كنت فى ناد يضم أخوة وزملاء وتباحثنا في الادب والادباء . . واثنى أحدهم على ابن المقفع وكان حقا جديرا بأن تكون كتبه ورسائله حليفة لكل أديب لما فيها من قول رصين وأدب ثمين . . والتفت الى أحدهم وكان متحمسا للادب القديم ولديه مكتبة ضخمة
. فقلت هل اطلعت على البيان والتبين ولمن هو ؟ ؟ فقال لم اطلع عليه ولا أدرى لمن هو ! . . فقلت وهل سمعت شيئا عن النقائض ؟ . . فقال وما هى ؟ . . فلم أجبه ولكنى أعدت عليه السؤال وقلت هل تعرف الاخطل والفرزدق وجريرا ؟ فقال : اعرفهم سماعا ولكنى لم أقرأ لهم شعرا . . فقلت : وهل تقرأ لامرئ القيس ولبيد وحسان والنابغة وزهير ؟
فقال لي : وقد رأيت السام والضجر يبدوان على وجهه : دع عنك هذا الادب المنقرض ذا الالفاظ الخشنة والمعاني الجافة وقربنا من شعر الاخطل الصغير وايليا أبو ماضى وهات لنا دواوين ) هكذا اغنى ! لما ( وعدد لى بضعة دواوين منها ما مر على ذهنى ومنها ما لم اعرفه . . كلها غربية فى معناها ومبناها لا تمت الى اللغة العربية الا في حروفها وكلماتها السهلة الرقيقة التى لا تحمل معنى قويما ولا توليدا سليما ولا غزلا رقيقا وانما خبال وأوهام لا أرى تحتهما حقيقة باستثناء بعض النبضات و . . فقلت له : يا أخى لكل أمة من الامم لغة تعتز بآدابها وتتمسك بأهدابها . . ولغة العرب لغة الاسلام والقرآن هى اشرف اللغات وأعمقها واغزرها مادة واكثرها توليدا وتجديدا . . فما بالك عزفت عنها الى غيرها وملت الى لغة غير لغتك ومعنى غير معنى بني قومك وتمسكت بهذه القشور التى لا طائل تحتها ولا ظل من البيان وراءها . . وذكرت بهذه المناسبة كيف يتعلق المستشرقون من الافرنج بآدابنا ويتفانون فى تذوق معانيها . . وكنت أقرأ نشرة المائية فيها باب عن الأدب والثقافة والعلم اشارت الى مستشرق المانى عاش فى القرن التاسع عشر هو " ريكندورف " وتعلم بجامعة برلين وقد أولع باللغة العربية وآدابها . قالت عنه النشرة بعد ان أشارت الى نيله الدكتوراه فى عدة اداب :
لم يتوقف ريكندورف عند هذا الحد من الدراسة ، فذهب الى شتراسبورج حيث واصل دراسته على يد المستشرق الكبير الاستاذ نولدكه .
وقالت عنه هذه النشرة ايضا : جمع ريكندورف حصيلة ابحاثه ودراساته العلمية الطويلة فى ميدان اللغة العربية
ووضعها فى كتابين رئيسيين يعدان أهم ما ألف ، وهما كتاب " قواعد النحو العربى " الذي طبع بمدينة لايدن بهولندا عام ١٨٩٨ وظهر فى مجلد واحد ضخم فى ٨٣١ صفحة ، وكتاب " النحو العربى " الذي نشر بمدينة هايدلبيرج عام ١٩٢١ ، وهو فى مجلد واحد أيضا يضم ٥٦٧ صفحة .
وقد احتفظ المؤلفان بقيمتهما العلمية الثمينة على طول الوقت حتى الآن بالنسبة لكل بحبحاث ودارسي اللغة العربية . فان ريكندورف كان قد جمع من خلال دراسته العميقة لاعوام طويلة للادب العربي القديم - شعرا ونثرا - مادة خصبة ثرية مكنته عن قدرة وجدارة من وضع هذين الكتابين الكبيرين بأسلوب علمي نقدى ، وفكر موضوعى دقيق يتوخى تقصى الجذور والاصول بعمق مهما بعدت أغوارها بطريقة نموذجية نادرة . وقد حرص ريكندورف فى كتابيه على تقديم النصوص التى يستند اليها ، وذكر المتون والمراجع التى يعتمد عليها . حتى يتمكن القارىء من المراجعة والتدقيق والتمحيص ، وحتى يبين له بوضوح صورة وطبيعة ومميزات العصر الذى نشأافية العمل الادبى الذى يتناوله بالبحث . وليس هناك تعارض بين الكتابين أو تكرار فى مادتهما وموضوعاتهما ، بل أن كلا منهما يكمل الآخر ويتممه ، فان طريقة عرض المادة ومعالجة الموضوعات تختلف فى كل منها عن الآخر . فبينما نجد أن ريكندورف فى الكتاب الكبير يعمل على ابراز الحقائق وايضاحها ، نراه في الكتاب الآخر يدع الحقائق تبرز نفسها ، وتتحدث بنفسها الى القارئ .
