* لمحة عن حياة الشاعر :
يعتبر الدكتور نور الدين صمود واحدا من رواد تطور الشعر التونسي الحديث وعلامة بارزة فى طريق ذلك التطور منذ الخمسينات من هذا القرن ، وإذا جاز لنا أن نستعير من أبى هلال العسكرى الناقد العربى القديم تعبيره عن الشعر بأنه (( صناعة )) ، فإن نور الدين صمود يعد أحد القلائل المحيطين بهذه الصناعة عن خبرة ودراية ، البصيرين بقوالب الشعر وأوزانه وقوافيه عن ممارسة ودراسة ، فالشعر عنده - كما يقول - وحي وإلهام وفن وصناعة ،
والشاعر الفنان بعض ألوهة خلافة بين البشر ، وقد أعانه على إبداع هذا الفن وإتقان تلك الصناعة طبيعة فطرية أصيلة وسليقة شعرية مرهفة وموهبة فنية خلاقة ، ترجع إلى البيئة والظروف التى نشأ فيها الشاعر ، فهو من مدينة قليبية من الوطن القبلى الذى هو أشبه بجزيرة خضراء تكسوها المروج والخضرة الدائمة وتجمع بين جمال الطبيعة الآخاذ والتربة الخصيبة المعطاء .
درس شاعرنا فى المرحلة الثانوية بجامع الزيتونة وانتمى إلى رابطة القلم الجديد التى احتضنت العديد من شباب الكتاب والشعراء وتخرج منها الكثيرون ممن لمعت أسماؤهم فيما بعد . وقد حاول وهو فى مقتبل العمر أن ينشر بالصحافة العربية بعض إنتاجه الشعرى المبكر ، وعندما نال شهادة التحصيل العلمي سنة 1954 سافر إلى القاهرة ليدرس الأدب واللغة بجامعتها ، إلا أنه تحول عنها إلى بيروت حيث أكمل بها شهادة التخرج ، وفى تلك الأثناء وضحت موهبته الشعرية واستقامت لديه ملكة الاداء ، فأنشأ يراسل مجلة (( الفكر ))
التونسية لصاحبها الأستاذ الكبير محمد مزالي ، كما أخذت مجلة الأديب البيروتية تنشر له بعض إنتاجه الشعرى ، وعندما عاد إلى وطنه مارس مهنة تدريس اللغة العربية بأحد المعاهد الثانوية ، وشارك فى نفس الوقت فى كثير من ألوان النشاط الأدبي والإذاعي ، كما شارك فى رئاسة تحرير (( المجلة
الثقافية )) التونسية ، وهو الآن أستاذ الأدب والدراسات القرآنية فى كلية الزيتونة بتونس ورئيس تحرير مجلة (( الشعر )) التى تصدر عن وزارة الشؤون الثقافية بالقطر التونسي .
* النزعة الرومنسية فى شعره :
كان لا بد لنا أن نقدم الحديث بين يدى القارىء بهذه النبذة عن نشأة الشاعر وتعليمه وثقافته ونشاطه الفكرى والأدبى ، لإيماننا بأن الألم - ولو في عجالة - بنشأة الشاعر وثقافته وتكوينه العقلي ، يعين الناقد كثيرا فى إلقاء الأضواء على إنتاجه ، وبالتالى التعرف على المؤثرات التى يقف وراء هذا الإنتاج .
إذن فنور الدين صمود شاعر نشأ فى بيئة طبيعية جميلة ، مليئة بالأشجار والاطيار ، غنية بالمياه والخضرة والظلال ، فواحة بالعطر والأشذاء وبالذات فى وقليبية التى جعلها موقعها الجغرافي من الوطن القبلى محطا للربابنة يرسو بهم فلكهم على حدود ثغرها ، فلا غرابة إذن أن يكون شاعرنا رقيق الإحساس مرهف المشاعر مستوفى العاطفة جانحا إلى الرومانسيه ، يجرى مع تيارها الحالم بكل ما يتميز به هذا التيار من تعلق بالمثالية وفرار من الواقع وانطواء على الذات واجترار للذكريات والتهويم فى عالم مجنح الرؤى ، والافتتان بنظريات تأملية فلسفية فى الحياة تغلفها نزعات وأشواق صوفيه تشوبها مسحة من الحزن والأسى وقد تتخللها نزعة إلى اقتناص اللذات .
