* مراحل الشعر العربي
من السهل على دارس الشعر العربى التمييز بين ثلاث مراحل كبرى فى هذا الشعر ، لكل مرحلة منها طابعها وحدودها وخصائصها الغالبة ، وإن اختلطت أحيانا وتداخلت ، وهي : مرحلة الإنشاد ومرحلة الغناء ) 2 ( ومرحلة الكتابة ) 3 (
ف " مولدات الانشاد " ) 4 ( هى انتاج البيئة البدوية ، والظروف الحماسية ، والأمزجة الحادة .
بينما يشهد " الأسلوب الغنائى " ) 5 ( فى الشعر العربى برقة الطباع وتقدم الحضارة .
أما الكتابة فتعكس ثقافة البيئة والشاعر ، و " تحرر الانسان من سلطان الذاكرة ، وتعتقه من الذاكرة المنشدة " ) 6 ( .
في مرحلة الانشاد ، يسترعى انتباهنا الشاعر المنشد ، وراويته . وفي مرحلة الغناء يبرز الشاعر الغنائى ، والمغنى وفي مرحلة الكتابة يظهر الشاعر المؤلف وشارحه
وفي كل مرحلة من هذه المراحل ، نجد خصائص معينة فى الجمهور المستهلك للشعر ، كما نلمح علاقة محددة بين هذا الجمهور المستهلك والشاعر المنتج إلى غير ذلك من الفروق المميزة . . .
. . هاته المراحل وتاريخ الشعر العربى
من الجلى إذا أن اتباع هذا التصنيف يمكن أن يمثل منهجا صالحا من مناهج دراسة تاريخ الشعر العربى ، يقع فيه خاصة الربط الوثيق بين هذا الشعر وبين بيئته .
وإذا لم توجد حتى الآن دراسة شاملة لتاريخ الشعر العربى حسب هذا المنهج ، فان الاستفادة من فكرة المراحل هذه بارزة للعيان فى عدة دراسات هامة ، وذلك لأن لكل مرحلة مثلها الفنية الخاصة بها ، المميزة لها عن غيرها كما أن لكل مرحلة وسائلها المبلغة لتلك المثل
فهذا مثلا فؤاد أفرام البستاني قد آستفاد في دراسته لأسلوب الشعر الجاهلى من استخراج الصفة الاننشادية للآثار الجاهلية ) 7 ( .
وهذا شوقي ضيف يصور " المثل الأعلى " ) 8 ( عند الشعراء الغنائيين فى حجاز القرن الأول . بينما تتبع إبراهيم العريض أثر الأسلوب الغنائى فى مختلف أجيال الشعر العربي ) 9 (
كما تمس فكرة المراحل بعض قضايا تاريخ الأدب ، ومنها قضية نشأة الشعر العربي . فقد ذهب بعض الدارسين الى أن أصله إنشاد ) 10 ( ثم أخذ يتحول تدريجيا نحو الغناء بعدما كان الشاعر يمشى مع الخطيب يدا بيد " ) II ( سنما يرى آخرون أن الشعر العربي نشأ نشأة غنائية ، شأنه فى ذلك شأن كل أشعار الأمم ) 12 (
وفي الدراسة التى قدم بها بدر الديب لديوان صلاح عبد الصبور : الناس فى بلادى " أفكار هامة توضح مفهوم المراحل الشعرية ) وبدر الديب يعبر عنها " بالمصطلح الشعرى " ) ( وصلته بفهم تاريخ الشعر العربى ونقده
* ٠٠٠ هاته المراحل وتاريخ النقد الأدبي عند العرب
وكما ترتبط هاته المراحل بدراسة تاريخ الشعر العربى ، فانها ترتبط كذلك بدراسة تاريخ النقد الأدبي عند العرب ، لأن لكل مرحلة مقاييسها ومبادئها من ناحية ، ولأن هاته المراحل قد تتداخل وتتفاعل من ناحية اخرى فيكون لكل ذلك انعكاسه على حياة النقد الأدبي .
ولعل تداخل المرحلتين الغنائية والانشادية فى بعض الفترات هو الذى أورث تداخلا فى المصطلحات كاستعمال لفظتى " غنى و أنشد " فى نفس المعنى أحيانا .