والى جانب تخصص ريكندورف فى العربية ، امتد نشاطه فى الدراسات النحوية للغات الأخرى ، واللغات بصفة عامة ، وألف كتابا في هذا الموضوع أسماه " نبذة عن علم
اللغات " قدم فيه مادة دسمة استقاها من اللغات السامية المختلفة ، قديمها وحديثها ، تعد على قدر بالغ من الاهمية العلمية بالنسبة لكل من الدراسات الجمالية والسيكلوجية للغة .
وقالت النشرة أيضا : - وفى مجال آخر يختلف كل الاختلاف عن المجال اللغوي ألف ريكندورف كتابا صغيرا ذاع وانتشر على نطاق واسع ، هو كتاب " محمد واصحابه " الذي حاول فيه أن يقدم صورة موضوعية سليمة للنبى العربى كان ريكندورف واسع الاطلاع ، كثير القراءة فى الادب العربى . ويمكن القول بأنه قد اطلع على اكثر ذخيرة الادب العربى وربما على اكثر الكتب العربية التى ظهرت فى عشرات السنوات الاخيرة ، وقد تناولها جميعا بالبحث العلمى والنفد الموضوعي الدقيق ، وكان يبرهن فى كل مرة على المامه الكامل بخفايا اللغة العربية وامتلاكه لناصيتها ، وقدراته العقلية الجادة ، التى ربما عدت من بعض الوجوه افراطا فى الدقة الزائدة .
وينتهي هذا الموجز القصير عن ريكندورف وتعلقه باللغة العربية وغوصه على آدابها وولعه بها وبرجالها . .
أشير الى هذا المستشرق الذي فهم لغتنا وألف فيها فى نحوها وصرفها وتاريخها ودينها ومع هذا نحن فى ارضنا فى الجزيرة العربية " المملكة العربية السعودية " بلد امرئ القيس والاعشى والنابغة وعنترة والاصمعى وعلى بن ابى طالب وفطاحل الادب واللغة في الجاهلية الاسلام . . نعم نحن بمزيد الاسف يجهل أحدنا كتب الجاحظ ولا يعرف شيئا عن الفرزدق والاعشى وبشار وأدب الكاتب بل يرى ذلك شيئا غريبا عليه وجديدا على معلوماته وثقلا على نفسه ثم هو فى نفس
الوقت يتجه الى قشور الادب الحديث ونفايات الموائد من أدب الغرب . . وهو بهذا يتعلق بآداب غير أدب أمته وغيره من الافرنج الذين منهم من مال الى آدابنا وتراثنا الخالد . . وما أحراه أن يصح فيه قول الشاعر :
علقتها عرضا وعلقت . رجلا
غيرى وعلق اخرى ذلك الرجل
ان على شبابنا فى مدارسنا واساتذة بلادنا فى جميع المجالات العلمية أن يكون أول هدف لهم بعد كتاب الله ودينه أن يرتوى الشباب بآداب العرب نثرا وشعرا ففيها البلاغة والبيان الذي يتضاءل أمامه كل أدب لاى أمة من الامم .
- ٦٥ - المراهق
فنان لبناني صور مراهقا يافعا صورة عرضها فى احدى معارض لبنان فى بيروت وترى فى هذه الصور لباسه الانيق الذى يوحى بأنه امرأة . . وبأنه عار من الرجولة يمشى تبخترا . . وترى فى عينيه تخثرا . . ويكاد من الرخاوة واللين أن يذوب . . ثم علقت جريدة الجمهورية اللبنانية على الصورة بما يلى :
المراهق . . كم من مرة نشهده كل يوم فى مجتمعنا ، وفى صفوف زهرة شبابنا الذين نعول عليهم لبناء المستقبل لامتنا العربية .
المراهق بلباسه المزرى وتصرفاته المخجلة يثير فينا شعور الاشمئزاز . . لاننا نريد شبابنا ، رجالا بلباسهم ، بتصرفاتهم ، بطريقة حياتهم .
واعتقد ان المراهق الذي يكون بهذه الطبيعة اللينة والافكار الواهية والانوثة المتكلفة سيكون اذا بلغ مبلغ الرجال عالة على نفسه ونقمة على مجتمعه يعطى صورة سيئة
فى بلده لا يعتمد عليه فى تحقيق أمل وليس أهلا لاى عمل انما هو كالجثة التى لا حراك بها اننى أرى ان الآباء والامهات مسؤولون عن الشاب أثناء المراهقة فعليهما فى سن معينة أن يحيطاه بما يجب من التوجيه والتربية الدينية والآداب المستقيمة وعليهما ان يتتبعا ابنهما في مدرسته وفي الطريق وفى كل مكان ليقضوا على أى انحراف فى هذا السن وبذلك نستطيع ان نبنى مجتمعنا ونحقق لامتنا شبابا حيا يخدم دولته وأمته بجدارة وكفاءة ، ونشاط وحيوية واستقامة . . لا أن يكون بيننا شباب حائر ذو طبع لين لا يكون بالمسؤولية جديرا ولا على العمل قديرا . .
