الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

ملاحظات غير عابرة

Share

                     - ٣٢٣                      زيارة مفيدة         زمانة وصداقة للشيخ ابراهيم بن سيف قاضى مرات ورئيس محكمتها حفزتانا لتلبية دعوته وزيارته وكنا معا والشيخ عثمان الحمد الحقيل أحد كبار المسؤولين فى رئاسة القضاء في طريقنا الى الداعى من مدينة الرياض التى تبعد عنها مرات بمائة وسبعين كيلو مترا حيث سلكنا هذا الطريق المعبد الذى قطعناه في أقل من مائة دقيقة في غاية من الراحة .

وقبيل وصول مرات بأربعة وعشرين كيلو مترا وفي وادى (( الشمس )) المسمى ((المنصى)) بضم الميم وفتح النون وتشديد الصاد مع فتحها ومدها أعد الداعى اجتماعا في هذا الوادي الذى ذهبنا اليه مع طريق صحراوى

ـيانا ويتعرج أحيانا فيه وعورة ـتتاز آكاما مرات ومرة شعبا وتلاعا ـنا بعد ثلاثة عشر كيلو مترا ـمس )) - المنصى - ويقع في أرض أشجار وأدواح عالية من الطلح السلم كما أن أوديته الممتدة أنرعها

السيل فصارت غدرانا .. ان لقاءنا بالشيخ ابراهيم لقاء لا ينسى في هذا الوادى الاخضر ذى الظل الظليل وان مقيلا به فى هذا القيظ القائظ يذكرنا بقول الشاعر :

وقانا لفحة الرمضاء  واد

           سقاه مضاعف الغيث العميم

يصد الشمس انى واجهتنا

          فيحجبها ويأذن للنسيم

وأرشفنا على ظمأ زلالا

         ألذ   من   المدامة   للنديم

ما أجمل هذا الوادى في هاجرة النهار والغدران بمائها الصافى تطفئ الظمأ وقد ملئت قربنا منه وعلقت في جذوع الشجر وأغصان الادواح والهواء فكانت باردة بدون تبريد من الثلاجة الحديثة على الكهرباء وبذكرنى بالقربة وبرودة مائها تبريد التلاجة الحديثة على الكهرباء ويذكرنى بالقربة وبرودة مائها ما قاله الشيخ الجليل محمد الشنقيطى الداعية الاسلامى المعروف الذى زار الملك عبد العزيز طيب الله ثراه وتجول في القصيم وأقام ضيفا على وجهاء مدينة عنيزة وأعجبه طيب هوائها وعذوبة مائها .. وذلك منذ أكثر من خمسين سنة وقد فتح مدرسة النجاة فى مدينة الزبير في العراق وما زالت موجودة الى الآن .. أذكر لهذا الشيخ أنه قال وهو فى عنيزة هذين البيتين :

أحلى وأمرا ما أسيغ الى ظما

         وألذ مشروب على كبد الصدى

ماء (( القسيم )) مبردا في شنة

         باتت   معلقة   بطاية مسجد

والتقسيم بضم القاف وفتح السين واسكان الياء مورد عذب في (( عنيزة )) .. والطاية السطح وعاء يعلق المحسنون فيه القرب لكي تبرد قليلا ليشرب منها الناس نظرا لقلة المياه ..

ولعلك ترى أيها القارىء أى عذوبة فى المعنى لهذين البيتين وان كانا ليستا على جانب من القوة فى اللفظ واللغة ..

اذن نعود الى موضوعنا الاول فنقول : قبيل وصول (( مرات )) بـ ٢٤ كيلو مترا وعلى اليسار للقادم من الرياض طريق صحراوى سنحت لنا فرصة صحبة الشيخ عثمان الحمد الحقيل أحد المسؤولين فى الرئاسة العامة للقضاء ، اذ لبى هو وأنا دعوة للشيخ الصديق ابراهيم بن سيف قاضى بلدة مرات احدى بلدان الوشم وأقام مأدبته في وادى الشمس - واد كبير ويسمى (( المنصى )) وهى جبيل أحمر متوسط الارتفاع وغربيه جبل منفرد يسمى (( المكمكية )) يبعد حوالى عشرة كيلو مترات ويبعد هذا الوادى (( الشمس )) أو (( المنصى )) كما يسمى قديما حوالى ٢٢ كيلو مترا عن الخط المسفلت البادىء من الكيلو ١٤٦ وقد ذهبنا اليه من طرق متعرجة تخترق عدة شعب بضم الشين وفتح العين وأحيانا أودية متوسطة الكبر ولكن الطريق على العموم سهل وتسلكه السيارات الصغيرة . . وقد حللنا في الوادى وكان على أثر سيل غزير ملأ الاودية وامتدت الغدران في كل منعرجاتها وعليها أشجار