ولكن لفظة " أنشد " تغلبت فى النهاية ، وكأنما كان ذلك رمزا الى غلبة المرحلة الانشادية على بقية المراحل
فقد اعتبر النقاد الرسميون قيم المرحلة الانشادية مثلا عليا للشعر العربى فى كل العصور ، وعدوا نتاجها نموذجا يجب احتذاؤه . ولعله من الطريف فى هذا الباب الاشارة الى " اعتذار " حازم القرطاجني عن خصائص الشعر الغنائى من حنان ورقة " و " شجو واكتئاب " لأن " ما قصد به من الشعر هذا المقصد ، فمن شأنه أن يصفح فيه عن اعتبار القوة والفخامة " ) 13 ( .
وقد كان هذا النقد الأدبي المنحاز الى المرحلة الانشادية سببا ) 14 ( فى بروز ظاهرة سلبية فى الشعر العربي يمكن تسميتها بظاهرة الانشاد المزيف وذلك بداية من القرن الثاني تقريبا .
فالبيئة لم تعد بيئة إنشاد ، ولا الظروف ظروفه ، إنما هى الحضارة قد هذبت الأذواق ، والترف قد رقق الحواشى ، والغناء قد تفاعل مع الشعر فضعفت فيه خصائص ، وقويت فيه أخرى ؛ فى هذه البيئة الحضرية المترفة ، المليئة بمظاهر الفن والجمال ، كان بعض الشعراء - خضوعا لأذواق الخاصة كالخلفاء والنقاد ، وتملقا لتلك الأذواق - يحاولون التمسك بخصائص الانشاد القديم ، متوسلين الى ذلك بشتى السبل ) 15 (
ولما كان من المستحيل إحياء جوهر الانشاد فى بيئة غير بيئته ، وظروف غير ظروفه ، فقد لجأ أولئك الخلفاء والنقاد والشعراء الى حيل تنكرية تبدو لنا اليوم مضحكة للحفاظ على مظاهره . ورد فى البيان والتبيين أن العماني الراجز " دخل على الرشيد لينشده شعرا وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج
فقال : إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور ، وخفان دمالقان . . فبكر عليه من الغد وقد تزيي بزي الأعراب ، فأنشده ) 16 (
وهكذا اصبحت هناك تقاليد تنكرية للمحافظة على مظهر زائف ، وتقرر عند أهل الأدب أن " من تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابيا " ) 17 ( .
هذا مثال أوردناه لندل على أن دراسة المراحل الشعرية تمكننا من مقياس نفرز به النقد الملائم لكل مرحلة من النقد المنحرف ، كما نتبين بواسطته اذواق النقاد ومواقفهم ، وما أثارته كل مرحلة من نشاط نقدى سواء كان مؤيدا لها أو معارضا ، وأثر كل ذلك فى حياة الشعر العربي
كما أن اتباع هذا المنهج يحمينا من مغبة الوقوع فى الخلط الذى وقع فيه النقاد القدماء والمتمثل في تطبيق المقاييس الخاصة بمرحلة ما على شعر مرحلة أخرى ) 18 ( .
