدود . وربما تمدت بالملام اللطيف على الشاعر القدير الذى ضمن بأن يعطينا صورة كاملة مبكرة - تتساوق فيها الظلال وتتمازج الألوان - عن شاعريته الثرة وفنه الخالب الرفيع !
وفوجئت اخيرا مفاجأة حميدة بديوان الشاعر أبى ريشة الموسوم ب ( من عمر ابوريشة - شعر ) يملأ يدي وقلت : حقا ، إن من الاحلام ما يصدق وان طال به الزمن ، ولعم انها لأنعام شائقة والحان بارعة وقعتها انامل عازف ماهر مفن على قيثارة الخلود ، وانهم لقليلون جد قليلين هؤلاء الشعراء الذين فى استطاعتهم أن يمنحونا خلجات نفوسهم ونبضات قلوبهم وأن يرمزوا فى همساتهم الشعرية الفاتنة الى الحياة - على ما تزخر به - بكل هذه للقانة والقدرة والابتكار ، وأن يبرزوا فى صورهم المشعة عنها دقائق التعبيرات وانماط الشكول والشخوص مجسمة متحركة ، بكل هذا الأبداع والأفتنان ! إنها للموهبة لا الصنعة والتكلف ، وانه للطبع لا الحذلقة والتزلف ! !
أبو ريشة فنان مكتمل الأداة ، مشرق الديباجة ، موسيقي التعبير يسيطر على شعره روح الفن الكبير الذى يتفاعل مع الحياة ويناغم نجوى النفس الأنسانية فى شتى مراحلها وفى أدق خطراتها وملابستها ! وما الشعران لم يكن قبسات من الحياة والنفس الأنسانية ، ايحاءات وايماءات منهما ? !
إن فى كل قصيدة وفى كل مقطوعة من هذا الديوان الحر، لمسة أو لمحة فنية هامسة تعطى نكهة خاصة ولونا جديدا يكشف عما يتمتع به الشاعر من إحساس ناضج فياض بالعاطفة الصادقة : اقرأ له مقطوعة ( شباب ) ص ١٩٢ :
أشباب يا زهو الحيا ة ويا نشيد العنفوان !
دنياك أحلام العرا ئس فى لياليها الحسان
يكسو الربيع الطلق عط ـفيها ويرقصها افتنان
فاجن المنى منها اغتصا با وا جر محلول العنان
واترك صدى ألحانها ترويه حنجرة الزمان
أشباب يا زهو الحياة يا نشيد العنفوان !
لا كنت إن أرخيت مع ـطفك النضير على جبان
واقرأ له من قصيدة ( الروضة الجائعة ) ص ٥٤ :
افى هذه الليلة المقمره اهيم بارجائك المقفره
عرفت الذهول الذى قادني اليك فاحببت ان انكره
* * *
لك الخير يا روضتى لم أجد سواك مواسية خبره !
أتيت لأنسى . . فما لى ارى الهواجس كالسحب الممطره
الا أين عرس الجمال السنى على ذيل يقظتك المبكره !
وللغصن ترنيمة العندليب وللجو تسبيحة القبره
وأين بساط الندامى على مطارفك الغضة المزمخره ? !
واقرأ من قصيدة (شرود ) ص ٦٠ :
لا يا ضلال الروح لن أكتسى منك جناحي حلم مفجع
كم أمنيات عفت اعراسها مآتما تعول فى مخدعى
وكم نشيد مسكر فى فمى قاطعته فانهل فى أدمعى
حسبى إذا القيت طرفى على أمسى صدمت القلب بالأضلع !
إقرا هذا وغيره ، وترو معنى البيت الأخير فى القطعة الاخيرة فلن يخطئك هذا الوتر الحساس وهذه النبضات الجياشة وهذا التنغيم الحركي البديع !
