الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ملاحظات حول لغه القران

Share

كانت لغة القرآن ، منذ القرون الوسطى الاسلامية ، الى يومنا هذا ، - محل نوعين من الدراسة . ( * )

الاولى ترمي الى ضبط المعنى الاصلى للكلمات الواردة . والثانية تسعى الى اكتشاف " الاستعارات " القرآنية من اللغات الاخرى غير العربية ( 1 )

وهذا البحث الجوهرى المزدوج لا يستفرغ المادة القرآنية جميعها ولم يأت عليها كلها . ولقد درس العلماء حديثا دراسة منظمة مجموعات من الالفاظ القرآنية ، فنجحوا فى دراساتهم هذه نجاحا متفاوتا ( 2 ) . ولكن ، رغم هاته الدراسات لم تزل امامنا ميادين متنوعة علينا ان نقوم بدراستها من جديد . ان لم يكن من واجبنا ان تفتح لاول مرة ، البحث فيها .

وسنحاول فى بحثنا هذا ، القيام بعمل لاشك انه باعث على الدهشة والاستغراب . وعلى كل ، فنحن نرجو ان يكون مثمرا . وهذه المحاولة تكمن فى ضبط الالفاظ وتأويلها بطريقة سلبية . وهذه الطريقة هي الضبط والمعاينه ثم التفسير لا لما نجد فى القرآن بل لما لا نجد فيه وكل بحث يستعمل الطريقه السلبية فى التنقيب يتعرض لاخطار شتى . ولكن هذه الاخطار ، مهما بلغت لا تخفينا حتى نزهد في الدراسة ونعرض عنها اعراضا نهائيا ٥ فاذا ما اكتشفنا الصعوبات والحواجز ، وحصرناها ، اذا امكن لنا ذلك ، فالعالم يجد عندئذ حقولا واسعة وميادين عريضة يحق له ان يبحث فيها بحثا مستفيضا

( * ) نشر هذا البحث فى مجلة " الدراسات الاسلامية "Studia Islamica ج 3 ، ( 1954 ) . .jefferry : The Foreign Vocabelary of the Qur' an

( 1 ) نذكر خاصة ، فى عصرنا هذا : ( الكلمات الاجنبية فى القرآن ) . بارودا . 1938

( 2 ) خاصة دراساتTorrey : The commercial theological لندن1892      terms in the koran        هال 1929    Talaat : Die scelenlehre des Korans                                                                                                               برلين1931  Sister : Metapherund vergleiche in Koran باريس 1943        Sabbagh : La metaphore dans e Coran 66  466

وبما اننا نتحدث عن القرآن فعلينا ان نعلم القارىء اننا سنجعل من مصحف عثمان المرجع الاصلى الذى نعتمد عليه . ومع هذا نرى لزاما ان نلقى هذا السؤال : هل ستؤدى بنا القرآت الشاذة التى ضبطها العلماء الاسلاميون الكبار ، خارج هذا المصحف ، والتى تختلف عنه ، الى التغيير من المعطيات المفيدة ، كما ستغير الاستنتاجات التى يمكن ان نخرج بها من بحثنا ؟

ويبدو لنا اثر بحث اولى قمنا به ، ذلك البحث الذى يلزمنا ان نشرع فيه مرة اخرى فيما بعد لو اردنا التعمق فى الدراسة والتوسع فيها - ان الاهتمام بمشكلة من نوع المشاكل التى نبحثها لاقيمة لها ان نحن اكتفينا بالبقاء في المرحلة الاولى من استنتاجاتنا الاولى غير ان القرآت الشاذة التي وصلت الينا والتي تخالف مصحف عثمان ، تبدو لنا من الوجهة اللغوية قليلة الاهمية تافهة المدى ومعرفة اسباب نزول الآيات وتاريخ ظهورها ظهورا متسلسلا ، سواء ضبطنا هذه التواريخ او لم نضبطها تماما لها اهمية اكبر ولكن هذا الامر يصير بلا اهمية ان نحن اردنا درس النص القرآنى دراسة اجمالية ( لادرسة في فترات مختلفة من نزول الوحى ) وبطريقة سلبية

تحليلنا سيكون سلبيا ، ولكن بالنسبة لاى شئ ما دمنا لا نملك من تلك الفترة من الزمن اثرا نثريا ( 3 )وما ستكون يا ترى قيمة هذه الملاحظات السلبية حول وثيقة لا تملك الامدى محدودا مهما بلغ اشعاعها وتنوعها

