بين التيارات العقائدية في الفكر السياسي العربى المعاصر ، نلاحظ انعطافا واضحا نحو اليسار الماركسى ، وفى داخل هذا اليسار الماركسى نفسه يمكن أن نتبين تيارا يحاول التوفيق بين القومية والماركسية كأساس نظري للفكر الثورى العربى وهو ما أطلق على محاولته عبارة " تعريب الماركسية " ( راجع مثلا ياسين الحافظ في كتابه عن قضايا الثورة العربية دار الطليعة 1965 ). وعندما نحاول البحث عن أسباب هذا الانعطاف نحو الماركسية عند هذا الفريق من المثقفين العرب ، يمكننا أن نجد من بين الاسباب الكثيرة سببين هامين:
أولهما : الشعور بالفراغ العقائدى ، والحاجة الملحة لامتلاك النظرية العلمية لتفسير الواقع ورصد أحداثه والسيطرة عليها ، وبالتالى القدرة على تغيير الاوضاع فى اتجاه المستقبل الافضل . إن هذا العامل يفسر ظاهرة " التمركس " عند الشباب فى العالم الثالث عموما - والعرب جزء منه - كما يفسر الجهل عند البعض بتراث الماركسية الضخم ، الثرى الخصب الذي يمتد من روادها الاوائل حتى المنظرين المحدثين من فلاسفتها شرقا وغربا ، ولو كان الجهل يقف عند النواحى التى تحتاج الى اختصاص معين لكان الامر مقبولا ومبررا ، ولكنه يمتد أحيانا الى أهم الاسس التى لا يمكن أن نقول إن هناك فكرا ماركسيا أو نظرية ماركسية بدونها ، وقد زيد الامر بؤسا حين يضاف الى ذلك الجهل ، الجهل بمقومات الثقافة والتاريخ الحضاري العربي ، ولهذا كثيرا ما يسقط انصار هذا التيار اليسارى فى نوع من " التلفيقية " حين ينادون بـ " تعريب الماركسية " ولو كان المقصود من هذا الشعار ابداعا يضيف جديدا الى التراث الفكري الانسانى وما به يثرى ويخصب ، لاحتاج الامر الى التشجيع ، ولكنه مجرد " تأويل وتحوير
للمضامين ومد أطرافها حتى تستوعب أفكارهم الخاصة " (1 ) أفكارهم التى هى حصيلة تطور ثقافى تاريخي خاص للأمة العربية
ثانيهما : إن الثورة " العربية بعد أن تجاوزت مرحلتها الاولى المتمثلة فى اندفاعها وانفجارها العاطفى الجماهيري المناضل من أجل اثبات الذات العربية أمام جميع ألوان المسخ المادى والمعنوى ، وجدت نفسها أمام حتمية التأسيس العلمي والنظرى ، وهذا أوجدها وجها لوجه مع الماركسية باعتبار صلتها الوثيقة بالعلم وارتباطها به وبنتائجه وذلك من حيث توضيحها لأهم المسائل التى تشغل الفكر الانساني : ( 2 ) أ ) المسألة الميتافيزيقية. ب ) المسألة الانسانية. ج ) المسألة الاجتماعية.
هذا وإن "الثورة " العربية منذ انطلاقها الاول كانت تستهدف الممارسة للدفاع عن الذات والنهوض بها وليست الماركسية فى الحقيقة إلا إيديولوجية للممارسة والنضال ، ولانتصار الاشتراكية الماركسية العملي في روسيا إبان " الثورة " العربية ضد الترك ، ثم انتصارها فى أوروبا الشرقية فيما بعد والصين إثر الحرب العالمية الثانية ، ويقظة الوعى القومى التحرري من الاستعمار الغربى ، ووقوف المعسكر الشرقى الجديد الى صف التحرر ومقاومة الاستغلال الاستعمارى ، كل هذا أعطى للماركسية كذلك مكانة كبرى كفلسفة ومنهج للتأثير على الواقع وتحويل علاقاته الاجتماعية _ الاقتصادية والسياسية الأمر الذى يتجاوز الاصلاح والترميم ( الذي طبع مرحلة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين )
تم إن الماركسية وقفت ضد الايديولوجيات الثبوتية التقليدية فتكونت أحزاب شيوعية عربية موالية فكرا وممارسة لروسيا أو للاحزاب الاوروبية الموالية لروسيا ولم يكن نصيب هذه الاحزاب من النجاح كبيرا بسبب عزلتها جماهيريا وغربتها عن فهم واقعها وملابساته ، وفى مقابل ذلك نجحت
الاحزاب الوطنية القومية فى دفع الجماهير الى النضال على طريق التحرر السياسى.
