( أنا مؤمن بالتجديد ) (*)
الشعر ، منذ وجد ، في تجدد مستمر ، فأقدم شعر كان جديدا فى زمانه ، وأقدم شاعر كان مجددا في عهده ، ولو عدنا إلى مقدمة كتاب "الشعر والشعراء " لابن قتيبة لوجدنا هذا الكاتب ، الذي عاش فى القرن الثالث للهجرة ، يتحدث عن هذا الموضوع وكأن هذه المقدمة كتبت لهذا العصر ، فمشكلة القديم والجديد مشكلة قديمة متجددة طرحت فى كل زمان ومكان ، فكل قديم كان جديدا فى زمانه ، ولست ضد الجديد ولا ضد التجديد فأنا من اشد المؤمنين بالتجديد والمتحمسين له ، لاعتقادى بانه لا يحوز لنا أن نكتب شعرنا بنفس الطرق العتيقة التى كتب بها القدماء شعرهم ، ولاطلاعي على حركات التجديد - شكلا ومضمونا - التى مر بها الشعر العربى منذ أقدم عهوده الى الآن ، غير غافل عن موجة الموشحات التى ترعرعت في الاندلس ثم وقع الاهتمام بها والتقنين لها من قبل ابن سناء الملك فى مصر .
أنا مؤمن أشد الايمان بالتجديد وبتطوير الشعر لأن التجديد هو الدفقة الدموية الحارة التي تسرى فى أعصاب القصيدة فتكسبها حيوية وتبعث فيها الحياة ، أما القصيدة التقليدية المقلدة تقليدا جامدا للشعر القديم فانها مولود ميت لا حياة فيه .
وليست ، بالضرورة ، كل قصيدة عمودية تقليدية ميتة كما انه ليست ، بالضرورة كذلك ، كل قصيدة حرة أو متحررة قصيدة حية ، فالجيد من كليهما هو الشعر الحي الجدير بالحياة .
واذ قد عرف القارىء الكريم رأيي فى الشعر الجديد وفي التجديد الشعرى فانى أريد أن أحدثه عن شيئين اثنين يرتبطان شديد الارتباط بالشعر الجديد :
(1) ( الرمزية لا متاهات الغموض )
كلنا يعرف أن من بين المذاهب الادبية يوجد " المذهب الرمزي" وهو مدرسة أدبية ازدهرت فى بعض العهود خاصة ، ونبغ فيها شعراء طبقت شهرتهم الآفاق ، ودرس شعرهم فى مقالات مطولة وأحيانا فى كتب معروفة ، ولا يوجد انسان عاقل ، مدرك لمعنى هذه المدرسة وغرضها ، يعادى هذه الطريقة أو المذهب الادبى فالادب الرمزي جدير بوقفات ووقفات من الدارسين والنقاد لاستجلاء مكوناته العميقة . ولكن ما ننكره ، وينكره معنا القراء والمتذوقون للشعر هى هذه الموجة العارمة من الغموض ، والمتاهات الضالة المضلة من الكلام ، الذي يقدم على أساس أنه ( شعر ) فى حين أن القارىء لا يظفر بطائل من ورائه ، فلا جمال فى التعبير ، ولا رونق في الكلام ، ولا ايحاء ، ولا تصوير ، بل لا تحس بأن صاحب هذا " الكلام " له سيطرة على ما يقوله ، ان كان يريد ان يقول شيئا ، فأصحاب هذا الكلام يبحثون عن الغموض بحثا ، بل يتكلفونه تكلفا ، فتكثر النعوت الغريبة ، وتضعف النسب بين أجزاء القول ، وتتمزق أوصال الكلام ، وتتراخي العرى الرابطة بين الجملة والجملة ، وبين كامل " القصيدة" .... "فيظفر " القارىء بكلام مريض متهافت كالسراب انذى "يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لو يجده شيئا" . ناهيك أن معظم المتهافتين على هذه الطريقة مبتدئون استعصى عليهم التعبير الصحيح ، ونفر منهم الشعر الاصيل ، وند عنهم الشعر الجدير بأن يسمى شعرا ، ذلك "الذى يهزك عند سماعه " هزا ، فتحس بعظمة قائلة ، وان كان رمزيا صعب المنال .
ولله در ابن المعتز حين قال :
ان ذا الشعر فيه ضيق نطاق ليس مثل الكلام من شاء قالا
يكتفى فيه بالخفى من الوحــــ ــــــى ، يحتال قائلوه احتيالا
ان الشعر ، فى جميع المذاهب والمدارس ، فن صعب المراس " ليس مثل الكلام من شاء قال " أو كتب أو نشر ، بل هو نمط من القول لا يستطيعه كل من هب ودب ، وخط وكتب ، لذلك ترى الذين لا يستطيعون الخوض فى غماره ، والسباحة فى بحاره ، يأتون بكلام خديج ( * ) يكتنفه الضعف والهزال من جميع جهاته ، وتراه يستر عورته بهذا الغموض المتكلف المتشبه بالرمزية ، وشتان بين الرمزية الموحية الخصبة ، وبين الغموض التافه المفتعل افتعالا .