وقد يكون مرجعنا الشعر العربى القديم ، مع ان هذا الشعر محل للشك كل الشك ، بل زد على هذا انه شعر ( والشعراء يقولون مالا يفعلون ! ) . ونحن نفضل عليه دائما فى هذا الصفحات النثر العربى " الكلاسيكى " الذى نجده مذكورا منذ القرن الثاني والقرن الثالث للهجرة . ولكن بين هذا النثر وبين القرآن اختلاف في الزمان والمكان والمقارنة بينهما تقع اذاك على صعيد آخر من البحث ومن جهة اخرى فمن البين اننا لا يمكن ان نقارن بين لغة كتاب - مهما بلغ من الثروة اللغوية - وبين خصب اللغة العربية كلها ، اللغة العربية ذات القاموس الواسع العريض ، هذه اللغة التى كانت تستعمل فى ميادين مختلفة . والاعتراف يعجزنا او بنقصنا لا يظهر معناه الحقيقى الا اذا اعتمدنا على مراجع اخرى . واول هاته المعانى هو ان المواضيع - العامة والخاصة التى طرقها الكتاب العزيز ، تجعلنا لانجد هذه الكلمة او تلك فى معناها الذي نعرفه لها فى اللغة العربية

ويمكن ان يوجة العلماء نقدا لمنهاجنا هذا وهو يقوم ، ان هو وجه الينا - على العدد الهائل من " الشواذ " اعنى الامثلة اللغوية الشاذة التى نجدها داخل القرآن وبالنسبة اليه . والفرق ضئيل بين الواحد والصفر . ونحن نشعر بضئالة هذا المعيار الذى يذهب ، بفضل فارق بسيط من صفر الى واحد ، ذهابا يحمل بحثنا من الذات الى العدم . واحسن وقاية نتقى بها من هذه الهجمة المباغتة هو ان نشتد فى الحذر . وينبغى الا تقوم ملاحظاتنا الا على كلمات مستمدة من اللغة الادبية المنتشرة انتشارا واسعا حقيقيا . ولانعطيها قيمة الا اذا خلا منها النص القرآنى ، ومتى ما بعثتنا على ذلك تخمينات ذات قيمة لاشك فيها ان لم نقل قد بعثنا عليها اليقين . وهى تدعونا ان نفصل الافتراض عما هو عرضي .

سنتجه اولا نحو ظاهرة ، ظاهرة ان هى ترجع الى علم الصرف فهى ترجع ايضا وفي مقدار واسع الى اللغة : استعمال صيغة التصغير - خاصة فى معنى الاكبار والتحقير والتعظيم والتصغير وهى كثيرة الاستعمال فى اللغة العربية فى كل زمان ومكان . وهذا الوزن " الكلاسيكى " الاصلى ، يقع على صيغة " فعيل " وكان يحلو للنحويين القدماء اطالة البحث في الصيغ المختلفة التي يملكها هذا الوزن ، والتى كانوا يطبقونها على الصيغ الاسمية على اختلاف انواعها . ولقد اكثرت اللهجات العربية ، القديمة والحديثة ، من الصيغ الصرفية التى يمتلكها هذا الوزن واكثروا من هذه الصيغ التصغيرية وقد استعانوا بزوايد اجنبية عن اللغة العربية عند الحاجة ( 4 )

ولقد عرف القرآن صيغ التصغير على وزن فعيل ( ضم الواو وفتح العين ) ان نحن اعتبرنا على هذا الوزن الاسماء التى على هاته الصيغة : شعيب ( انظر ما بعد ) ، عزيز ( سورة 9 ، اية 30 ) ، قريش (106 الاية الاولى ) حنين ( 9الاية 25 ) هاته الاسماء التى ارى من حقنا ان نضيف اليها سليمان ( انظر ما بعد ) ولكن فيما يعود الى الاسماء العامة ، فنحن لانجد الا مثلا واحدا - وهذه ملاحظ يبدو الى ان العلماء لم يلاحظوها الى يومنا هذا - فى العبارة التى لم تتغير : يا بني ، نجدها فى ست آيات ( 11،،41،21؛5، 17،16،31 ، 37 103 ) ونحن نجدها فى كل آية من هاته الآيات على لسان شيخ من شيوخ بنى اسرائيل او على لسان نبى . وعلينا ان نلاحظ ان ثلاثة فصول من " امثال سليمان " فى التوراة ، تبدا بهذه العبارة " يا بنى " التى تصطبغ بصبغة دينية