كما أن الشاعر مع انفعاله للقيم الشعورية المتوهجة وتصوره لها فى يقظة وحرارة يحاول دائما ان ينسرب الى نفس القارئ فى يسر وسهولة لا فى ضجة وعنف أوفى جلبة وضوضاء !
ويشتمل ديوان أبي ريشة على أغلب موضوعات الشعر العربى الحديث وأغراضه وبنفس الحرارة التى تجده فيها متغزلا واصفا أفانين الجمال ومواكب الأغراء والفتنة ومطارف الربيع ومباهج الحياة بنفس هذه الحرارة المطبوعة تجده يتدفق راثيا صديقه حلمى الأناسى فى قصيدة ( كان لي ) والشهيد الفلسطينى سعيد العاص فى قصيدة ( شهيد ) وتجده فازعا متألما لفلسطين العربية فى محنتها ص ١٤٠ :
والقدس ما للقدس يخترق الدما وشراعه الأثام والأوزار !
أى العصور هوى عليه وليس فى جنبيه من أنيابه آثار ?
عهد الصلبيين لم يبرح له فى مسمع الدنيا صدى دوار !
وثمة نخبة من قصائده الحافلة تكاد تقتعد الذروة فى معرض الجمال الشعرى ولولا ضيق المجال لأوردت نماذج منها كقصيدة ( طلل ص ١٣ ) و ( سر السراب ص ١٥ ) و ( خالد ص ٢٣١ ) و ( لنا الحب ص ٢٥٧ ) و ( مع الناس ص ٢٦٢ ) وعذاب ص ٢٧١ ) وغيرها . . وغيرها ، وقصيدته فى حفل تكريمه التى يقول فيها ( ٢٤٩ ) :
أيهزنى طرب واشباح الشقا فى موطنى مسنونة الأنياب ?
والجرح يأكل أصغري وجبهتى مخضوبة بعد السنا بتراب
ويد العقوق مجدة ونتاجها أهب الرجال على طباع ذاب
من خانع متكبر ، ومخاتل متقلب ، ومحالف كذاب !
صور ينهنهنى الذهول حيالها ويرد لهامى على الاعقاب !
وعلى الجملة فان ديوان أبي ريشة يجمع إلى جمال الاسلوب وعمق النخيل وتوهج العاطفة صدق التجربة ووضوح التأثير وهما لعنصران اللذان كثير ما يفقداهما الناقد
الحديث عند سبر أغوار الشعراء المعاصرين ووزن نتاجهم ورصيدهم الفني .
ويكاد يطغى بحر الخفيف على أكثر بحور الديوان ، وهو بحرب بالرغم من اسمه لا ينقاد الا لكل وقاد القريحة طبع البيان . ومع محاكاة أبي ريشة احيانا للاسلوب العربى القديم الا اننا نلمح فى مجموع شعر ديوانه أنه من انبغ المتأثرين بالمدارس والمذاهب الفنية الحديثة .
وكنت أود لو خلا الديوان من نزغة غير محببة ، تلك هى تصوير الانفعالات العاطفية الصارخة والميول الجنسية الحادة وهى نزعة تناصر ما يسمى مذهب ( اللاوعى ) ويصطفيها فريق من الشعراء اللبنانيين والسوريين وينعيها بشدة ، النقد الحديث ! . . .
اما المآخذ اللغوية والهنات العروضية فطفيفة ضئيلة جد ضئيلة بالنسبة لمجموع شعر شاعرنا الموهوب ومافيه من المعان النابضة بالحياة والمصهورة فى بوتقة الفن !
والديوان ، بعد ، محلى بطائفة من الصور والرسوم الرمزية الانيقة ، للفنان الفريد نجاش ؛ ومطبوع طبعا شائقا !
إن ضمير الأديب ليستريح وهو يعطى هذا الشاعر نصيبه الحق من التقدير وإن نفس الناقد لتطيب وهى تضفر له أكاليل الثناء ! . . . حسن عبد الله القرشى