- ٦٦ - نعم : في بلادنا تدخل الزوجة الجنة
فى مجلة كويتية هي " أضواء الكويت " قالت : " أجل . . متى تدخل الزوجة الجنة ؟ ثم قالت : قيل : لم تؤخذ جواء من رأس آدم فتكون أعلى منه . . ولا من قدميه حتى لا تداسن. تحتهما . . بل خلقت من جنبه الايسر لتكون مساوية له . . ومن تحت ذراعه ليحميها . . وناحية قلبه ليحبها ، اهـ وتعليقى على هذه الكلمة التى نحتها الخيال انها تشير الى أن المرأة لا تخرج عن حماية الرجل وقيامه عليها بالحراسة والانفاق .
ثم تقول المجلة : " تلك هى حدود الله فيها كل الحماية والحق للمرأة والتوصية بها خيرا كما فى الآية الكريمة " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " وقوله تعالى : " وعاشروهن بالمعروف " وفى الحديث الشريف كذلك : " واستوصوا بالنساء خيرا " و " رفقا بالقوارير يا حادى " ،
و " الرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية فى بيت زوجها وهى مسؤولة عن رعيتها " واخيرا لا آخرا ففي هذه الآية الكريمة القول الفصل : " ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ،
وتستمر المجلة قائلة : قالت لى سيدة ذات يوم - وهى مثقفة جدا ولكنها عاقلة : لا أشعر اننى انثى لها انسانيتها الا فى حماية زوجى . . ان الرجل هو الرجل . . والمرأة هى المرأة . . فلماذا يميع بعض الرجال ؟ ولماذا تسترجل بعض النساء . ولقد ثبت بما لا يقبل جدلا ان المرأة الأكثر انصياعا لواجباتها الزوجية والبيتية هى اكثر سعادة وطمأنينة واستقرارا فى بيت الزوجة . . وان شبح الطلاق لا يخيم الا فوق البيوت التى تود الزوجة فيها أن تكون حريتها اكبر من الكرة الارضية " .
م تقول المجلة : " وبعد . . فقد قال النبى الكريم فى بعض أحاديثه الشريفة : " لو كنت آمرا أحدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها " وقال صلى الله وسلم : " أى امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة " . .
وتقول المجلة : " ومع ذلك وبسبب غزو عقلية القرن العشرين " المتحررة " للمرأة فى عصرنا الراهن فانهن كثيرات اولئك اللواتى للن يدخلن الجنة بسبب عدم رضاء أزواجهن عنهن انتهى
هذا ما قالته المجلة . . وهذا ما يؤمن به الرجل الكويتى الذى يتنادى بعض شبابه باشتراك الفتى والفتاة فى الدراسة جنبا الى جنب فى الثانوية والجامعة . . وهذا الذى تنشره هذه المجلة يوحى بأن حرية المرأة واعطاءها من الانطلاق ما يجعلها خارجة على مجتمعها وزوجها وبيتها واسرتها . . نعم
هذا الذى تقوله المجلة ينبئ عن يقظة وانتباه ووقوف حازم أمام اولئك الشباب الذين ينادون بالحرية وهم ضحاياها . . ان الفتاة الها مدرستها المنفصلة من الابتدائية حتى الجامعة . . والمرأة لها مملكتها فى بيتها وبين أولادها ولكن عليها قيمها وراعيها زوجها الذي فضله الله عليها " وللرجال عليهن درجة " . . ان علينا أن نأخذ من الحريات الفاشلة عبرة ودرسا . . وان يكون لنا من آداب اسلامنا وتوجيه ديننا وأمر قرآننا وحديث نبينا ما يجعلنا فى مأمن من المزالق التى أسف عليها الآخرون . . مما يتعذر عليهم ان يعودوا الى حظيرة الصواب لما رسخ لديهم من حرية ضارة وانطلاق مدمر . . واخيرا نحن فى بلادنا " المملكة العربية السعودية " لا نتساءل : متى تدخل الزوجة الجنة . . ولكننا ولله الحمد فى كل شبر من أرضنا الطيبة وفى القرية والمدينة مسلمون حق الاسلام ومتأدبون بآدابه ومتخلقون باخلاقه . . وما زلنا ولن تزال الزوجة فى بلادنا تدخل الجنة ان شاء الله .