فى مطلع نصوص مشبعة حكمة ( 6 ) . وكيف يمكن لنا ان نفسر ان القرآن ، ان استثنينا هذه الآيات وهي ظاهرة خاصة لا يفسح المكان في الآيات الحماسية او الخطابية الى هذه الصيغة فى التعبير بلغة عاطفية : هي صيغة التصغير . أينبغى لنا ان نفسر هذا الامر ، بان هذه الصيغة قد احس الناس احساسا ظاهرا او غير ظاهر - بانها مشبعة بشئ من العامية لا يليق بكلام الله او هي صيغة غير مقبولة فى نثر مرسل وبنفس الطريقة ، وفى نفس الوقت يظهر لنا ان القرآن قد ظهر منذ البدء وهو يتميز باسلوب ممتاز رفيع

ولنعرض الآن الى اللغة نفسها . انك تصادف فى القران عبارات عديدة تستثنى بالطبع الكلمات المستعارة استعارة بينة من اللغات الاجنبية ( لاتجدها من بعد في اللغة ، والتي يفسر غيابها بالتطور الاجتماعي والثقافي الذي حدث بين الفترة القرآنية وبين العصور التى تلتها . ويجدر بنا ان نبرز بعضها نظرا للاهمية الخاصة التى تصطبغ بها والتي لم تكن لننتظرها مثلا ان كلمة امير او قائد لا وجود لهما ( بل لانجد بالمرة جذر قود ) فى معنى رؤساء الجند والجيوش المنظمة . وكذلك كلمة أدب غير موجودة ( بل لا وجود بالمرة لجذر ادب ) (7) هذه الكلمة التى ستصطبغ بمعان متعددة متشعبة والتي سيكثر وجودها فيما بعد وتشمل ميادين واسعة تمتد من معنى حسن السيرة والسلوك الاجتماعى الى معنى الادب شعرا ونثرا . ونرى ان القرآن لا يعبر عن " الزمن " بالعبارة الاصلية الكثيرة الاستعمال : زمان ( او زمن ) فى الوقت الذى يستعمل للمكان الكلمة المتداولة والكثيرة الاستعمال : مكان ، تلك الكلمة التى ستقترن فيما بعد بكلمة زمان .

ونجد فى القرآن ، للتعبير عن " اللحظة " الكلمات الآتية : حين و آن و وقت وللساعة نجد الساعة و امد ، ومدة لفترة من الزمن . واخيرا كلمة دهر لتطور الزمن المحتوم ( 8 ) . فهل نخرج من هذه الملاحظات بان كلمة زمان تلك الكلمة القديمة كل القدم فى اللغات السامية لم ترم بعروقها قديما فى اللغة العربية ؛(9) او انها لم تتبوأ مكانتها فى اللغة العربية الا حين دخل على اللغة تطور ملائم لمفهوم عقلي اكثر من قبل ازاء الزمن

وعلينا ان نضيف وان نلحق لهذا النوع من الكلمات التى لانجدها فى القرآن نوعا آخر من الكلمات نجدها فيه ، ولكننا لانجدها فى معناها

الكلاسيكى " المتعارف عادة ، ومعناه ان مفهومها الاخير لم يكن موجودا او يكاد لايكون موجودا فى عصر القرآن من هذا النوع من الكلمات نذكر كلمه " قاض " التى تيقنا انها لم تكن تملك فى تلك الفترة المعنى التى ستمتلكه فيما بعد . وهذه الكلمة الاينبغى ان نضيف اليها كذلك فعل وجب ، تلك الكلمة التى يستغرب القارىء حقا ان لا يجدها تحت قلم كاتب من كتاب عصور ازدهار العربية ، ولكن - وهو امر يسترعى الانتباه حقا - نحن لانجدها فى القرآن او قل اننا نجدها ، ولكن مرة واحدة ، وفي معنى آخر معني " سقط وانهار " ( سورة 36،22 ) ( 10 ) ومع اننا نتساءل اى معنى يبدو لك الزم من غيره فى الكتاب العزيز ، من معنى الوجوب ، هذا المعنى الذى نجده في صيغ مختلفة ؟ ولربما علينا ان نضيف الى هذه الكلمات الدالة عن " الامر " وخاصة الدالة عن " النوع " و " الجنس " والتى سنتعرض لها فيما بعد والتي ينبغي ان نضعها فى نفس الطبقة فيما يعود الى تطور معناها الاصلى

ومع هذا ، فاغلبية الملاحظات السلبية التى سنبحثها هنا ، تضم كلمات لانرى ما يدعو تاريخيا ولغويا دعوة صريحة للشك فى قدم استعمالها او قدم معناها . ولنقم ببحث اختبارى ولنأخذ ، دون تمييز ، احد حروف المعجم لتأخذ حرف " ن " . وها نحن نجد ، من بين الجذور التى كثيرا ما تستعمل في اللغة " الكلاسيكية " ثلاثين جذرا - ولاشئ يدعونا هاهنا للقيام باحصاء عريض - كل جذر منها يبدأ بالنون ، ولكن لانجد منها فى القرآن ولو جذرا واحدا ، في الحال الذى يحق لنا انتظار وجودها فيه .