والتأسيس العلمي والنظرى يحتاج الى الاطلاع على عدة علوم كالاقتصاد والاجتماع والسياسة ، والماركسية صاحبة الباع الطويل فى ذلك .
ما هى الماركسية ؟
هى بكل بساطة تبتعد نسبيا عن التعقيدات الاكاديمية 1 ) فلسفة ، تقوم على أساس مادى يحكمه المنهج الجدلى الذى كان فى اصله هيجلى المنشأ والمنزع ، تقول : " المادة أزلية لم يخلقها أحد ، ولا توجد اية قوة فوق الطبيعة أو خارج العالم " ( أفانا سييف : الفلسفة الماركسية) وقد أكد لينين أن المادية الجدلية هى الاساس النظرى الهام للماركسية " وأنها القاعدة الفلسفية لها ، وهي المفهوم العلمي للمعسكر الشيوعي. إنها تبدأ من واقعة مؤداها أن الطبيعة والمادة الموجودة كانت كلها موجودة فى الخارج قبل الوعى ، ومستقلة عنه ، ولا يقوم الوعى إلا بعكس الوجود والطبيعة والعالم المادى . والوجود والطبيعة هما المعطيان الاوليان . بينما يعد الوعى والظاهرات العقلية ناتجين عن تطور المادة " (3 ) .
وقد قام انجلز ( 1820 بارمن - 1895 لندن )عند تعرضه للحلول الفلسفية التى قدمت لما يعرف بالمسألة الاساسية ، بتقسيم الفلاسفة الى معسكرين :
أ ) مادى : يقول بأن الطبيعة والمادة جملة معطيات أولية ، والوعي والعقل والفكر معطيات تابعة للمادة وتمثل إحدى خصائص المادة نفسها .
ب ) مثالي : ويقول بأن الوعى والعقل والفكر هي المعطيات الاولية ، والطبيعة والمادة من خلق العقل أو الفكرة المطلعة أو الله أو الوعى
وقضية العلاقة بين الفكر أو الوعى وبين الوجود هذه أثارت تساؤلا آخر عن العلاقة بين أفكارنا عن العالم الذى يحيط بنا وحقيقة هذا العالم الواقعي . هل تعكس تصوراتنا وافكارنا ، بأمانة الواقع . إن هذا السؤال الذي قدم له الفلاسفة أجوبة مختلفة عبر تاريخ الفلسفة الطويل هو ما يعبر عنه فلسفيا بتطابق الفكر والوجود : identite de la pensee et de I' etre وقد كانت أجوبة الفلاسفة عموما إيجابية (4 ).
ولا يمكن انكار أن الفلسفة الماركسية حققت سبقا على الفلسفات التى سبقتها فى عدة نقاط هامة يمكن تلخيصها كما يلى : ) 5 (
- وضعت حدا لعزلة الفلسفة عن واقع الحياة المشخصة فادخلت بذلك تطورا على مفهوم الفلسفة ذاتها ، وأصبحت القضية الاجتماعية فى صلب الاهتمام الفلسفي.
- دمجت بين التفكير العلمى والفلسفي . - جعلت هدف الفلسفة تغيير العالم باتجاه إنساني لا مجرد الاكتفاء بفهمه وتصويره . - استبدلت المفهوم المادى الميكانيكى بمفهوم مادى جدلى يجعل من الحركة " خاصية أساسية من خواص المادة وميزت بين أشكال الحركة المختلفة من شكلها الادنى الميكانيكى حتى أعلاها وهو الشكل الاجتماعى مرورا بالشكل الفيزيائى فالكيميائى فالبيولوجى. - أحدثت تطورا موازيا فى مفهوم الاشتراكية ، ففعلت ما فعل سقراط فى تاريخ الفلسفة ، فقد انزلت " الاشتراكية " من سماء النظريات المجردة والمبادئ والمثل الى ارض الواقع الموضوعي والبحث العلمي القائم على التحليل الجدلى ( 6 ) .
