اطلعت على مجلة المنهل الغراء عدد المحرم عام ٨١ وقرأت فيه بحثا للاستاذ احمد الاهدل بعنوان : " رأى عن مقال ( وهو بحث قيم ودقيق دل على سعة اطلاع الاستاذ ، وقد ناقش فيه رأيا للاستاذ العقاد سبق ان نشر في هذه المجلة تحت معرضها بعنوان : ) أوقفوا هذه التفاسير العجيبة ( ومثل هذا البحث حرى بالدراسة والاستقراء ، وقد توقفت عند بعض النقاط التى تعرض لها الاستاذ الاهدل فى بحثه وهى :
١ - حمل الآية الكريمة : ) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحب صنع الله الذى اتقن كل شىء ( على الدورة الارضية ، معللا ذلك بان الآية الكريمة كجملة معترضية لها معنى مستقل . . والواقع أنها حالية مرتبطة تمام الارتباط بالتى قبلها والتي بعدها من الآيات . وقد أجمع المفسرون ) كما هو واضح ( على انها مختصة بيوم القيامة . فقال ابن كثير فى تفسيرها : " أى تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه وهي تمر مر السحاب أى تزول عن اماكنها كما قال تعالى : ) يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا ( وقوله : ) صنع الله الذى اتقن كل شئ ( أى اتقن كل ما خلق وأودع فيه من الحكمة ما اودع ( . وجاء في تفسير الجلالين : ) وترى الجبال ( تبصرها وقت النفخة . وفي قوله تعالى : ) صنع الله الذي أتقن كل شئ ( -
مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله أى صنع الله ذلك صنعا ( . ويتضح لنا مما اسلفنا ان الآية الكريمة جاءت في معرض ذكر أهوال يوم القيامة ، وان الصنع فى هذه الآية كما فسره ابن كثير فيما تقدم ، لا كما أراده الاستاذ فى هذا المعنى
٢ - استشهد لشرفية الجنس البشرى بحديث اسماه قدسيا وهو ) خلقت آدم على صورتى ( وهذا الحديث لم تهضمه عقيدتى كمؤمن بالقرآن القائل : ) ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ( وقد لا يكون لهذا الحديث وجود وعلى تقدير وجوده فيكون من وضع المشبهة ، لانه مردود بالآية الكريمة ) ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ( . وانما يكفى شرفا لآدم وذريته ما استشهد به الاستاذ من قول الله تعالى : ) واذ قال
ربك للملائكة اسجدوا لآدم ( الآية وقوله ) ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى ( وقوله ) انى جاعل في الارض خليفة ( وقوله : ) وعلم آدم الاسماء كلها ( .
٣ - قال الاستاذ في معرض كلامه عن امكان صعود البشر الى القمر والزهرة وزحل : ) ان افرادا من الانسان قد صعدوا الى السماء قطعا ( واستشهد لذلك بعبد الله ورسوله عيسى بن مريم ونبى الله ادريس وخاتم النبيين وسيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء اخبرنا القرآن برفعهم الى السماء وعروجهم اليها ، وهذا مما يجب الايمان به قطعا اذ الانبياء الذين رفعهم الله اليه كان رفعهم بقدرته المحضة لا صنع لهم ولا ارادة فى ذلك ومثل هذا لا يجوز الاستشهاد به لانه لا يمكن ان يشركهم غيرهم فيه من البشر كما لا يجوز ان يعد هذا من سوابق تقدم البشر وارتيادهم للفضاء بالعلم والصناعة .
٤ - ثم ذكر الاستاذ ) ان الانسان قد تمكن فى متوغل القرون من ابداع مدنيات أجل وتوصل الى مخترعات اروع من مخترعات عصرنا وانه لم يمنع بقاء ذلك وتسلسله الينا متطورا الا الحروب المدمرة ( واستشهد لذلك بانبياء الله داود وابنه سليمان عليهما السلام فداود ألين له الحديد فكان بيده كالعجين يفتله خيوطا بدون نار ولا مطرقة . وسليمان سخرت له الريح تجرى بأمره رخاء حيث اصاب تحمل البساط بما عليه من الجنود . . وقد نسى الاستاذ ان الله سبحانه
وتعالى قال في داود : ) وألنا له الحديد ( وفي سليمان حكاية عنه قال : ) قال ربي اغفر لى وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدى انك انت الوهاب فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث اصاب . . " الى قوله " : ) هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب ( فهل يمكن ان تعتبر هذه الخوارق التى سخرها الله لا نبيائه وحدهم كمحاولة أولى من البشر لابداع المخترعات كما يريد الاستاذ فى تعبيره . كلا - وليس المانع لبقاء تلك المعجزات الحروب المدمرة كما علل الاستاذ بذلك ولكن سر الآية الكريمة ) وهب لى ملكا لا ينبغي لاحد من بعدى (
٥ - ويختم الاستاذ الاهدل مقاله القيم : ) فالقرآن العظيم فيه الذرة والصواريخ وفيه ما هو ابلغ منها فلننظر مثلا آية قوم شعيب : ) فاخذهم عذاب يوم الظلة ( وآية : ) فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ( الخ الآيات التى أوردها الاستاذ الاهدل وهى التى ذكرها القرآن الكريم فى عذاب الامم السالفة العاصية . ولكن اى علاقة بين العذاب والنقمة المرسلة من عند الله مباشرة والصواريخ والذرة التى هى من صنع العقل البشرى الذى وهبه الله قوة التفكير ووفقه للانتاج والتعمير ؟ والبحث والتعمق وتسخير الآيات الى ما يقر بها من ارادة المفسر وهدفه أمر لا داعي له بل يكون مظنة الخطأ ورحم الله الصنعانى حيث يقول عن القرآن :
تراه اسيرا كل حبر يقوده
الى مذهب قد قررته صحاب