نبغ - نبل - نبه - نتج - نتن - نجب - نجز - نحف - نحو - ندب نذر - نزه - نسج - نسق - نسم - نشد - نظم - نعس - نقد - نقط نقل - نقى - نكر - نمو - نهب - نهد - نهز - نهض - نوط - نوع نوى ( 11 ) .

ولقد اشرنا من قبل وقلنا قولا فصيحا انها " جذور " ولم نقل انها "كلمات " وهو الامر الذى يجعل الكلمات السلبية اكثر عددا ولنستطيع ان نطيل هذه القائمة دون مغالاة فى البحث . ومن السهل الهين ان نقوم بنفس العمل فيما يخص اى حرف آخر تبدأ به الكلمة اعنى كلمات المعجم جميعها او ليس هذا مما يدل دلالة ظاهرة على ان القرآن لا يحتوى الا على جزء قليل من المادة اللغوية العربية المتداولة ؟

وعلينا الآن القاء سؤال على انفسنا : - هل نحن نملك طريقة تمكننا من ضبط الامور وتقسيمها وتفسيرها ؟

أخفى على القارىء اننا فى الحالة الراهنة من بحوثنا لانملك عن حالة اللغة العربية في عصر الرسول وعن حالة اللهجات العربية المعقدة كثيرا من المعلومات بل ان كثيرا من التفسيرات التى يمكن ان تقدمها تبدو لنا غير معقوله او ضربا من المجازفة . وفى كثير من الاحيان ، نرى ان ليس من حقنا ان نغامر وان نقوم بعمل يمكن ان يتجاوز عملا بسيطا هو حصر الكلمات . غير ان محبه التطلع والبحث تستيقظ فى اذهاننا اكثر فاكثر ، حين نلاحظ الاستعمال الكثير لبعض هذه الكلمات التى ليس لها مترادفات مستعملة ولنضرب بعض الامثلة : ان القرآن يورد مرات عديدة كلمة حوت ولكنه لايورد ابدا كلمه سمكة ( 12 ) وهو يورد كلمة بضاعة او تجارة ولكنه لايورد ابدا كلمة سلعة وهو يعبر عن معنى المنفعة فى اكثر الاحيان بكلمة نفع ، ولا يورد ابدا كلمه مستمدة من جذر فيد ، وهو يعبر عن معنى " العدل " بكلمات مستمدة من جذر عدل او قسط ، ولكن لا يورد ابدا كلمة من جذر نصف

ويذكر معنى الانتقال والتغير بجذر بدل ولكنه لا يورده ابدا بجذر عوض

فهل هذه ظاهرة عامة تلمح الى وضعية اللغة فى طور من اطوارها وفي وسط معلوم ، ام بالعكس علينا ان نذهب الى الاعتقاد بان هذه الظاهرة خاصية من خاصيات الرسول دون ان ندرك بالمرة الاسباب الباعثة على هذا اننا لنشعر براحة كبيرة عند الافتراض الاخير : الذي يجعلنا نرى ان كثيرا من الكلمات التى نشك فى انها كانت منتشرة انتشارا واسعا فى البلاد العربية قديما ، غابت عن القرآن لاسباب تعود الى الاسلوب والى التفكير . وقد يعسر التمييز بين الاسلوب والمعنى غالبا وفيما يعود الى الواقع المحسوس ، فقد يكون المنهاج العقلي للرسول ، السبب الاول فى هذا . ومن هذه الزاوية نرى ان كثيرا من العبارات قد اهملها عمدا وفيما يعود الى بعض المعانى ذات الصدى الاخلاقي يتضاءل الشك شيئا فشيئا فتقبل عن رضى تفسير غياب بعض العبارات اللغوية عن موقف الدين الجديد ، ذلك الموقف الواعى

ان ذكر الطبيعة يتكرر مرات متعددة جدا فى عدة سور من القرآن ، سور على غاية من الروعة والجمال حتى ان كنز الكلمات التى تصور مشاهد الطبيعة المختلفة ، يظهر لمن يحاول ان يقوم باحصاء كامل ، كنزا زاخرا ملآنا . وفعلا تجد في ميادين كاملة مثل ميدان تصوير المناظر الطبيعية ، لغة ثريه منوعة . ولكن تدخل عليك دهشة كبيرة حين تكتشف خلو النص من بعض

الكلمات المتداولة . لن تتعجب حقا من غياب كلمة ثلج وكلمة غابة ( 13 ) ما دمنا فى الجزيرة العربية . ولكن الا تتعجب ، الا تستغرب حين تعلم ان القرآن لا يورد ، ولو مرة واحدة كلمة رمل ولا نجد الا مرة واحدة كلمة كثيب ( سورة 14،73)(14 ) .