- لم تخل - شأن كل تجربة تاريخية فى مراحلها الاولى - من منطق رد الفعل على الفلسفات والتجارب التى سبقتها . فمن أجل اثبات مفاهيمها ومقولاتها الجديدة ، ومن أجل خلق جيل مؤمن بها أظهرت نفسها بمظهر الحل النهائي الذى يتمتع بكل صفات " العلمية " و " الانسانية " .
هذا وأن التطور السريع الذى حدث بعد الحرب العالمية الثانية " قد ادخل جميع الايديولوجيات فى أزمة لم ينج منها التفكير الماركسى نفسه " ( 7) وقد أدى هذا بكثير من المفكرين الماركسيين الى اعادة النظر فى النصوص الماركسية وقراءتها قراءات جديدة من شأنها أن تستوعب كثيرا من قضايا الواقع المتطور فى جميع مجالات النشاط الانسانى ( 8 ) ولم يكن هذا فى الغرب فقط بل حتى في الدول الاشتراكية نفسها واذا كانت الفلسفة المثالية ، التى قامت الماركسية كرد فعل لها ، قد تعرضت لصعوبات نظرية وعملية لم تستطع تجاوزها فإن المادية الجدلية ، الاساس الفلسفي والنظرى والمنهحي للماركسية ، هى الاخرى قد جابهت كثيرا من المشكلات الفلسفية والعلمية لم تستطع تجاوزها ، وهذا أمر طبيعي فى كل فلسفة تحاول أن تستوعب الواقع في كليته ، كما انه أمر طبيعي بالنسبة لفلسفة تطلب من الانسان أن يكتفى بالنظر اليها على أنها الخلاص النهائى الذى ليس بعده خلاص لكل مشكلاته وقضاياه بدل أن تنظر الى نفسها دائما بعين النقد الذاتي لتستطيع مواكبة حركة التاريخ الدائمة.
مصاعب فلسفية :
من أهم المشاكل الفلسفية التى واجهتها المادية الجدلية ما يلى : ( 9 )
- لقد وحد انجلز بين مفهومين متغايرين هما " المادية " و " الواقعية ودمج بينهما ليتطابقا وهو يقصد من ذلك البرهان على أن عالمنا المادى هذا الذى يحيط بنا يمثل الحقيقة الواقعية التى لا وجود لغيرها والتي لا تحتاج الى مبدأ آخر لا مادى : الله ، العقل الكلى ، الفكرة المطلقة . والانطلاق من " الواقعية " فى نظرية المعرفة والقول باستقلال موضوع المعرفة عن الذات العارفة ممكن دون السقوط فى " المادية " ومن دون اعتبار أن المادة هى الحقيقة الوحيدة أو على الاقل الاساسية التى صدر عنها كل ما يمت الى الفكر والوعى بصلة . فالقول بكون الوجود الخارجي مستقلا عن الشعور لا يؤدى إلى اعتبار المادة هى الاصل والمبدأ من الناحية الانطولوجية.
- لا تحدد المادية الجدلية مفهوما ل " ماهية المادة " وتكتفى ببحث علاقتها بالشعور فهو نتاج ووظيفة وخاصة للمادة ، ويتخذ لينين من التمييز بين المادة والشعور حجة لدعم هذه الفلسفة . وهذا يعنى الانتقال التعسفى من ميدان نظرية المعرفة ، حيث يمكن المقابلة بين الشعور والمادة ، الى ميدان آخر هو الانطولوجيا . وهو ينظر الى المادة على أنها " الحقيقة الموضوعية " ويرى أن الخاصية الوحيدة للمادة هى كونها " حقيقة موضوعية خارج شعورنا ويحدد مفهوم " الحقيقة الموضوعية " بما تقدمه لنا الاحساسات ويربط بين " المادية " و " الواقعية " كانجلز . إن هذا الانتقال من نظرية المعرفة إلى الانطولوجيا يعد من الصعوبات الاساسية فى المادية الجدلية.