٠٠٠٠٠ هاته المراحل وموسيقى الشعر العربى
ان دراسة موسيقى الشعر لمن أصعب الأمور ، فقد اختلف الدارسون فى تعريف هاته الموسيقى ، وفي كيفية دراستها ) 19 ( ، كما اختلفوا فى تحديد مقومات اكتمالها ) 20 ( . ولعل الاعتناء بفكرة المراحل في الشعر العربي يمكننا
من إلقاء بعض الأضواء على هذه القضية . فقد تبين لنا أن لكل مرحلة مثلها الفنية ، ولا شك أن موسيقى الشعر من بين تلك المثل بل ربما كانت أهم تلك المثل ، وهى لذلك ستتغير من مرحلة الى مرحلة لتلائم طابع تلك المرحلة وخصائصها الغالبة . إذ ما الذى يميز هذه المراحل بعضها عن بعض إذا كان أهم شئ فى الشعر وهو موسيقاه يبقى هو هو ولا يتغير ؟ لذلك فنحن نشك مثلا فى أن موسيقى الانشاد تختلف عن موسيقى الشعر الغنائى ، كما لا نشك فى أن مرحلة الانشاد المزيف لن تتوصل الى تحقيق موسيقى شعرية موفقة لأن القضية مبنية من الأساس على لبس وتزييف . وهكذا نلمح أهمية العلاقة التى تربط بين دراسة المراحل الشعرية ودراسة موسيقى الشعر وهذه العلاقة تبرز بوضوح فى تفضيل بعض المراحل لبعض الأوزان أو الأنماط دون غيرها ) 21 ( ، كما تبرز فى اختلاف المثل الأعلى للكمال الموسيقى لنفس الوزن من مرحلة الى اخرى خضوعا لتأثير البيئة بصفة خاصة ) 22 ( ولا شك أن ربط موسيقى الشعر العربي بفكرة المراحل يعنى أولا وبالذات ربطها بالبيئة . وقد فطن الشاعر العربى القديم الحطيئة لحتمية مثل هذا الربط ، فقال يصف إنشاده : " حسبك بي إذا وضعت رجلا على رجل ثم عويت فى آثار القوافى كما يعوى الفصيل فى آثار الابل " ) 23 ( . فهو قد ربط بين إنشاده وبين مظهر من مظاهر بيئته البدوية ) عواء الفصيل ٠٠ له علاقة باحساسه وبموسيقى نفسه ، فاذا إنشاده فى نظره يشبه العواء ( كما يعوى ( بل هو والعواء سواء ) عويت في آثار القوافي ( ! وقد ذهب هذا
المذهب فى ربط موسيقى الشعر ببيئته البشير المجدوب ، وعبر عنه بجلاء ( 24 )
ولا شك أن تعريف إبراهيم أنيس لموسيقى الشعر العربى ) 25 ( قد احتوى اعترافا ضمنيا بأثر البيئة فى الموسيقى الشعرية ، بجعله نغمة الانشاد ) 26 أحد مقومين يكونان موسيقى الشعر العربى ؛ وذلك لأن نغمة الانشاد هذه تختلف من بيئة الى اخرى ، وعصر الى آخر ، كما تختلف من لهجة الى اخرى وربما من شاعر الى آخر ) وقد رأينا الحطيئة يعوى بانشاده ( ، وبذلك تختلف موسيقى الوزن الشعرى الواحد ويكون لها اكثر من مثل أعلى بحسب نوعية الإنشاد المعتبر غاية ومرادا ، ويتبين تبعا لذلك أن موسيقى أوزان الشعر العربى أمر نسبى وليست أمرا مطلقا ومعطى منذ البداية فى هيئة نموذج أكمل وصورة مثلى كما يذهب الى ذلك البشير بن سلامة ) 27 ( ففي هذه النقاط يتركز اعتراضى على نظريته ) 28 ( ، وإن كنت أيضا لا اوافقه فى فهمه لقول الخليل عندما سئل عن أشعر بيت عند العرب : البيت الذى يكون أوله دليلا على قافيته " فقد اعتبر ابن سلامة هذا القول مؤيدا لما ذهب اليه من أن كل وزن فى الشعر العربى لا يمكن أن تستكمل فيه العدة الفنية إلا مرة واحدة مع قافية واحدة ) 29 ( . بينما يبدو لى أنه من الأنسب وضع هذا القول فى إطاره من الذوق العربى للشعر زمن الخليل ، ومن النقد الأدبي فى ذلك العصر
فهو يدخل فى رأيى ضمن ذلك النوع البديعي الذي يسميه النقاد القدماء " توشيحا " تارة و " رد الأعجاز على الصدور " تارة اخرى ، ويوردون له عدة أمثلة كقول الشاعر :
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس الى داع ي الوغى بسريع
وتحدث ابن رشيق عن ذلك في باب " التصدير " قائلا :هو أن يرد اعجاز الكلام على صدوره ، فيدل بعضه على بعض ، ويسهل استخراج قوافي الشعر اذا كان كذلك ، وتقتضيها الصنعة ، ويكسب البيت الذي يكون فيه ابهة ، ويكسوه رونقا وديباجة ، ويزيده مائية وطلاوة " ) 30 ( على أن القول الفصل فى قصد الخليل لا يملكه سوى الله والخليل ؟ .