السدر والطلح والسلم ، وللغدران أسماء مشهورة منها :

أبا لحيران . أبو مساجد . ثغب طرمة. ثغب ابن هلليل . ثغب المكتوم ، ووادى الشمس أو (( المنصى )) في أسفله قصر باق الى الآن وبئره لا يزال الماء فيها وهو عذب وعليها مكنة وهذا الوادى هبة من الامام فيصل بن تركى رحمه الله منحها (( نويد بن عدامة آل سويرى )) من الاشراف من بنى حسين الذين وفدوا من الحجاز ولا تزال العطية فى أيديهم وهذه صورتها كالآتى :

(( من الامام فيصل .. الشعيب وجانبيه. وما فاض سيله عليه . ولمن يراه من حاضرة وبادية وأهل البرة خاصة - البرة بلدة لا تزال الى الآن - ان شعيب الشمس قد أعطيناه الى عبد العزيز بن سويرى موجب خط سابق منا معه )) التوقيع : فيصل

ولهذه العطية ما لا يقل عن ١٣٠ عاما لأن محدثنا لم يتذكر التاريخ بالضبط والذى يحدثنا من آل السويرى وهو من أحفادهم واسمه محمد بن سعد بن عبد العزيز بن سويرى بن نويد بن غصاب بن سويرى بن عدامة بن شعيب بن نويد الذى له العطية السالفة ..

وهنا مكان آخر يسمى ((الشميسة)) شعبة بها مورد ماء للبادية وهى احدى شعب وادى الشمس وكلا الشمس والشميسة يقعان في (( الخفق )) المسمى روضة شيفان وبها آبار للبادية عذبة المياه ويبعد (( خفق )) عن مرات حوالى ٥٠ كيلو مترا جنوبا وقد وقف الاستاذ الاديب عبد الله بن محمد بن خميس على قصر الشمس وأخذ عنه معلومات عامة . وتبعد مرات عن الرياض ١٧٠ كيلو مترا .

ملاحظات     ١ - (( صداء )) المشهورة يقول أهل مرات وأعيانها أنها في النخيل تصغير نخل  ..

٢ - النخيل واد كبير يبدأ من المكمكية وينتهى في ثرمداء فى الوشم .

٣ - (( صداء )) مورد عذب ينزح لقلة الامطار ويبعد عن مرات حوالى ساعتين للراجل ويقع في جنوبها وهو يقع في شعبة من (( وادى النخيل )) وتسمى (( صماح )) وبوادى النخيل نخيل برية وينتهى هذا الوادى الى وادى الشمس .

                             - ٣٢٤ -                             رسالة من أديب     الاستاذ عبد الله الماجد . . من شبابنا المتزن الرزين في علمه وأدبه . . الاصيل في وطنه الصادق في مشاعره وأحاسيسه هذا الشاب النحيف فى جسمه الهادىء الذى لا يتكلم الا قليلا ، ولكنه اذا تكلم أبدع وأجاد وأفاد .. واذا تحدث جذب اليه الانظار .. لا يميل الى الحماس المتدفق بقدر ما يميل الى الحقيقة التى يلقيها برزانة وجدارة بأخصر لفظ وأجمل معنى .. ان عبدالله الماجد أديب واع يحسن الحديث اذا تحدث ويحسن البحث اذا بحث .. شاب من خيرة شبابنا في ثقافته ومعرفته ووطنيته .. ليت ظروفه العملية والوظيفية أقل مما هى عليه لرأينا منه انتاجا فى البحث والادب والتاريخ ولقرأنا في بحوثه العلم الجم .. ويشرفنى وقد وردت الي منه رسالة تعليقا وجوابا لتساؤل سألته القارئ في مجلة (( المنهل ))

لشهر صفر ١٣٩٠ ه في الملاحظة ٢٩٥ عن (( صداء )) و (( واسط )) اللتين هما فى الجنوب .. وهل هنا صداء وواسط أخرى وقد كتب أديبنا الشاب عبد الله الماجد الي هذه الرسالة الغالية التى فيها الفائدة . واليك الرسالة :

               بسم الله الرحمن الرحيم      أستاذى الجليل عثمان الصالح - أدام الله وجوده

قرأت في ملاحظاتكم التى لم تكن في يوم من الايام عابرة .. تعريفكم لـ (( صداء )) و((واسط)) فى عدد (( المنهل )) لشهر صفر صفحة ١٩٢ الملاحظة ٢٩٥ ، وقد وجدت بين السطور ما يؤيد العزم المشرئب في النفس ، والجهد المتوثب الذى كل هم صاحبه أن لا يتعثر ويمضى شاقا طريقه غير عابئ بتلك الصيحات الواهية ، المتناثرة هنا وهناك تدعو الى (( أدب جديد )) يقطع الصلة بين ((ماض مجيد)) وما علمت تلك الفئة أنه من الصعب أن نبنى جديدا دونما أساس ، فلا جديد بدون قديم وفات هؤلاء أن الحضارات انما تبنى على ما قبلها .

