منذ وجد مفهوم الشعر ، بسطت قضية الشكل .
وليست عمليات (( القرض )) ، (( والنظم )) ، (( ونحت القوافى من معادنها )) (( ونفث المصدور )) ، وغيرها كثير سوى عمليات أساسها شكلى.
كما أن عملية (( نقش الحلى )) عند البارناسيين التى تعقب اصطياد الافكار الشاردة كالعصافير هى عملية شكلية.
ورغم هذه الاهمية التى يكتسيها الجانب الشكلى فى الشعر ، تبقى عملية فصل الشكل عن المضمون مفتعلة هدفها الوحيد تيسير الدراسة العلمية الموضوعية للشعر.
وقد اخترنا تناول القضية انطلاقا من نصوص مضبوطة مكانيا وزمانيا ، حتى لا نبقى فى نطاق العموميات والمسبقات ، فوقع اختيار الانتاج الشعرى التونسى الصادر على صفحات ( الفكر ) خلال سنة 1977 . وهو بالطبع يمثل الاتجاهات الشعرية فى بلادنا ، ولكنه يعطينا أوسع مدى ممكن فى دراسة محدودة كهذه ، واختيار التاريخ مقصود حتى تقع مواكبة أحدث ما يجد فى الساحة ، رغم ما فى ذلك ، من صعوبة التقييم ، وعدم توفر البعد الضرورى للحكم .
فكانت المادة الشعرية التى خرجنا منها بهذه الملاحظات متكونة من 47 قصيدة ، يمكن تقسيمها مبدئيا ، وبصفة شكلية الى ثلاثة أقسام :
1- قصائد على النمط التقليدى يبلغ عددها 15 . 2- قصائد تصرفت في الايقاع وحافظت على التفعيلة ( وهو ما يسمى عادة بالشعر " الحر " ) ويبلغ عددها : 26 .
3 - كتابات جديدة يتفاوت اقترابها أو ابتعادها من التفعيلة ، ويبلغ عددها : 6 .
وقصة الشكل الشعرى مرت بعدة مراحل ، منها ما يمثل تغييرا جذريا : القصائد المضادة ، وغير العمودى والحر ، (( واللحمة الحية )) ، ومنها ما ه أكثر احتشاما : كالالوان الجديدة ، أو المثلثات.
وقد عشنا بأنفسنا مرحلة أبحاث ومحاولات ، اتجهت فى البداية الى تجارب الآخرين ، ثم حاولت أن تخرج بخلاصة تونسيه صميمة ، كالاعتماد على العامية لا من حيث اللغة ، ولكن من حيث الايقاع.
ولكن جميع هذه التجارب لم يكن لها استمرارية ولا مواصلة ، وهى الاساس فى تكوين الاتجاهات والمدارس الادبية.
1 دراسة المادة الشعرية : أ - القصائد التقليدية :
إذا ما استثنينا قصيدة واحدة كتبت فى شكل نشيد ، فان بقية القصائد نظمت بطريقة عادية ، فاعتمدت القافية الموحدة ، والتصريح ؛ واستعمل بعضها مفاهيم قديمة كالمعارضات ، والمساجلات وعنونت احداها (( بردة )) و لاحظنا وجود التضمين فى احداها ، وختمت أخرى بحمد الله وشكره.
وغال هذه القصائد مطولة ( 25-30 بيتا ) ، وبلغت احداها 77 بيتا وقد قف بعضها بالسين والزاى ، وهي حروف من شأنها أن تجر الشاعر الى الغريب .
لكن الامر يختلف على مستوى اللغة والصور ، فبين هذه القصائد تفاوت ، ان غلب عليها استعمال الثبت الرومانسى ( لوجدانية مواضيعها ) ، ونجد فيها أيضا اللغة المتينة العصماء.
ب - القصائد " الحرة " :
اعتمدت هذه القصائد جميع التفعيلات المعروفة :
فاعلن - مستفعلن - فعولن - مفاعيلن - متفاعلن - ويختلف ايقاعها رتابة وتجددا . فبعضها قريب من الموسيقى العمودية ، خصوصا من حيث قلة تغيير عدد التفعيلات ، والقوافى ( السندباد والحمامة - قنيطرة - الحرف والحرب ) ، وبعضها يغير التفعيلات ويستعمل عدة أوزان ( الى مهاجر )، وبعضها يقدم هندسة طريفة تتمثل فى استعمال عدد كبير جدا من التفعيلات، بحيث تغدو الاشطار جملا مطولة ، يخالها الناظر نثرية ( سيأتى الرزق والبحار العاشق ) .