وان نحن استثنينا ورودها مرة واحدة ، فى قصة يوسف ( سورة 12 ، آية 100 ) ، فلا وجود في القرآن لكلمة بدو . بل لا نجد اى كلمة او عبارة من الكلمات المتداولة فى حياة البادية ، ك : صحراء ، وقفر ، وبرية ، ومهمه وفلاه ومجهل ، وفيفاء ( ومعنى مفازة فى القرآن ملجأ )

ولربما يجب فهم الكلمة الوحيدة الشاذة قيعة التى وردت مرتبطة بكلمة سراب ، هى ايضا فى هذا المعنى . ولعل الرغبة فى تنسيق الاسلوب هى المسؤوله عن اهمال هاته الكلمات ؟ ولكن هذا افتراض لانجد ما يمكن ان يؤيده فى ميدان التفكير العام .

ولربما يجب ان نرى ، بالعكس ، ان موقفا فكريا معينا قد ادى الى غياب بعض من هذه الكلمات هذا الموقف الذى من الصعب اهماله

ان القرآن الذى يشعرك شعورا قويا بحوادث الطبيعة الكبرى وانقلاباتها ويتعرض ، اكثر من مرة لتسلسل الليل والنهار ، لا يتعرض لتسلسل الفصول فلا تجد في القرآن كلمة صيف ولا كلمة شتاء الا مرة واحدة ومعا فى سورة مر اقدم السور القرآنية ( 2،106 ) بمناسبة ذكر قافلة اهل المكة . ولكنك لاتجد كلمة خريف ، ولا ، - وهو امر حقيقة مدهش - كلمة ربيع ، تلك الكلمه الشهيرة فى حياة العرب ؛ الكثيرة التداول : ربيع الصحراء . ولا ربيع نجد ،

الذي يظهر معه الزرع ، وتعود الحياة للانسان وللحيوان .

والاهمية الخاصة التى انيطت بالاشهر القمرية وكذلك بالانواء وباصلاح الرزنامة ، فى فائدة سنة قائمة على الاشهر القمرية فقط ( سورة آية 36) نوافق اهمال تسلسل الفصول هذا . ولم تلبث اسواق البلاد العربية التجارية الجاهلية - التى كانت تقوم على تسلسل الفصول - حتى دخل عليها الكساد من جراء هذا التغيير

ولربما غياب كلمة ربيع تعود الى نزعة جديدة تريد درأ كل مواضيع الشعر الجاهلى والحط منها وكسر ذلك الشعر الذي كثيرا ما يستعمل كلمة ربيع .

ونفس النزعة تسهل علينا تفسير اهمال عبارة اخرى كعبارة بدر وانواء ولاشئ يعارض افتراضنا حين نرى ان غياب هاتين الكلمتين يعود الى رفض واهمال ضمنى لعادات الجاهلية وعقائدها تلك العقائد التى حث الاسلام على اهمالها واستئصالها ( 15 )

ولننظر الآن نظرة سريعة لجسم الانسان اولا ثم لدنيا النبات والحيوان ففي هذا الميدان ايضا ، ينكشف لك غياب عدد من الكلمات العادية والعادية جدا ، فيما يعود الى جسم الانسان واعضائه . وسنتعرض فى الميدان تعرضا وجيزا ، وبتردد للكلمات التى ترى فى غيابها عاملا من عوامل الصدفة . مثلا كلمة حاجب وصدغ وورك وفيخذ . وكذلك لانجد كلمة كتف وعاتق ومنكب وان وجدت كلمة مناكب ( في أية واحدة : سورة 67 ، آية 15 ) فعائدة على مهامه الارض الواسعة . وتتعجب كثيرا من ان لا نجد ، ولو مرة واحدة ، كلمة كبد ولا تصادف هذا الجذر الا مرة واحدة : كبد (فتح الكاف والباء وتسكين الدال) ( سورة 41 ، آية 40 ) في اسلوب تصويري للقفار . وتزداد دهشتك لانك تعلم ان " كبد " تحتل مكانة ذات بال فى التفكير المسامى القديم وفى التعابير التقليدية العربية الفكرية ( 16 )