- وبالنسبة لخواص المادة فانها تعتبر " الحركة " إحدى خصائصها الرئيسية وهى لا تنظر اليها باعتبارها ميكانيكية فقط ، بل على أنها مجرد تبدل محض ، كما تميز بين أشكالها الدنيا والعليا ، وهذا ادخلها فى صعوبات أخرى تتعلق بتفسير العلاقة بينهما لاسيما على صعيد الحياة والانسان والمجتمع .
- إنها هى التى تدعى " العلمية " فى تكوين تصوراتها عن العالم تنطلق من موضوعة فلسفية قبلية عندما تنسب الى " المادة " خاصة اللاتناهي في المكان والزمان وتؤكد أن ذلك من نتائج الاستقصاء والبحث العلمي في جميع المجالات . وهى لا تأتى فى دعم هذه الموضوعة القبلية بحجج من الفيزياء بل من الفلسفة هادفة من وراء ذلك الى التخلص من الموضوعة المقابلة التى ترى أن العالم له بداية فى الزمان الامر الذى يؤدى الى طرح قضية "الخالق"
الذي سبق وجوده وجود العالم . هذا وأن القول بعدم وجود بدء فى الزمان للعالم لا يثبت فلسفيا عدم خلق العالم (10).
- وفى بحثها عن الشعور ومصدره تشير الى مصدرين هما اللغة والعمل الجماعى . يرى انجلز بالنسبة للغة " أن تجمع عدة أفراد داخل إطار العمل المشترك قد وضعهم أمام الحاجة الى الوسيلة الدقيقة والناجعة لتبادل الآراء والتخاطب فتحولت تحت وطأة هذه الحاجة ، الاشارات والاصوات والصيحات والحبال الصوتية فى الحنجرة إلى أجهزة ولدت اللغة " .
ولكن هل كان من الممكن أن تنشأ اللغة عند قدماء البشر دون أن يكون لهم ما يريدون الافصاح عنه ؟ ودون أن نسقط فى الفهم المثالي يمكن أن نقول إن الفكر هو الذي ابتكر وسائل التعبير عن ذاته ، وقد كانت اللغة من أهم هذه الوسائل وهي التى ادت الى إغنائه فالانسان ينفرد بين الكائنات بأنه " مادة وذكاء "
- بما أنها تعزو الى الدماغ البشرى وظيفة قابلية التفكير فانه يبقى المفهومان الآخران دون توضيح : الشعور كفعالية والشعور كنتيجة لهذه الفعالية ، إنهما مفهومان مختلفان توحد بينهما المادية الجدلية لان خاصة الشىء ليست هى نتاجه واعتبار الشعور خاصة من خواص المادة معناه أن المادة لها خواص لا مادية وهذا كذلك غير واضح ، واذا اعتبرنا الشعور وظيفة للمادة برزت صعوبة اخرى ، لأن وظيفة عضو أو جهاز مركب يجب أن تتفق وتركيبه النوعى الخاص ، ومعنى هذا نسبة فعالية للمادة لا تتفق وتركيبها ، ولكن المادية الجدلية المعاصرة تحاول تجاوز هذه الصعوبات عن طريق اعتبار الشعور شكلا من اشكال الانعكاس للفعاليات المادية ، فهو مرآة عاكسة معقدة ، وراقية لا تكتفى بدور سلبى بل تؤثر فى الأثر نفسه وهذا معناه تأكيد للدور الايجابي للشعور فى تحصيل المعرفة ( 11 ) ولكن هذا لا يستوعب الخاصة الذاتية للنشاط الايجابي للشعور الذى لا يقتصر على
التفكير فى الظواهر الموضوعية بل يفكر في نفسه ايضا ، فهو يعرف ويعرف أنه يعرف . فهذه القدرة على التفكير فى عمل الفكر نفسه هى أساس وحدة الشعور وهويته وقدرته على تكوين المفاهيم والمحاكمات وإصدار الاحكام
أما القول بكون العمل الجماعى وحاجاته هو الذي أنتج الفعالية الشعورية فهو يصطدم بصعوبة مفادها أن العنصر المميز للعمل الانسانى على خلاف الحيوان ، في الماركسية ذاتها ، هو التأثير الفعال الواعي على الطبيعة بواسطة وسائل وأدوات للعمل صنعت خصيصا لهذه الغاية . وقد أشار ماركس ، نفسه ، بوضوح الى الفرق بين عمل المهندس والنحلة فى الجزء الاول من رأس المال ( 12 ) فذكر أن ما يميز أسوأ مهندس عن أفضل نحلة : كونه ينشئ الخلية فى رأسه قبل إنشائها فى الشمع ، فقدرة الانسان على صنع أدوات مخصصة لهدف محدد ولبلوغ غايات تعنى قدرته على التفكير بشكل مسبق بالاشياء التى لم توجد بعد ، وهذا يفترض وجود الشعور الذى يبحث عن مصدره ، فالعمل البشرى عمل واع ، يفترض وجود الشعور ولم يفسر مصدره .
