الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

مكسرو الحجر

Share

فرديناند فون صار شاعر وكاتب نمساوى ولد سنة 1833 بمدينة فيينا وتوفي عام 1903 . وقد كتب الشاعر عدة مسرحيات تاريخية . ولكنها لم تلاق نجاحا كبيرا كما كان يتوقع لها . اما الشئ الذي رفع فرديناند الى مصاف الشعراء الكبار ، فهو شعره الغنائي الجميل ، واشهر مجموعة له هي " مراثي فيينا ، . ثم قصصه الرائعة ، لا سيما مجموعة " اقاصيص من النمسا " . وقد اتبع فيها اسلوب الكاتب الروسي ترجنييف . واغلب هذه القصص يمت الى حياة الشاعر بسبب قريب او بعيد .و هذه القصة التي نقدمها لقراء الفكر الغراء تعتبر من اروع قصصه الانسانية .

كل من ركب القطار قبل اليوم للمرة الاولى - والاثر لم تعد له الآن تلك القوة - وهو ينساب فوق " سيمير ينغ " بمحاذاة الهوى الساحقة ، وجدر ان الصخور المنحدرة ، يشعر باعجاب مشوب بخوف ، وذلك عندما يدوي القطار فوق الجسور المدوخة ، او يندفع مصفرا عبر الانفاق اللامتناهية . انه ذلك الخوف الذى يستحوذ علينا وقتما نرى ان شيئا ما , كنا نعتبره مستحيلا ، قد اصبح حقيقة ماثلة . وما ان تعود العربات الى الانسياب في دعة وامن ، حتى يستند الى مقعده ، فخورا بانه ابن عصر ينتج مثل هذه الأعمال العظيمة ، ويحلم ، وعيناه مغمضتان ، بانجازات المستقبل التى لم تظهر بعد اجرأ مكاسبها حتى عند افتتاح قناة السويس وشق نفق " سينيس "

غير ان هناك شيئا واحدا - وفى وسعنا ان نفترض ذلك بكل تأكيد - لم يفكر فيه الا القليلون ، واعنى به تلك الالوف المؤلفة من العمال الذين اعتادوا مجابهة الاخطار ، اثناء نسف الصخور ، ودحرجة الحجارة , واقامة الجسور فوق الهوى ، والعرق يسيل فوق جباههم . لقد كانوا في الواقع مبدعى الخط الحديدى ، هذا الذى اتاح لنا ان ننتقل ، في سرعة الفكرة تقريبا ، من العاصمة المزدحمة المغبرة الواقعة على ضفاف الدانوب ، الى شواطئ الادرياتيك الازرق .

اود ان اروى قصة نوعين من بين هؤلاء الذين ساعدوا ، مخلصين ، منذا البداية ، على تقدم عمران الشعوب ، دون ان يعود عليهم هذا التقدم بالفضل . الا ان هذا لا يعني اني اريد ان اتحدث عن مصير الجماهير المجهدة ، واضفى الوانا حادة على حياة اولئك البؤساء الذين يقيمون دورنا ، ويبنون قصورنا وينشئون مدارسنا ، ويشيدون معاهدنا الفنية ، او ابين الدور الذى لعبه ، على مر الحوادث ، ما يسمى بالطبقة الخامسة . وانما اريد ان اقدم صورة رديئة عن اوضاع الجماهير المرهقة ، التى تثقل وجودها الاعمال الجدية المضنية ، وهي تكد دوما من اجل الحصول على خبزها اليومى ، مجهولة غير معتبرة ، الى ان تتوارى فى النهاية فى زاوية خرساء من زوايا الارض . - ان ابين فحسب كيف ان اللذة والالم يحركان كل قلب بشرى وان مأساة العالم الكبرى تحدث بيننا فى كل مكان .

لقد انتهت اعمال مد الخط الحديدى ، وهمدت الضجة الهادرة ، واختفى دوى الانفجارات الهائلة ، فاتجه خليط العمال الذى لم يكن يحصيه عد ولم يكن يعرف الراحة ، وكان قد اقبل من مرتفعات بوهيميا البعيدة ، وسهول المجر ، من جبال " كارست " ومنطقة " فريول " المقدسة - اتجه ذلك الخليط صوب الجنوب ليواصل اعماله هناك . فعادت وحوش الغاب الى الظهور تدريجيا ، وتجاسرت على الاشراف ، فى فضول ، من أعالي الشعاب الواقعة في قمم الجبال الهادئة التى لم تسلك بعد ، فكانت اشبه باثر منسي لم تلمسه يد انسان . وعلى بعد ساعتين كانت ترى اكواخ خشبية منتشرة هنا وهناك . وكان العمال قد سكنوها جماعات ، ثم هدموها عند رحيلهم . وصارت بعد ذلك مأوى لمن بقى منهم لغرض اتمام البناء الاعلى ، اذ كان من الضرورى وضع القضبان الحديدية في بعض الامكنة وتغطيتها بالحصى ، واقامة اعمدة البرق وبناء بيوت الحراس وقد اعتادت ان تعشش فيها الخطاطيف الجميلة التى تحط خلال النهار فوق الاسلاك الكهربائية .