وقد ذهب الأستاذ أبو زيان السعدى فى كتابه (( الأدب التونسي المعاصر )) إلى أن الروح الرومانسي الذي يسرى فى قصائد بعض الشعراء التونسيين - ومنهم نور الدين صمود - يرجع إلى الظروف الاجتماعيه والسياسية التى عرفها المجتمع التونسي خلال الأربعينات والخمسينات من هذا القرن ، وما ساد البلاد من استبداد وقهر سياسي ملأ النفوس هما وحزنا وأفعم القلوب ألما وأسى ، دفع بالكثير من هؤلاء الشعراء إلى إيثار العزلة والانطواء خوفا من قسوة الواقع وصرامة ردود أفعاله ، فهرعوا الى الوهم والخيال ولاذوا بالتهويم فى عالم الذكرى واجترار الأحلام ومداعبة الأمانى العذاب وملاحقة الأطياف الشاردة والرؤى المجنحة لتتعزى النفوس عما افتقدته فى دنيا الواقع وتتلهى عنه بما يشبه أحلام اليقظة .
ولكننا لا توافق الأستاذ أبا زيان على هذا التعليل لظهور تلك النزعة الرومانسية فى شعر نور الدين صمود ، ذلك أن غلبة هذه النزعة على الشاعر - أبا كان هذا الشاعر وفي أى زمان أو مكان - إنما ترجع فى المقام الأول إلى فطرته التى فطر عليها واستعداده الطبيعى وميله النفسى إلى الانفعال برهافة شديدة فى الحس ورقة مسرفة فى الشعور وانطلاق جامح في العاطفة ، وهذه كلها أمور لا يد للشاعر فيها ولا تأثير عليها للظروف السياسية أو الاجتماعية المحيطة به .
حقيقة إننا لا ننكر أن للبيئة والظروف الخارجية المحيطة بالشاعر تأثيرا قد يساعد على ظهور تلك النزعة الرومانسية وتفجير ينابيعها الكامنة فى نفسه وقلبه ، ولكن هذه النزعة تظل قبل كل شئ وبعد كل شئ جزءا من فطرة الشاعر وتكوينه النفسى .
نعود فنقول إنه قد صدرت لنور الدين صمود حتى الآن مجموعتان شعريتان إحداهما بعنوان : (( رحلة فى العبير )) وتشمل بعض منتخبات من انتاجه الشعرى الذى نظمه قبل صدور هذه المجموعة ، والثانية تحمل عنوانا من شقين : (( صمود ، أغنيات عربية )) .
* نزعة التجديد عنده :
ويهمنا قبل أن نعرض لأهم الملامح البارزة فى شعر نور الدين صمود أن نشير فى هذا الصدد إلى جهوده ومحاولاته فى تطوير شكل القصيدة العربية .
والواقع من الأمر أنه يعتبر بحق واحدا من أولئك الشعراء التونسين المعاصرين الذين أسهموا فى تطوير شكل القصيدة وتمردوا على هذا الشكل وحاولوا التجديد والتطوير فيه . ولعل أول ما بدأت محاولاته فى هذا المجال أن تكون قد بدأت بالقافية ثم تطرقت بعد ذلك الى الأوزان ، فحاول أن يدخل من خلال تجربته الشعرية شكلا جديدا للقصيدة العربية يتحرر فيه من ربقة القافية وقيد الروى ، وقد عبر عن هذه المحاولة بقوله :
أريد ابتكار المعانى
وخلق أغان
أريد المعانى التى لم تلح بخيال البشر
وأغنية لم يدر لحنها بظنون الوتر
ولكنها لم تكبل
بحبل القوافى
ومن هنا فإننا لا نعتبر نور الدين صمود شاعرا عموديا وإنما هو شاعر متحرر ، ينظم أغلب قصائده بالطريقة الجديدة ، ولكن بوعي ودربة بأساليب هذه الطريقة أبعدته عن الإسفاف والابتذال اللذين غرق فيما بعض الشعراء المحدثين .
ولم يقف الشاعر عند حد الثورة على شكل القصيدة فحسب ، بل تجاوزه إلى محاولة التجديد والتنويع في أوزان الشعر ذاتها ، فكتب بمجله (( الحياة الثقافية )) التونسية مقالا بعنوان : (( محاولات لوضع بحور جديدة من عهد الخليل إلى الآن )) - تحدث فيه عن حوالى عشرين محاولة لشعراء قدامى ومحدثين حاولوا ابتكار أوزان جديدة واستنباط بحور مستحدثه ، خاصة ما عرف ب (( البحور المقلوبة المهملة )) ، كما تحدث عن محاولات بعض الشعراء مزج التفعيلات التى تتكون منها بحور الشعر للحصول على بحر جديد ، وقد حاول نور الدين صمود نفسه أن يمارس هذا المزج بين التفعيلات فنظم قصيدة بعنوان : (( الى ميلاء )) (1) .