- إنها تعرف الشعور بكونه " نتاجا ووظيفة وخاصة للمادة " فماذا يجب أن يفهم تحت مفهوم الشعور ؟ فهل يجب أن يفهم منه قابلية التفكير أم فعالية التفكير أم الفكر الناتج عن هذه الفعالية ؟
فـ " عندما تقوم فلسفة مادية مثلا فى النظر الى كل من الموجود العضوى والروحى باعتبارهما مادة بحتة ، فتفهم عمليات هذا الوجود على الصعيد الفيزيائى والكيميائى فقط ، فانه يمتنع عليها معرفة الخاص ، والجديد في مسار الحياة التى تقف بمواجهة العالم اللاعضوى.
كما أن مثل هذا التفكير لن يتسنى له استجلاب الطابع المميز للروحي في مجال نظره ، واذا كان ينظر الى المسار والاحوال الروحية من زاوية شروطها المادية فحسب ، ومن خلال ارتباطها بالكائن العضوى كذلك ، يمكن للمرء أن يبين ازاء مثالية روحية أن كل موجود فى عالمنا الواقعي يستند الى أساس مادى بحث تبدو الحياة الروحية والعقلية وكأنها على ارتباط وثيق بشروط هذا الموجود ، لكن هذه الطريقة تقصر عن إدراك ماهية الوجود الروحى
والعقلى عن استيعابها ، إن السؤال عن الشروط المادية للوجود الروحى متى جرى طرحه من زاوية الافتراض الوثوقى للوحدة المادية فى العالم لا يتميز بوضوح عن السؤال المتعلق بماهية الوجود الروحى . . . " ( 13 ) والحقيقة أن مشكلة الطبيعي والنفسى أو المادى والروحى وارتباطهما وطبيعة كل منهما مشكلة من أدق المشكلات الفلسفية والعلمية بحيث ليس هناك من الحلول المطروحة حتى الآن ما يقنع الانسان ، لأنها قضية تتصل بالانطولوجيا والعلم ونظرية المعرفة ، إن الملاحظ بوضوح هو أن عقل الانسان " فاعل ومفعول به ، يخضع فى تعيين وجوده ومفعوله لحتمية معطيات متنوعة فى عالم الواقع وفى نفس الوقت يؤلف قوة فاعلة فى تكوين وقائع هذا العالم بالذات ، إن الوجود العقلي والروحى ينم عن اشكال وبنيات وقوانين مطردة يتعذر العثور عليها فى أى مرتبة أخرى من مراتب الوجود ، مثلما يمتنع تفسيرها من زاوية تلك المراتب ، ونحن نتعامي عن تلك الخاصية المميزة للوجود الروحى والعقلى عندما ننظر الى العالم الواقعي كله من زاوية الاساس المادى الذى يقوم عليه هذا العالم ، بحيث تكون المرتبة المادية الواقع الحقيقى دون سواها ، والعكس صحيح متى أصبح العالم كله بمثابة ظاهرة من ظواهر الروح أو العقل أو الأنا كيفما فهمت فيتم إنكار الاساس المادى الذى يقوم عليه الواقعى ، فيصبح الواقع ، وتتعين كيفيته من زاوية مبادئ ومقولات الوجود الروحى وحده " ( 14 ) إن كل فلسفة تبدى مثل هذه التجاوزات وتعطي لمرتبة معينة من الوجود أسبقية ، وتقوم على نزعة التبسيط والاختزال تصبح نظاما مغلقا من القناعات التى تتناول العالم فى كليته ، هى فلسفة تتجاوز حدود ما يمكن لنا معرفته وتصبح مستندة الى مبادئ لا تقبل النقاش والبحث وبالتالى تحكم على نفسها بالموت ، إن مثل هذه الفلسفة هى " الايديولوجية " بعينها.