( 2 ) (موسيقى الشعر لا مهاوى النثرية)
الشىء الثاني الذي أريد أن أتحدث عنه - والمرتبط شديد الارتباط بالشعر الجديد - هو مدى ضرورية الوزن أو الموسيقى للشعر فقد تطورت أوزان الشعر خلال الخمسة عشر قرنا ، التى مر بها الشعر العربي ، من القصيد الموحد القافية إلى الثنائيات والثلاثيات والرباعيات وما اليها ... الى " الموشحات الأندلسية " باختلاف طرقها فى تجديد الاوزان ... الى " البند العراقي " الذي لم يشتهر كثيرا بين الأدباء .... الى " الشعر الحر " المعتمد على احدى التفعيلات السبع المعروفة ، الى الشعر الحر الذي يعتمد على البحور المنوعة التفعيلات ، وقبل " الشعر الحر ، عرف - على يد ، جميل صدقي الزهاوى ثم عبد الرحمن شكرى وزكى أبو شادى - لون آخر من التجديد وهو الكتابة على بحر معروف دون التزام بقافية معينة ، فتارة تكون القافية باء وأخرى جيما وأخرى لاما وهكذا ، ودون تقيد بحركة أو سكون فالقصيدة كلها " اقواء " . ( والأقوا في عرف العروضيين ان تختلف حركات الروى فى بيت أو أكثر من أبيات القصيدة ) .
فى كل الالوان التى ذكرتها من الوان الشعر العربى كان الشعراء يلتزمون " الموسيقى الشعرية " أو النغم او الوزن أو بحور الشعر أو التفعيلة . أو أو اى طريقة من طرق " الوزن .... فالشعر من مستلزماته الموسيقى ، ولن يفلح شعر خال من هذا العنصر الضرورى ، الذى لا قوام للشعر بدونه ، وأنا لست مغاليا أو متشددا فى هذا الميدان فأطالب بالتزام بحور الخليل وان لا يعدوها الشاعر وان لا يخرج عنها بأي حال من الاحوال ، ولست مع
عباس محمود العقاد في رأيه الذي كان يرتئيه فى الشعر الحر ، فقد كان يكتب على الملف المحتوى على الشعر الحر : "يحال على لجنة النثر للاختصاص ، وذلك عندما كلفه المجلس الاعلى لرعاية الفنون بتقييم الانتاج الشعرى للشعراء الشباب فى الستينات ، ولكنى أطالب بايجاد نغم شعري في القصيدة بأي طريقة من الطرق سواء بالطرق التى ذكرتها آنفا ، أو التى تحدثت عن بعضها فى قسم من كتابي " تبسيط العروض " - حيث بسطت المحاولات التجديدية لخلق معادلات موسيقية جديدة غير البحور الستة عشر - أو بخلق نسب وزنية أخرى لم يعرفها القدماء والمحدثون ، فالمهم أن يطفر القارىء بموسيقى شعرية ترفع الكلام الى مستوى الشعر ، لا أن ينحدر الشعر فى مهارى النثرية الباردة بحجة " الثورة على التقليد والتخلص من القيود" فهذه الحجة قد تجوز على بعض ضعاف العقول . فتؤثر فيهم كلمة "الثورة على التقليد" فكلنا من هواة التفتح والتطور ، وكذلك تروقهم كلمة " التخلص من القيود " فكلنا من محبى الحرية والانعتاق ، نبغض كل قيد وغل ، فهذه " كلمة حق أريد بها باطل " لا يقولونها لوجه الفن وحبا في التجديد ، ولكنهم يقولونها لعجزهم عن الاتيان بأى لون من ألوان التجديد في هذا الميدان ، ولن يستطيعوا أن يخلقوا أى معادلة موسيقية فى شعرهم ، بل اكثر من هذا فانهم لا يستطيعون حتى تقليد القدماء فى بحورهم الخليلية ، ولا حتى المحدثين فى شعرهم الحر السهل ، الممتنع على أمثال هؤلاء المتهافتين :
( انهم قد عجزوا عن التعبير فطالبوا بالتغيير ) . وتغييرهم يعتمد على الشيئين المذكورين آنفا : الغموض الفج باسم الرمزية الموحية ، والنثرية الباردة باسم التخلص من القيود .
واذا كانوا يريدون التخلص من القيود فلماذا لم يتخلصوا منها بتخليهم عن القواعد النحوية ، والصرفية مثلا ؟ ! ولماذا لم يكتبوا بغير هذه اللغة تماما ، فاما ان تكون الثورة تامة والا فلا ... ( لكن كثرة الاخطاء النحوية والصرفية عند بعضهم تجعلني أقول : لعلهم ثاروا على القواعد ايضا كما ثاروا على أوزان الشعر ) .