ذات مساء احد جلست امرأة على عتبة كوخ من هذه الاكواخ ، يبعد قليلا عن الخط الحديدى ، ويقع عند قدم الصخور المنحدرة . كانت حافية القدمين ، وقد دثرت رأسها بمنديل سميك اسود . وكان محياها ذابلا تعلوه تلك الصفرة التى اعتادت الشمس ان تخلفها على الوجوه الشاحبة . اما جبينها فكان ذا غضون عميقة ، وحول ثغرها

تعبير حزين ، جعلها تبدو اكبر مما هى عليه فى الواقع ، واظهر فتوة جسدها بصورة نادرة .

كانت الشمس قد دنت للمغيب ، وبدأت الظلال الصامتة تنتشر فوق اغلب التلال ، بينما كانت اشعة زاهية لا تزال تلتمع فوق الاعشاب امام الكوخ وفى اعالى الاشجار فى المؤخرة . والى هذا كانت الفراشات واسراب النحل لا تفتأ تمرح فوق اكمام الزهر . غير ان المرأة لم تهتم باشعة الشمس الرائعة التى انداحت عند قدميها ، لانها كانت تحدق في سترة ممزقة ، تحاول ترقيعها دون ان تحول نظرها عنها . كان واضحا ان هذا العمل يقلقها ، فيدها الخشنة لم تعرف غير المحفر والمجرفة ، ولهذا كانت تمسك بالابرة فى عناء وغباء ملحوظين .

وفى هذه اللحظة ازعجت هدوءها خطي تقترب منها : وحينما رفعت رأسها ، لاح لعينيها رجل ، تبدو عليه مظاهر البؤس والعوز , يجتاز الخط الحديدى في اتجاه الكوخ . كان قبيح المنظر ، قصير القامة ، يرتدي سترة مهترئة ، تتدلى فوق جسمه طولا وعرضا ، وقد تدلت فوق جبينه قبعة عسكرية عتيقة . كان يتأرجح ويترنح في مشيته رغم انه كان يتوكأ على قضيب ذى عقد بارزة ، وكان يحمل كيسا تنم خيوطه على انه فارغ تقريبا .

اقترب الرجل من المرأة والخوف والحيرة يطلان من عينيه العديمتي اللون ، وسألها بصوت حائر ؛ - اهذا هو الكوخ رقم سبعة ؟ فاجابت بصوت تجلت فيه صلابة اللهجة المحلية في جنوب بوهيميا : - ماذا تريد ؟ قال وهو يريها ورقة كان ممسكا بها : - لقد ارسلت للعمل هنا . ظلت المرأة تتأمل بدلته الغريبة ووجهه ذا اللحية الخفيفة الذى بدا شاحبا نحيلا واخيرا قالت :

- ان المشرف ليس موجودا هنا فقد نزل مع الاخرين الى " شوتفين " لشرب الخمر . فاجلس هناك ، ان كنت تعبا ، ريثما يعود .

ثم القت نظرة اخيرة على مظهره الهرم ، وعادت تتناول الابرة والخيط بسرعة ، وهى تفكر فى العمل الذى توقفت عنه .

سكت الغريب وتقدم بخطوات واهية ، وارتمى فوق العشب الاخضر واضطجع هناك ، والشمس تنحدر ساكبة آخر ذهبها ، وكان الصمت حوله شاملا ، ما عدا صوت نسر طويل قطع فجأة اشعة الشمس اللازوردية .

وعلى حين غرة ارتفعت اصوات داعرة من حناجر المجموعة ، فارتعدت مفاصل المرأة وقالت تحدث نفسها بصوت عال : - يا الهى ! لقد رجعوا ولما انته بعد من خياطة السترة !

وكلما اقتربوا ازداد صوت الاغنية علوا وارتفاعا . وان هي الا لحظة حتى بدت طلائع زمرة الزملاء المتوحشة . كان يتوسط الزمرة رجل ، له قوة " هركليس ، وكان يرتدى ثيابا ارقى واجمل من ثياب الآخرين . كان يبدو فى حوالى الخمسين من عمره . وكان وجهه العريض المنتفخ محمرا من الخمرة ، وكانت تطل من تحت قبعته التبنية ، التي غرق فيها قفاه ، شعرات بيض متشابكة . كان قد نزع سترته ورماها فوق كتفه اليسرى ، وكانت يده اليمنى السمينة المربوعة ، التى بدت من كم قميصه المحلول ، ممسكة بسلة كبيرة ، تحتوى على مختلف انواع المؤونة ، وخلفه اثنان من الباقين يحملان على ظهريهما اكياس البطاطا الثقيلة .