وهنا ايضا نلقى على انفسنا سؤالا دون ان نتمكن من الجواب عليه : اتعود هذه الامور الى المعنى ام الى الاسلوب ؛ والجواب على سؤال كهذا ، يتمتع ببعض الوضوح فيما يعود الى كلمة اخرى اقل غموضا من سابقتها ، لانها كلمة اساسية في حياة العرب ، نعني كلمة : تمر . ان هذه الكلمة لاوجود لها فى القرآن ويذكر العرب النخيل كثيرا ، يذكرونه بجذوعه وجريده ونواره المبرعم وهامته المحملة ثمرا . وفعلا نجد في الكتاب العزيز كلمة قنوان ( بكسر القاف ) وكلمه نوي ، وكلمة قطمير ، ونقير ، وفتيل ، والكلمات الاخيرة الثلاثة تعنى كمية قليلة حدا من التمر . ولا يذكر الكتاب الكريم التمر الا تحت كلمة رطب ( سورة19 آية 25 ) او هو يذكره في عبارة ثمرات النخيل ( سورة 16 ، آية 67) ولر بما السبب الذى ادى الى غياب هذه الكلمة هو انها تشعر السامع ان هو سمعها ، بشئ مبتذل يذكره بالأكل والطعام ، وقد تذهب بهذا النثر الفنى ذى الوقع الجميل ، الى شىء من الابتذال

ثالثا ، حين ننتقل الى الحيوانات ، نلاحظ غياب كلمة فرس . وغيابها لا يعني ان القرآن يجهل هذه الدابة ، ولكن معناه ان القرآن كلما ذكرها وكثير ما يذكرها في آيات متعددة - يذكرها بكلمة خيل . وتجد كلمة حمار وحمير عدة مرات . وكلمة جمل لاتصادفها الامرة واحدة ( سورة 7 آية 4 ) ، فى عباره تذكرك بالتوراة . ولا ينظر القرآن الى الفرس كدابة بمفردها بل كنوع او كجمع اكثر مما نجد خيل ( 17 ) والأمر يعود فى راينا دون منازع الى نظر الرسول العقلية الى الوجود والأشياء . وتعود دون شك الى تفكير محمد اللاشعورى ذلك التفكير الذى تفرضه فى اغلبيته البيئة الفكرية والاجتماعيا التى عاش فيها الملاحظات الآتية التى ستربطها بثلاثة انواع من المعانى الاساسية

اولا : ان الكلمات التى تدور حول " التنظيم " و " التنسيق " لانجد فى القرآن اى جذر من الجذور التى تعبر عنها عادة ك نظم ، نسق ، رتب . وهو ، ان ذكر الكون ، يلح في ذكر الحوادث الطبيعية والبيولوجية ، وتسلسلها البديع : لا ترى فى الارض ولا فى السماء خللا بل تبصر نظاما كيانيا شديد التعقيد والروعة والجمال . ولكن هذا الكمال فى التكوين وهذا التوازن الديناميكي يشهدان بعمل الخالق ، لاننظر اليهما من زاوية التجزئة المنطقيه او الترتيبية او من زاوية النظام المضبوط . وانك لاتجد كلمة ضبط فى القرآن كما لاتجد الكلمات العربية التى تعبر عن النوع ك نوع وصنف ( بل لنترك جانبا كلمة جنس التى هى ايضا لا وجود لها ) ، وفن ( وضرب فى هذا المعنى) ولا تجد الا كلمة الوان ، من حين الى آخر . وتجد مرات عديدة كلمة زوج وجمعها ازواج ( 18 ) فتكتشف ان معنى " نوع " لم يصل بعد الى مرحلة التجريد التى سيبلغها من بعد .

ثانيا ومن الغريب ان نلاحظ ان المعانى التى تدور حول الجوع ، ( جوع مخمصة ، مسغبة) ( والظمأ ( ظمأ ) موجودة بكثرة ولكن الجذور التى كثيرا ما كان يستعملها العرب في هذا المعنى ك شبع ، وروى ونهل ، غير موجودة فى القرآن والمثل الوحيد ، مثل لم يستقر راى العلماء حوله - مستمد من جذر رفع ( سور 12 ، آية 12 ) نجد هذا المثل في قصة يوسف ( لا يفند ما نذهب اليه من رأى واننا لنميل ميلا كبيرا ، بهذه المناسبة ، فنخرج من المشاهد الخلفية قلة ضمان موارد البلاد العربية الغذائية .