على ان البعض يلتزم ، فى بعض قصيدته ، الوزن ويتخلى عن الوزن فى البعض الآخر ان لم اقل : يختل لديه الوزن فى البعض الآخر . فهو لا يدرك الموزون من غير الموزون فيكون ما اتزن منها .
" رمية من غير رام " أو كما قيل عن معلقة عبيد بن الابرص : ( كأنها خطبة اتزن له بعض أجزائها ) . ورحم الله المعرى اذ قال عنها :
وقد يخطئ الرأى امرؤ وهو حازم
كما اختل في وزن القريض عبيد
وكم من عبيد بين متشاعرينا
انهم يحاولون أن يوجدوا شيئا من الموسيقى فى " محاولاتهم الشعرية " بشتي الطرق فمن هذه الطرق البسيطة الخالية من الفن والجمال :
1) القافية ، ومعروف أنه اذا وجدت القافية وانعدم الوزن سمى الكلام سجعا " لا شعرا . و " السجعة " او " القافية " من أسهل الاشياء على الكاتب او الشاعر ففي امكانك أن تظفر بعشرات القوافى على اى حرف تشاء تجمعها من الذاكرة أو من قصائد القدماء ، وهذا أمر يستطيعه حتى التلميذ المبتدىء ، "وان كان الذى لا يعرف الفرق بين " القافية " و" الروى " يجد صعوبة في جمع هذه القوافي ويخلط بينهما خلطا شنيعا فهناك علم كامل يسمى علم القوافي غير علم بحور الشعر " . فلماذا لم يثر مدعو التجديد على ذلك وهو قديم عتيق بدائي ؟ ! .
2 ) اتزان بعض السطور اتزانا صحيحا أو اتزانا بزحاف غير جائز فيتكون فى الجملة نغم تقريبى ، خاصة إذا قرأ " القصيدة " صاحبها بشىء من التمطيط أو " الاقتضاب " فى بعض الحروف أثناء النطق .
3) ترديد بعض الكلمات والجمل واعادتها ، فيخيل للسامع أن ما يسمعه موزون .
وهناك طرق اخرى يحاولون بها توفير شىء من الموسيقى أو ما يشبه الموسيقى فى " قصائدهم " يمكن أن يكتشفها كل من قرأ او سمع شيئا من هذا " الشعر "
خاتـمة
ان "الشعر " الذي تحدثت عنه فى هذه الكلمة لهو من أردا ألوان الشعر وأضعفها وأشرلها - ان حاز أن نسميه شعرا -، وأجدرها بالسخريه والاحتقار
على انى لم أكن اقصد أثناء حديثى شخصا معينا ، وأخشى أن تثير هذه الكلمة حفيظة بعض المتشاعرين ، أو الشعراء فيظنون أني أعنيهم بهذه الكلمة ، ولكن مهلا فانى أريد أن أسال القارىء الكريم سؤالا بسيطا وهو : "هل انت من انصار الكلام الذي يكون مصداقا لما قلته آنفا ؟ ! وأسال الشعراء او المتشاعرين : ( هل أنتم ممن يكتبون هذا اللون من الكلام ؟ ! ) ان ثرت و غضبت من كلامي فمعنى ذلك أنك تكتب " شعرا " من هذا القبيل ... وأنك جدير بهذا التشهير الذى كان محوره هذا الحديث ، واذا راقك ما قلته من هذا اللون من الشعر فمعنى ذلك أنى واياك متفقان على محاربة العبث والسخافة ، ومؤمنان بالبحث عن الشعر الجيد الجديد المتجدد .
وانك معى لا ترى بأسا من اعتبار تلك المحاولات التى تحدثت عنها آنفا . مجرد محاولات ما زال أصحابها فى أول الطريق يروضون أنفسهم على وسائل التعبير ، فليس أقتل للانسان من ايمانه ببلوغه القمة وانتهائه الى غاية الطريق : " ولا تكون الطريق طريقا حتى تكون بلا غاية " كما قال صاحب السد .
ثم أنى لا انكر ان قله قليلة من " الشعر الغامض " تصل الى مرتبة الشعر " الرمزى " الحيد الملىء بالمعاني ، واننا نظفر أحيانا " بنثر " ممتاز يفوق مراتب " الشعر الموزون " بجميع ألوانه .
واحب ان لا يفهم بعض القراء اني أفضل الشعر على النثر ، واني ، اذ أمجد الشعر ، أغض من قيمة النثر ، فكل منهما فن جدير بالتقدير والعناية ولكنى لا أحب أن تختلط التسميات فيسمى النثر شعرا والشعر نثرا .