نادى الرجل الذى كان يحمل السلة بصوت مبحوح : - ترتشكا ! اشعلى الضوء داخل الكوخ لنحمل المؤونة الى القبو ! ولما وقف امامها ، وقع بصره على السترة ، وكانت قد ضمتها الى صدرها فى هلع ، وسألها في حدة : - هل فرغت منها الآن ؟ فأجابت خائفة :

- لم انته منها تماما ! وعندها صاح فيها ، وقد احمر وجهه واخضر من غضب : - ماذا ؟ لم تنتهي بعد ؟ ألم اقل لك انى فى حاجة اليها صباح الغد ؟

- لقد حاولت ، جاهدة ، الفراغ منها طيلة ما بعد الظهر ، ومع ذلك لم افرغ منها . فليس في وسعى ان اخيطها بنفس السرعة التى تخيطها بها واحدة تعلمت فن الخياطة ! اتضح له ان هذا العتاب الصامت الكامن في هذه الكلمات يزيد في ثورته وهيجانه ، فهتف بها :

- لا يعوزك الجواب ابدا ! و لكن حسبي ان اقول لك ، اذا لم اجد السترة جاهزة صباح غد ، فأنت تعرفين ما سيحل بك ! وضع السلة فوق الارض ودنا منها ، وهى ترتجف امامه ، كما لو انه كان يريد ان يجعل من تهديده حقيقة . وفي ذلك الحين لمح هيأة الرجل ذى السترة العسكرية ، وكان في اثناء ذلك قد اقترب منه خائفا . فسألها ، حنقا ، وهو يترك يده المرفوعة تنزل :

- من هذا ؟ اجابت ترتشكا . وهي تتنفس بصعوبة : - لقد ارسل للعمل هنا ! تقدم المشرف - بكل ضخامته - من الرجل الصغير ، وتأمله من رأسه الى اخمص قدميه : - للعمل ؟ انه لا يكاد يستطيع الوقوف على رجليه ! اجاب الآخر في حياء : - لقد قطعت مسافة طويلة ، من وادى الثعلب الى هذه الجهة .

اخذ المشرف يسخر منه ، وهو يلقى نظرة على الورقة التى قدمت اليه بيد مرتعشة ، وتأملها فى ضوء الشفق :

- انت تسمى نفسك هوبر ! ونظر اليه ثم قال بعد برهة : - اجل . جورج هوبر . ومن اين لك هذه البدلة العسكرية ؟ - انني معفي . - ماذا ؟ انت اديت الخدمة العسكرية ؟

- امضيت سبع سنوات في الفيلق الثاني عشر . وقد اعفيت منها لاني لم استطع ان اتخلص من الحمى الشريرة التى انتابتنى عند حصار فنيسيا . - ومصاب بالحمى ايضا ؟ ! يالغرابة موظفى مديرية الاعمار ! انهم يرسلون الينا رجالا كسيحين لا يمكن استخدامهم الا فى ثقب الحجارة وتكسيرها ، ثم يتعجبون فيما بعد من ان العمل لا يتقدم ! ثم اضاف بحركة مهددة من يده قائلا :

- ولكن يجب عليك ان تنقل يوميا عربتين مملوءتين بالحصى . والا فسوف اطردك . اعلم ان هذا المكان ليس مستشفى . وبذلك تناول السلة من جديد ، ودخل الكوخ . والآخرون خلفه . وفتح بابا مصفحا يفضى الى غار فى اعماق الصخر وقد استعمل كقبو . وكانت ترتشكا تسير في المقدمة . مضيئه الطريق بواسطة قطعة خشب ، كانت قد التقطتها واشعلتها من الموقد المتأجج . وبعد ان ادخلت المؤونة ، اوصد المشرف الباب خلفه ، ثم اختفى طلبا للراحة والوحدة . اما الآخرون فقد اضطجعوا فوق كوم التبن على حد الحائط الجانبي . مثرثرين ، من غير ان يهتموا بزميلهم الجديد الذى كان لا يزال واقفا عند المدخل والحيرة والارتباك يهتكان صدره . واخيرا اقتربت منه ترتشكا واشارت بيدها إلى مكان شاغر بين صفوف الراقدين قائلة : - نم هناك ! فامتثل لإشارتها ، وقد صمم على ان يشغل اصغر مكان ممكن .

ووضع كيسه المعوج تحت رأسه ونشر السترة فوق جسمه كالبطانية ، ثم نام وهو يجتر نفسا عميقا . اما ترتشكا فقد اشعلت المصباح الغازى وقبعت قرب الموقد لتخيط من جديد . وبالتالي تركت الابرة تسقط واخذت تفحص السترة بدقة ، ثم اطفأت المصباح المدخن ، فرحة بفراغها من العمل ، ونامت قرب الموقد بثيابها .

وفي الخارج كانت ليلة الصيف الزرقاء تملأ الجو عبيرا وعطرا , والنجوم المرتعشة تطل من ثقبة فى اعلى الكوخ ، حيث تتصاعد انفاس النائمين وشخيرهم ؟

اشترك في نشرتنا البريدية