* النظرة الى المرأة فى شعره :
لقد صدر الشاعر فيما نظم من أشعار مجموعته الأولى : (( رحلة فى العبير )) عن تلك الروح الرومانسية المتغلغلة فى نفسه الممتزجة بروحه وقلبه ، الكامنة فى أعماق أعماقه ، ومن هنا فإن هذه المجموعة تمدنا بالسمات الحقيقية لوجه الشاعر وتحدد لنا بوضوح الملامح البارزة لأسلوبه الفنى فى الشعر ، وتبين لنا الأغراض التى دار حولها شعره ، بحيث يمكننا أن نتعرف عليه من خلال هذه المجموعة الشعرية الصغيرة ، وأن نتعرف على خط سيره النفسى والفنى الذي مر بهما عبر رحلته الشعرية . وكما يقول أبو زيان : إنه منذ الوهلة الأولى يرتسم في الذهن خاطر لا يمحي أبدأ ينبئ عن نفسية الشاعر ويشى بالخط العاطفي الذي صدرت عنه أعماله ، هو هذا الروح الرومانسى الذى يسرى فى قصائده .
وإذ كان الرومانسيون يحتفلون أيما احتفال بالشعر العاطفي الوجدانى ، فقد انصرف شاعرنا بكليته إلى الغزل ؛ فمعظم قصائد (( رحلة فى العبير )) مضمخة بعطر الأنثى ، ممتزجة بأنفاسها ، تفوح منها أشذاء فاغمة لشقراوات
وبيضاوات وسمراوات بل وزنجيات جميلات ، حتى أن ديوانه الأول - كما يقول أبو زيان - يكاد يكون متحفا لكل هؤلاء النسوة ، يسمعهن كلمات الغزل الرقيق إرضاء لرغباتهن ، استمع إلى مناجاته يخاطب فيها إحدى الشقراوات :
شقراء يا دمية أوهامنا كم عشت عبر الوهم في وهمى
إن صرت يوما طوع ما أشتهى برقعت وجه البدر بالغيم
طرزت بالفيروز أطرافه سيجته بالشم والضم
شقراء قولى أين أين اللقا أم نلتقي فى شاطئ الوهم
ثم هو يقول عن إحدى الزنجيات :
حبيبتى زنجيه
سوداء أفريقية
من قارة النغم
ومن قرارة الألم
وهو بهذا يذكرنا بتنقلات بودلير بين البيضاوات والسمراوات ، وهيامه (( بجان دوفان )) تلك الخلاسية تارة ، وبمدام (( أبو ساباتيه )) تارة اخرى .
على أن شاعرنا ينظر إلى المرأة نظرة وجلى مثالية يقصر اللفظ عن أن يحيط بجمالها وسحرها ، فالمرأة فى كثير من قصائده هى المصدر الأول لسعادته التى لا تحد بحدود ، وهي فى نفس الوقت منبع لشقائه الذي لا يقاس به شقاء ، إنها قريبة منه أشد ما يكون القرب ، ولنها فى ذات الوقت بعيدة عنه أشد ما يكون البعد ، لا تستطيع أمانيه اللاهثة وراءها أن تحتويها لفرط بعدها منه وجلالها وقداستها فى نفسه ، إنها مطلب أساسى ينبغى السعى وراءه وحاجة من حاجات النفس الملحة :
سأركض خلفك يا زهرتي فإنى فراش يحب الزهور
ويبحث عنها بشوق ملح ولو نبتت فى رحاب الأثير
وهذه الصورة الشعرية التى تكثر فى قصائد الشاعر تحمل لنا دلالة على نفسيته ؛ فهو أبدا ظاميء الروح والجسد إلى المرأة ، وهو دائما مثالى النظرة والتصور للمرأة ، ولا غرابة في ذلك ، فنحن ازاء شاعر رومانسى من الدرجة الأولى تأثر تأثرا شديدا بمفاهيم الرومانسيين والتزم أسلوبهم فى المعالجة والفن وتأثر خطاهم فى طريق الظلال والدموع والآهات .