وقد حاول العالم الروسي بافلوف تفسير الشعور بما يعرف بـ" المنعكسات الشرطية " ولكن تفسيره اصطدم بصعوبة أساسية هى " أن هناك فرقا بين مستوى التجريد الشرطى عند الحيوان وبين مستوى التجريد فى فاعليات الشعور ، فالمنعكسات الشرطية ترتكز على عملية الترابط الفيزيولوجية البحتة ، فى حين أن عمل الشعور يرتكز الى عملية التركيب المبدعة للنشاط العقلى التى تستمد مادتها الاولية من المفاهيم وتستند الى العمليات العقلية
المجردة ( 15 ) . ورغم هذا الاساس المادى للماركسية، يحاول المخلصون في الغالب - من المثقفين العرب تجريدها من هذا الاساس كى تستوعب التراث الديني والروحي للثقافة العربية ويكون نتاج عملهم نوعا من التلفيقية قد تصل الى درجة الفشل الواضح.
2 ) هي فلسفة تاريخ : تقسم التاريخ الانسانى الى مراحل : تبدأ بالشيوعية البدائية ، ثم العبودية ، ثم الاقطاع ، ثم الرأسمالية لتصل الى الشيوعية ( 16 ) ويكون موقف المخلصين - فى الغالب - من المثقفين العرب عبارة عن محاولات فاشلة فى تقسيم التاريخ العربى الى هذه المراحل دون النظر الى المقولة الماركسية الاساسية التالية : " إن أسلوب انتاج الحياة المادية يحكم حركة الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية " ( كارل ماركس ، مساهمة فى نقد الاقتصاد السياسي - راجع etudes philosophues المرجع السابق ) تعتبر تلك المقولة الماركسية الاساس المادى النظرى فى تفسير حركة التاريخ
وتطوره ولا يمكن بحال من الاحوال فهم تلك المراحل من التاريخ الانسانى بدونها ( 17 ) . وقد تجد منهم من يقبل تطور التاريخ على تلك المراحل ، ثم يقف عند الاشتراكية رافضا الشيوعية مصيرا محتوما للانسانية . فالمحرك الاساسي ، فى نظرها ، للتطور الاجتماعى يكمن فى التناقض بين قوى الانتاج وعلاقاتها . كما أن التطور هو دائما ذو صفة طبقية ، طبقة تدخل فى صراع مع طبقة بداية من عهد العبودية مرورا بالاقطاع والرأسمالية والاشتراكية ولن ينتهى الصراع الا بقيام المجتمع اللاطبقي أى المجتمع الشيوعي
3 )هي " أممية فى جوهرها " ) أسس الماركسية - اللينينية ) (18 ) ومع هذا يحاول المخلصون - فى الغالب - من المثقفين العرب تجريدها من جوهرها لتكون قومية ، بناء على محاولات ماركسية معاصرة تحاول أن تجد فى التراث الماركسى التقليدى ما يبرر أن الماركسية ليست مضادة للموقف القومى ( 19 ) لأن ماركس أو إنجلز قال كذا فى يوم من الايام وأن لينين أو ستالين وقف موقفا ما في يوم من الايام والحقيقة أن ما يقوم به المؤولون للفكر الماركسى ليس مقنعا بل هى قراءات جديدة فرضتها حركات التحرر الوطني في العالم الثالث وفرضها عدم تخلى أولئك الذين يحملون لواء الماركسية نظريا وممارسة عن وجودهم القومى 0 كروسيا والصين ) بكل مقوماته . ويقول الفيلسوف الماركسى الفرنسى المعاصر هنرى لوفيفر " إن العمال الكادحين لا وطن لهم " تلك المقولة الماركسية لا يمكن أن تفهم بمعنى " أن العمال لا يريدون ولا يجب أن يكون لهم وطن " وهو ما سقط فيه الكثير من الماركسيين ويعد بعيدا عن حقيقة الماركسية ( 20 ) . ولقد اعتبر لينين حركات التحرر القومية فى القارة الآسيوية بوجه خاص أو ما