دعانى الى هذا القول ما وجدته بين سطور ملاحظتكم قولكم : ( وعلى ضوء هذه الملامح سيكون منها في التاريخ أصول ويجمع هذا مع هذا ليكون منه حقائق تهم ابن هذه البلاد) فلا زلنا بحاجة الى جمع الكثير من الحقائق عن بلادنا وتاريخها المجيد . وقد وجدت بين هذه ( الملاحظة ) وبين ما أكتبه الآن صلة تؤيد العزم في تحبير هذه السطور لأشارك أستاذى علمه .

صداء : بالفتح ثم التشديد والمد ، قرية لبنى الحريش معاوية بن كعبة بن ربيعة بن

عامر ، وتقع جنوب قرية (( البديع )) في الافلاج مسيرة يوم للابل تقريبا .

وأصلها على ما ذكر ياقوت نقلا عن نصر، ماء بالبياض يصدر فيه فلج جعدة ، أما علاقتها بالمثل المشهور ( ماء ولا كصداء ) فهى علاقة مباشرة ، اذ المثل انما ضرب عليها والمثل لمقذفة بنت قيس بن خالد الشيبانى - كما يقول ياقوت في معجم البلدان - وهى زوجة لقيط بن زرارة تزوجها بعده رجل من قومها ، فقال لها يوما : أنا أجمل أم لقيط ؟ فقالت : ماء ولا كصداء . والمثل واضح وهو أنه جميل ولكنه ليس كجمال لقيط . .

والغريب في الموضوع ما نقله ياقوت عن نصر قوله : ( وبصداء منبر وماؤها شديد المرارة . . ) وتسأل كيف يكون مرا وفي المثل السائر فيه ما يدل على حلاوته .

والحقيقة أن تساؤل ياقوت فى موضعه ، فالى جانب دلالة المثل على حلاوة مائها ، فان في الشعر الذى قيل فيها ما ينفى قوله نصر وممن خلد صداء في شعره ، ضرار بن عتبة البشعمى السعدى ، وآدم بن شدقم العنبرى ومما قاله الاول :

وانى وتهيامى بزينب كالذى

    يطالب من أحواض (صداء) مشربا

أما ابن شدقم العنبرى فانه لما قدم البصرة وشرب من مائها ملح عليه شرب الماء واشتد عليه الحر وكثرة بعوضها ( ثم أمطرت السماء فصارت ردغا ) فقال من قصيدة مطلعها :

أشكو الى الله ممسانا ومصبحنا

         وبعد شقتنا يا أم أيوب

يا ليتنا قد حللنا واديا خصبا

         أو حاجزا لفنا غض التعاشيب

وحبذا شربة من شنة خلق

        من ماء (صداء) تشفى حر مكروب

قد ناط شنتها الظامى وقد نهلت

        منها بحوض من الطرفاء منصوب

نطيب حين تمس الارض شنتها

        للشاربين وقد زادت على الطيب

ومن شعراء صداء البارزين يزيد بن الطئرية . وبها منزله )) . وصداء لا تبعد عن ( البديع ) احدى قرى الافلاج أكثر من خمسين كيلا ، فلذلك يحسن بنا ان نعدها من قرى الافلاج . وقد درست ولم يبق منها الا آثارها .

أما واسط : فقد اورد يافوت فى معجمه عشرة مواضع بهذا الاسم تقريبا ولم أتبين ان من بينها موضعا بوادى الدواسر ؟ فربما يكون هذا الموضع الذى عنيته ، هو واسط الذى - فى بلادنا الافلاج -

وواسط هذا كان يعرف قبل تسميته بهذا الاسم بـ ( الباحة ) وهو غربى (ليلى) قاعدة الافلاج، بميل الى الجنوب بينها وبين بلد الاحمر ، وبينهما غار يقال له (غر المقطر) ولم أشاهده وربما كانوا يعنون بهذه التسمية أنه كان ينبع منه ماء ينزل على هيئة قطرات، وقد سمعت هذا الزعم من بعض الاهالى هناك.