ثالثا : في هذا الكتاب الذي صدر عن مدينة تجارية ، والذي يستمد من التجارة والمحاسبة كلمات واستعارات كثيرة يجب ان نعتبر اعتبارا لا يخلو من معنى ، بالعكس ، فقر القرآن من الاشارات التى تعود الى الحياة الصناعية فأكثر

الكلمات التى تعنى الصناع فى مختلف صنائعهم مفقودة . الا كلمة فخار نجد ذكرها مرة واحدة ( سورة 55،14) وربما تحت تأثير التوراة وعائدة فيما نرى ، الى اللاله الخالق وهو امر نادر . وانك لتفقد جذورا كثيرة وانت فى هذا الميدان ، وتبحث عنها بلا طائل . مثلا الكلمات النايعة عن جذر نسج او حوك . ولا تجد كذلك الكلمات المتداولة العادية ، ك سدى ولحمة . والحياه الرعائية نفسها - ان استثنينا بعض مظاهرها العامة - لانملك عنها كلمات ذات بال : ف جزز وحلب لا وجود لهما فى القرآن

ولكن الفلاحة تتمتع بشئ من الملاحظة الدقيقة فتجد معانى وجذور حرث و زرع ، وحصد ، غير انك تفقد غرس . وان رايت فى القرآن احيانا ذكرا للغلال والحبوب ، دون تخصيص ، فلا تجد بالمرة كلمات عادية ك : قمح وبر وحنطة وشعير ودقيق . ولا تجد كذلك كلمة او جذر طحن ورحى . وفى الجملة فانك تجد من ناحية شيئا من الاحتقار والازدراء قد ارتبط بهذه المعاني ورغبة تلقائية فى الابتعاد عن الاعمال اليدوية ، وهذه ظاهرة اخلاقية تتوافق تماما مع العقلية العربية فى ذلك الزمن والعهود التى سبقتها . ومن جهة اخرى نصادف نظرة عامة شاملة تخلو من ( الاصطلاحية ) الفنية فيما يعود الى حياة الرعاة والمزارعين

ولقد اشرنا فى سابق بحثنا ، ونحن نحلل كلمة بدر وانواء ، الى تفسير يمكن قبوله ، يقوم على الرغبة الواعية في تغيير العقائد الجاهلية . ولقد ثبت عندنا او كاد يثبت ان الاسلام عند نشأته حث على " مواقف " وطرائق اخلاقية هى السبب فى غياب كلمات كثيرة من القرآن ، وفى شتى الميادين فهو لا يذكر الخصومات القبلية والثار ولكنه يعطى مكانها لكلمة قصاص ( وعن هذا عبارة ولكم فى القصاص حياة : سورة 2 آية و 917 ) وللغرامة المالية . ولكن حتى كلمة قصاص وهى لم تحمل فى آلايات الاربعة التى نجدها فيها ، اسمها القديم قود ، ولكنها اصطبغت بمعنى جديد ، وهو القصاص ( ومعناه : الغرامة العادلة) .

ولتسمع فى القرآن اصداء من الاصلاحات التى ادخلها محمد فى تحسين منزلة المرأة ، والتى تشعر بها فى كلمة صداق ، وفى فريضة واجور وحتى في كلمة صدوقات الموجودة مرة واحدة ( سورة 4 ، آية 4 ) . ولكنك لا تجد ولو مرة واحدة كلمة مهر القديمة - والتي رغم غيابها من الكتاب العزيز قد كتبت لها حياة طويلة - والتي تجدها بكثرة فى كتب الفقه الاسلامى وافسر هذا برغبة الرسول في افهام العقول التى مازالت جاهلية ان الصداق ملك للمرأة يدفع اليها وليس شبها بالمهر الجاهلى الذى يعطى لوالدها او لوليها ولقد صادق الاسلام على الرق ، ولكنه حاول ان يخفف من مضاره وان يلطف في منزلة العبد البشرية وعن هذا الرأى يجب ان نفهم المصطلح 475 75

القرآنى فلا مفر اذا من استعمال كلمتى عبد ( للذكر ) ، وامة ( للانثى ) ، بل لتجد ان الناس جميعا " عباد الله " . ولكن الكتاب الكريم لا يذكر ولو مرة واحدة جذر رقق ، الذى يعبر عن حالة العبد ، خاصة حالته القانونية . ثم معنى العتق - ذلك العتق الذى حث الاسلام عليه ، كعمل بر يحلو عند الله - لا يعبر عنه بالكلمة المصطلح عليها ، اعنى كلمة عتق ، ولكن دائما بهذه العبارة تحرير رقبة ( سورة 4 ، آية 92 و 5 آية 89 و 58 آية 3 ) : وهكذا يظهر اليك فى اقوى مظهر واجلى بيان ، تحرر العبد وارتقائه الى منزلة المولى ارتقاء بديهيا وهذه هى المنزلة العادية التى يتمتع بها الحر

وغياب مفردات عديدة بل مجموعات كاملة من الجذور والكلمات من القرآن لا يمكن ان نفسرها تفسيرا شرعيا الا بالإنقلاب الاخلاقى الذى كان يحاول الوعظ القرآني ان يحدثه فى نفوس السامعين ولهذا ، فانك لا تجد الجذور التى تعبر عن المدح والرثاء والندب والهجاء . وكذلك معنى النشيد وهذه جذو ارتبطت ارتباطا وثيقا بمعان او بالحياة والسيرة العربية ، وقد حكم عليها الكتاب العزيز بالاعدام ، حكما ظاهرا او ضمنيا .