عبر عنه بـ " اليقظ الآسيوية " عصرا جديدا دخل فيه تاريخ العالم فى مطلع القرن العشرين " وهو ما دفعه الى التمييز بين " قومية تستعمر عبرها قومية مضطهدة " ونادى بحق الشعوب فى تقرير مصيرها ، والحقيقة أن الموقف اللينيني ليس موقفا منطلقا من نظرية واضحة محددة فى تقييم الظاهرة القومية " بل هو مجرد تكتيك أو هو فى احسن الاحوال مبنى على حسن النية والادراك الصحيح للقضية ، لان الماركسية تفتقد نظرية علمية في هذه الظاهرة ، وهي التى يزدحم قاموس مقولاتها ومفاهيمها بتفسير كثير من الظواهر . وجاء ستالين بعده وبنى مواقفه منها طبقا للظروف والملابسات السياسية ( 21 ) لقد كان منهج الماركسية من الظاهرة " القومية " منهجا تجريبيا يتم تحديده على ضوء الواقع المتغير ، إن شموليتها كفلسفة هى السبب في عدم وجود الموقف النظرى المحدد بخصوص هذه الظاهرة ، إنها فلسفة متكاملة تتناول أهم قضايا الانسان الفكرية والمادية وفي هذا محل الاغراء كى ينتمى اليها الانسان وينتصر الى تفسيراتها . لكنها بتأكيدها ما الرابطة الطبقية وحدها بين البشر وتجاوزها للرابطة القومية أو الوطنية تبعد كثيرا عن " الواقعية " والمنطق . ذلك انه يوجد الى جانب هذه الرابطة رابطة أخرى أعم تحويها ولا تلغيها هى ما يعبر عنه بالرابطة القومية . ولما كانت هذه الرابطة موجودة فى الواقع موضوعيا ، الامر الذي لا يمكن تجاهله ، خاصة بالنسبة لنظرية كالماركسية تريد استيعاب الواقع بكل عناصره ومكوناته ، فقد وجدت نفسها فى حالة اضطراب ، ولم تستطع ان تجد فى النظرية موقفا واضحا وعلميا وكنتيجة لذلك فقد كانت مواقف ماركس وانجلز قد استحدثت معالمها من قضية القومية من وضعية تاريخية تحجرية . ولما ارتبط ظهور القومية فى الغرب الاوروبى بصعود الطبقة الـرأسمالية وتهديم أركان الاقطاع ، وتأسيس الدول البورجوازية على انقاضه أصبحت القومية " فى عرف الماركسية ظاهرة بورجوازية . ومن مواقف ماركس وانجلز التاريخية إزاء هذه الظاهرة أن ماركس وقف من حركات التحرر الايرلندية من الاستعمار الانجليزى موقفا متذبذبا ، انسجاما بطبيعة الحال ، مع كون العمال لا وطن لهم ، فقد بنى موقفه على مصلحة الطبقة
الكاملة وواضح أن ما هو فى مصلحتها او فى غير مصلحتها مسألة ذاتية قد تخطئ وتصيب . وقد اعترف بأنه أخطأ فى تقييم الكفاح الأيرلندى اعتقادا منه أن ذلك يعطل النضال الطبقى العمالى فى انجلترا فعاد وأيد الكفاح الايرلندى اعتقادا منه كذلك أن تحرير ايرلندا سيساعد على تنشيط النضال الطبقى فى ايرلندا . ولو لم يكن هو ماركس لقيل فيه انه عنصرى شأنه شأن كثير من مفكرى القرن التاسع عشر من الغربيين الذين لا يؤمنون بـ" الطبائع الثابتة " لدى الشعوب (22 )لانه اتهم هو وانجلز الشعوب والقوميات السلافية الجنوبية بأنها شعوب رجعية بأسرها مقابل الشعوب الالمانية والبولندية والمجرية التى هى شعوب ثورية بـأسرها ثم إنه أدان حركة التحرر الهندى ضد الاستعمار الانجليزى كذلك باعتبار انه مجتمع قبلى اقطاعي يحتاج الى دفعة ثورية بورجوازية من خارجه تنقله من طوره ذلك ( 23 ) إلى مرحلة البورجوازية وبالتالى الى مرحلة النضال الاشتراكى كتجاوز للرأسمالية ، فمن قلب البورجوازية تبزغ شمس الاشتراكية طبقا لقانون جدلى ماركسى هو نفي النفي.