وقد لاحظ الأستاذ محمد الصالح الجابرى فى كتابه : (( الشعر التونسي المعاصر )) أن الشاعر تحول فى بعض فترات حياته وإنتاجه الشعرى من تعبد للجمال والبهاء والنضارة ، ومن إجلال وتقديس للمرأة إلى عزل مغرق في طلب اللذة والجسد ، فلم يعد ذلك الشاعر الذى يقنع بزورة حلم ولمسة كف وهبة عطر وخصلة شعر ووردة تذكر بخد المحبوبة المستغرقة فى مخدات الريش ، ولكن كما يقول في قصيدته عن (( جينا )) تلك الفتاة الإيطالية الحسناء التى صادفها ذات صيف بأحد فنادق روما :
وبدت فى النزل غاده
دخلته فى سكون
مثلما تدخل في القلب السعاده
دخلت كل قلوب الحاضرين
فوق نهديها قلاده
من زهور الياسمين
أيقظت فى الأمانى المستحيله
بعثت فى خيالات الطفوله
بهذه الألفاظ الشاعرية السهلة أفرغ نور الدين صمود شحنة انفعال اللحظه بإحساس صادق يشي برغبة حسية جامحة ، فهذه الإيطالية الحسناء دخلت قلوب كل الحاضرين - ومنهم شاعرنا بطبيعة الحال - وأيقظت فيه الأمانى المستحيلة وبعثت فيه خيالات الطفولة ، وغنى عن البيان ما توحى به عبارة (( الاماني المستحيلة )) و (( خيالات الطفولة )) من معان وتصورات وايماءات ، وهنا تكمن مقدرة الشاعر في اختيار الألفاظ الموحية التى تدع الأفكار تتوارد وتتداعى .
استعمال الرمز والأسطورة عنده :
وهذه المقدرة فى اختيار الألفاظ الموحية تجرنا إلى الحديث عن استعمال الرمز والأسطورة فى شعر نور الدين صمود .
ولعله أن يكون من نافلة القول أن التجاء الشاعر إلى عالم الأساطير ضرورة من ضرورات الرمز إذا لم يعد قادرا على الكتابة الصريحة المباشرة فيستعين بما ترمز إليه الأسطورة عندما تعجز اللغة التقريرية عن توصيل معانيه إلى القارىء .
والإيماء إلى الأساطير لون من ألوان الرمز التى وجد فيها الشعراء والادباء أداة طيعة للوصول إلى المعانى المجردة والمشاعر والأحاسيس التى تعجز اللغة المباشرة عن إدراكها واللحاق بها والتعبير عنها . على أنه يشترط أن يستعمل الشاعر الأسطورة وما توحى به من ظلال وإشعاعات وايماءات وتصورات ودلالات بقدرة وبراعة وذكاء ، وإلا فإن الإكثار منها أو إساءة استعمالها يضيع على القارئ
فرصة الاستغراق والمتابعة والتلاحم مع فكر وعواطف الشاعر ، لانه سينصرف عن الموضوع الأصلى إلى ما يتيحه الرمز والأسطورة من لمحات جانبيه ، بالرغم من أن المفروض في الرمز أو الأسطورة أنهما يوفران للشاعر الجيد إمكانيات فنية كبيرة ويقدمان له مساعدات لا تتوفر لديه بدونهما ، ويمنحانه الفرصة لتعميق أصول تجربته الشعرية ومد جذورها الى أعماق النفس والتاريخ .
وقد احتفى نور الدين صمود فى شعره احتفاء كبيرا بالأسطورة كرمز يثير العواطف والاحساسات الراكدة فى النفس ويوحى بأكثر من معنى ودلالة ويفتح للقارئ آفاقا رحبة من الايحاءات والتصورات وتداعى المعانى .
على أن الاستاذ أبا زيان أخذ عليه إيغاله فى الأساطير والرموز كما فعل في قصيدته (( مأساة سيزيف )) وقصيدته الموسومة (( سياج الحب والازهار )) وقصيدته (( أسطورة من عهد القراصنة )) .
وبعد ...
فهذه بعض اللمحات والملامح العجلي عن شعر نور الدين صمود ، الشاعر الرومانسي الرقيق ، شاعر الفراشات والأحلام والعبير الذى يجيد فن مخاطبة المرأة ويحسن الحديث عنها ، وقد يقع خلال ذلك على صور بديعة ومعان مبتكرة طريفة تدل على موهبة أصيلة ومقدرة فنية خلاقة . ولا يسعنا ونحن نختتم هذا المقال إلا أن نتمنى لشاعرنا المزيد من التوفيق فى العطاء وإثراء خميلة الشعر العربى بكل جديد ومبتكر .