وواسط قرية عامرة ، وهى من مساكن قبيلة بنى قشبر فى الجاهلية ، وصدر الاسلام ، وقد ذكر ياقوت موضعا باسم واسط ، وقال انه من منازل بنى قشير لبنى أسيده ، وهو بنو مالك بن سلمة بن قشير ، فربما يكون هو واسط الذى تعنيه، فتلك الاماكن كانت تسكنها بنو قشير فى صدر الاسلام .

وصلة تلك المواضع الكثيرة التى ذكرها ياقوت وغيره من مصنفى معاجم المواضع ،

بواسط المدينة التى بناها الججاج ، لا تعدو أن تكون صلة اتفاق في التسمية ليس غير .

 استاذى الجليل :     كانت هذه السطور من بحث انتهيت من اعداده عن اقليم الافلاج ماضيه وحاضره ، سأنشره قريبا .

وفق الله استاذى ونفعنا بعلمه الجم وسدد خطانا جميعا .

   التعليق :     من بين الحقائق ما كتبه هذا الكاتب بهذا الاسلوب الساحر والبيان الناصع والحقائق الناصعة التى توحى بالعمق فى الاطلاع وتومئ الى طول الباع والقراءة التى لا نعرف الحدود فى أدبنا العربى . . اننا لنقرأ له ما هو زاد ثمين وان كان لا يكتب الا قليلا ولا يتحدث الا فى مناسبات يلاحظ فيها ملاحظة أو يدون فيها فائدة ، تشرئب اليها نفسه الطموح لمآثر بلاده وربط حاضرها المجيد بماضيها التليد . .

وشكرا لك يا أبا ماجد ومزيدا من هذه البحوث الشائفة والأعمال الرائعة .. وتقديرا لرزانتك . . وشكرا لبحثك فلقد أفدتنا وزودتنا بكل مفيد نحن فى أشد الحاجة اليه لنعرف بلادنا وامجادنا في بلاد الامجاد (( المملكة العربية السعودية )) .

ملحوظة     كنت فى الاسبوع الماضى في زيارة (( لمرات )) البلدة المعروفة وجرى ذكر رسالة الاستاذ عبدالله الماجد وكنا فى ضيافة الشيخ الجليل ابراهيم بن سيف قاضى (( مرات )) وكان لديه بعض الاخوان والاعيان من أهالى (( مرات )) فقال الشيخ

وأولئك الاعيان - ان صداء مورد ماء عذب يبعد عن مرات حوالى ساعتين للراجل الماشى اى ما يقابل عشرة كيلومترات تقريبا .. وتقع فى شعبة من وادى (( النخيل )) تصغير نخل يسمى (( صماخ )) بفتح الصاد .. وبمناسبة ذكر النخيل فهو واد كبير لا يقل طوله عن أربعين كيلا يبدأ من بلدة (( ثرمداء )) احدى بلاد منطقة الوشم وعاصمته شقراء وينتهى الى فرعة (( المنصى )) بضم الميم وفتح النون وتشديد الصاد مع فتحها ومدها - قرب (( مرات )) من نفس المنطقة ويسمى الشمس - ويذكر أهل مرات ويؤكدون أن - صداء - التى تقع فى (( صماخ )) أنها هى صداء المشهورة والتى عناها الشعراء فما صحة ما يذكره اولئك ؟ والسؤال أيضا موجه للاستاذ الاديب عبد الله الماجد .

                    - ٣٢٥ -                    بين أمير وشاعر     في ليلة ممطرة أرق الامير جابر المبارك الصباح فأخذ عصاه ولبس عباءته وذهب الى (( دخينة )) ديوان الشاعر عبدالله الفرج أديب الكويت وبلبلها المغرد .. فطرق عليه

الباب وفتح له وليس في الديوان غيره فتلقاه بالبشرى ، وبعد جلوس الامير جابر غرد يقول : -

سرى يقطع الظلماء والليل عاكف

        حبيب بأوقات الزيارة عارف

وما راعنى الا السلام وقوله

       أيدخل محبوب على الباب واقف

وكان سرور الامير جابر عظيما ولما سمع يوسف بن عيسى القناعى هذه القصة ذيل البيتين بقوله :

فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا

    بمن زار في الظلماء والوبل واكف

أنست به حتى بدا الصبح ساطعا

    فودعني  والقلب  منى  واجف

وقال شاعر :

قل للشيوعيين أو أمثالهم :

          رفقا بهذا الشرق في مأساته

فوضى المذاهب في بنيه تضاربت

          لا يستقيم بها نظام حياته

عودوا الى القرآن أعدل مذهب

          وخذوا الحقيقة من لسان دعاته

اشترك في نشرتنا البريدية