وبعد هذا كله يمكن أن نبدى هذه الملاحظة وهى أن"الثورة" العربية بالرغم من هذا الانعطاف نحو الفكر الماركسى كانت سباقة فى العالم الثالث إلى الكشف عن ديالكتيك جديد سيحكم الصراع العالمى طويلا ، يتمثل هذا الديالكتيك فى أن الصراع الطبقى فى أمة راسمالية متقدمة لم يعد كافيا لحسم مسألة التحول الاشتراكى المحتوم وأن الطبقة العاملة فى مثل هذه الأمة تمثل جزءا لا يتجزأ من المجتمع المستغل للمجتمعات النامية وهدا يسقط ما
يعرف فى الماركسية بوحدة النضال البروليتارى العالمى ذلك الشعار الذى اصبح من وجهة النظر الجديدة هذه شعارا طوباويا مجردا . وتحول بهذا النضال بين الطبقة العاملة والرأسمالية من النطاق الداخلى الاجتماعى الى صراع قومي بين دول استعمارية ودول مستقلة جديدة تريد النهوض بنفسها وتلافى ما افسدته الايام وليس معنى هذا انكار دور الطبقة العاملة فى بلادهم من أجل رفع الاستغلال وبناء الاشتراكية ولكن معناه عدم اغفال ما استطاعت الرأسمالية الجديدة فى الغرب أن تقوم به كي تتفادى الانفجارات الطبقية المتوقعة التى قد تصيب المجتمع بتبديل كامل لمختلف بنياته وعلاقاته وانتقل الصراع من الداخل الى الخارج ، وأصبح بين قوميات رأسمالية استعمارية وقوميات شعبية مناضلة يمكن وصفها بكونها " قوميات برولتيارية " ( 24 ) وتحول الاتحاد بين العمال الى اتحاد بين القوميات البروليتارية الجديدة ( 25 ) إن هذا التطور فى مفهوم البروليتاريا الاجتماعي تم بعيدا عن نصوص الماركسية القديمة وهو اليوم مدار التحليل عن الماركسيين وغيرهم . هذا وإن التناقض بين الأنظمة المتقدمة - رأسمالية واشتراكية - والمتخلفة من دول العالم الثالث النامية الجديدة ، هو وجه من وجوه الصراع القومى البروليتارى ( الصين وروسيا ) . أضف الى ذلك أن دور الرأسمالية الغربية تاريخيا يختلف عن دورها فى القوميات البروليتارية على جميع المستويات المادية والفكرية فالثانية " استطالة طبيعية للاستعمار الجديد وهي لذلك غير قادرة على تحريك صراع طبقى داخلى يتميز عن النضال البروليتارى القومى الشامل ضد الاستعمار الجديد " ( 26 ).
وأخيرا وليس آخرا فالاشتراكية فى العالم الثالث لها دور مزدوج هو التنمية ورفع الاستغلال فى حين يتمثل دورها فى العالم الرأسمالى فى رفع الاستغلال فقط ، ولو كان ذلك على حساب كل المحرومين فى الارض ، ولذا كان هم ماركس الاول هو كيف يمكن رفع الاستغلال ؟ وليس كيف يمكن أن تكون التنمية ؟ هذا حديث أردت منه أن يكون بداية لأحاديث أخرى.