وترد هذه القصائد في شكل مقاطع ينفرد كل منها يفكرة.
أما من حيث اللغة والصور فالقصائد ثرية جدا ،و ان غلب عليها استعمال ثبوت متداولة : كالطبيعة ، أو (( النزاريات )) أو التاريخيات الحماسية ، أو الالوان ، وما الى ذلك
وربما استعمل الرمز والاسطورة ، وان كان ذلك بقلة ( السندباد)
جـ - الكتابات الجديدة:
على الرغم من قلتها ، فقد لاحظنا فى هذه التجارب بوادر مشجعة ، منها انطلاقها من أشكال قريبة من التفعيلات العربية ، حتى أن بعض الاشطار ببدو أقرب من الشعر الحر ( الكتابة بدم الحسين ) ، ومنها رفض بعضها لتسمية " الشعر " ، وهو اعتراف ضمني ببقائها فى مرحلة البحث ، ومنها خاصة عناية اصحابها بشكلها الفنى ، فالصناعة هنا واضحة
والثبوت المستعملة فيها سواء من حيث اللغة أو الصور ، طريفة ، رغم انتمائها الاصلى الى ما ذكرناه من ثبات فى حديثنا عن الشعر الحر ، من ذلك استعمال الالوان ، أو اختلاط الحواس ، أو الموسيقى اللفظية.
والصلة بالتراث واضحة ، سواء فى ذكر ابطال أو اعلام ( الحسين ) ، أو استعمال المفاهيم البدوية ( تغريبة - نجود ) ، أو ادخال اللغة القديمة ( خشاش - أحراش .. ) وما الى ذلك.
2 ) استنتاجات :
* تستطيع بالاعتماد على المادة التى درسناها أن نؤكد استمرار الشعر التونسى في البحث عن طريق شكلى يسمح له بالمحافظة على توازنه الضرورى بين التراث ، والواقع الذي يعيشه ، ونوافذه المفتوحة على الشرق والغرب، ويمكنه ايضا من ابراز شخصيته.
* لا وجود لاختلافات جذرية من ناحية الشكل ، وبالتالى لا وجود لمدارس.
* ما زالت اللغة الشعرية المستعملة ، والصور السائدة تخضع لانماط متداولة اما موروثة ، واما مقتبسة.
* لا وجود لازمة فى الشكل بما أن البحوث مستمرة.
* يثبت الكم عدة أمور منها : غزارة الانتاج الشعرى عندنا ( 47 قصيدة على ثمانية أعداد فهناك عددان خاصان لم تنشر فيهما قصائد ) ، ومنها تنوع الشعراء وتعددهم واختلاف أجيالهم ، وان كان الاستمرار واضحا فى النشر عند بعضهم ( حوالى 28 شاعرا ) .
* تثبت غزارة القصائد (( الحرة )) غلبة اتجاه التوسط ، على اتجاهى المحافظة ، والتجديد الكلى
* لم نلاحظ الا قليلا تأثرا متبادلا بين الشعراء ، بل لاحظنا شخصية واضحة تبرز فى المعالجة الشكلية بالنسبة لاغلب الشعراء على الاقل
* لاحظنا وجود العناوين غير العادية المثيرة للانتباه والصادمة أحيانا ( تحفة وتصعد لطاحونة الاغماء ، بيان قبل الترشح لادارة الهموم - واحد قلبى وكثيرة اعراس الموت . أسمع الزهر ينبت فى رحم الصاعقه الخ )
وفي الختام ، نؤكد أن دراستنا هذه ليست سوى ملاحظات مركزة على نماذج شعرية دقيقة ، وليس من أهدافنا الشمول ، ولا الاحاطة ، وندعو جميع الدارسين بالحاح الى القيام بهذه العمليات المبدئية حتى تتوفر لنا مادة لدراسات أوسع وأكمل.