وهو قد عوض كلمة مدح ب سبح وحمد وشكر ، التى وجهت قبل كل شئ الى الخالق

وتدخل ملاحظاتنا السلبية ايضا على معانى النبل والشرف . فلا تجد جذور شرف ولا نجد فيما يعود للمعنى الاولى ، ولاجذر عرض ، فيما يعود للثانى والتى ربما ذكرت السامعين بعواطف وقيم جاهلية مداهمة - هذه القيم التى كتبت لها الحياة طويلا رغم تعرض اللاسلام لها .

بل لا تجد كذلك اثرا لمعانى الشجاعة والمروءة والبسالة التي هى ايضا نضاف الى المعانى الاولى ، فى تفسيرنا

فلا وجود فى القرآن لاية كلمة من الكلمات الكلاسيكية التى تعبر عنها عادة : حماسة وشجاعة وصرامة ومرؤة ونجادة ، بينما تصادفك كلمات ك قسوة وبطش ، وتسمع عن المعنى الاسلامي القح ، معنى الصبر ، مدحا واسعا ( 19 ) . وتفسر هذا بان الفضائل الحربية - في مظهر الشجاعة والبطولة هذه الفضائل التى كانت محل فخر تليد عند العرب في الجاهلية لم تعد محببة للنفوس ، وترى بالعكس تفوز عليها بالفضل والسابقية معاني الخضوع لارادة الله ، والتوكل عليه - فى الكر والفر وفى الهجوم والدفاع - وتعلم ان الفضل فى الحرب اصبح يقوم عليها وحدها .

وما دمنا فى هذا الميدان ، فلا يخلو من دلالة ان نلاحظ ان القرآن الذى يخصص للحرب صفحات كاملة - لا يذكر " الحرب " الاقليلا ولا يوجد فى القرآن من المصطلح الحربي الا الشيء القليل . فلا تجد جذر غزو ( ذلك الجذر الذى ) بزغت منه كلمة razzia الفرنسية ) الا مرة واحدة ( سورة 3 ، آية 156 ) : والقائمون بهذا الغزو من الكفار

ومعنى الاسر يعبر عنه القرآن بجذر اسر ولاتجد ابدا جذر سبي . ومن العجيب ان لاتجد ايضا جذورا عادية تماما ك هجم و وثب ونهد ( للهجوم) أونهب ( للنهب ) وان تجد كلمة رماح فشاذة ومرة واحدة ، وعائدة الى القنص الا الى الحرب . ولا تجد بالمرة ذكرا لكلمة سيف

ومعنى " المحاربة " هذه معنى كثير الوجود ، ولكن القرآن يفضل التعبير عنه بفعل قتل ، او هو يدخل عليه لونا اسلاميا بفضل فعل جهد

وعلى مؤرخى اللغة العربية ان يقوموا بتجربة معاكسة لتجربتنا هذه ومكملة لها : ما هى عناصر اللغة القرآنية التى لم تتبنها اللغة الكلاسيكية العربية

وهذه المحاولة ، ربما قد يصفها بعضهم ، لاول وهلة ، بانها محاولة لامعنى لها او يرمونها بانها محاولة ترمي للنيل من عزة الكتاب الكريم . ولكن لا اوافقهم على هذا ، لان القرآن الذى اتخذه العرب مثلا وانموذجا كان يرجى ان يدمج وينسجم بصورة من الصور مع التراث الكلاسيكى العربى

وفعلا تجد في الادب الكلاسيكى العربى وبكثرة الآيات والاشارات القرآنية فهل معنى هذا ان لغة الكتاب العزيز قد ذابت برمتها فى هذا الادب ، او بالعكس اصطبغت بمظهر جديد ؟ اننا نسمح لانفسنا بالشك فى الافتراض الاخير : ان كثيرا من الكلمات القرآنية ، ان نحن قارناها بما جاء فى العربية الكلاسية ، لزم علينا ان نضمها حسب راى النحاة واللغويين العرب وحسب راينا تحت لواء " الغريب " ولكن لنترك الآن هذه المشكلة جانبا ، والسعادة تغمر قلبنا املا لو نجحنا بهذه الملاحظات السلبية فى اقناع العلماء بان اللغة العربية لم تزل حقلا خصبا لبحوث ممتعة

اشترك في نشرتنا البريدية