الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

ملامح فى القصة القصيرة، عند حياة بن الشيخ

Share

حياة بن الشيخ بين كاتبات القصة القصيرة فى تونس :

تزخر الساحة الادبية المعاصرة فى تونس بالعديد من كاتبات القصة القصيرة من أمثال حياة بن الشيخ ونافة ذهب وهند عزوز وفاطمة سليم وبنت البحر وناجية ثامر ودليلة الزيتوني وفاطمة حيرى ورشيدة التركى وشفيقة الساحلى ونتيلة التباينية وحفيظة يمن وشريفة عرباوى وغيرهن

وقد برزت موهبة معظمهن فى كتابة القصة القصيرة أول ما برزت على صفحات مجلة " الفكر " الغراء التى لها دور محمود في ازدهار وانتشار القصص القصيرة ، وكذلك مجلة " قصص " التونسية التى يصدرها نادى القصة بتونس ، كما أن لبعضهن مجموعات قصصية منشورة كمجموعة بنت البحر المعنونة " الطفلة انتحرت " ، ومجموعة " بلا رجل " لحياة بن الشيخ ، ومجموعات " أعمدة من دخان " لنافلة ذهب ، ومجموعات ناجية ثامر " اردنا الحياة و " سمر وعبر " وغير ذلك من مجموعات القصص القصيرة

وبطبيعة الحال تتفاوت مقدرة أولاء الاديبات فى ممارسة فن القصة القصيرة والاخذ بقدر أو بآخر ، بتقنياتها وأصولها وقواعدها المتعارف عليها فى مدارس النقد الحديث ، سواء فى ذلك من حيث البناء والنسج أو الشكل والمضمون وما يتصل بذلك من الاسلوب واللغة واستعمال الحوار الداخل واللجوء الى البناء الدائرى " فلاش باك " والحبكة القصصية وتصوير المواقف ورسم الشخصيات واستخدام الرموز وغير ذلك من تقنيات القصة الحديثة

- وهذا كله لا يعنينا الآن في دراستنا الحالية وربما تناولناه في دراسة اخر وانما الذي يعنينا هو الحديث عن بعض الملامح والسمات البارزة فى القصة القصيرة عند الكاتبة الشاعرة والاديبة الواعدة حياة بن الشيخ .

حقيقة ان الفن القصصي عند أديبتنا حياة لم يكتمل نضجه تماما ولم تتملك بعد ناصة هذا الفن ولم تشق طريقها نحو الاكتمال والنضج ، ومع ذلك فاننا لا ننكر عليها أنها تقترب من تقنيات القصة القصيرة بمفهومها الحديث اقترابا وان لم يكن ملاصقا الا انه يدل على أن الكاتبة تدرك بشكل جيد وكيفية واعية فنيات القصة القصيرة الحديثة المعتمدة على مبدأ الوحدة ؛ وحدة الدافع ووحدة الهدف ووحدة الحدث ووحدة الانطباع ، وعلى الصياغة المكثفة المركزة ودرامية الحدث القصير المتطور المتنامي ، والزمن السريع وعنصر التشويق واللغة الايحائية البسيطة التى تساعد على خلق الجو العام ، والمضمون المختفى بين أبعاد الرؤية ، والقدرة على رسم الشخصيات وتصوير المواقف والمشاهد والوصف والسرد والتحليل والحوار الخارجى والمناجاة الباطنة " مونولوج انتريور " ، وابراز أثر البيئة فى العمل الفني والتأكيد على بعض القيم الاجتماعية والمثل الاخلاقية من خلال نبرة الغضب والسخط والثورة والتمرد والشكوى وعدم الرضى التى تعلو أحيانا علو زاعقا فى الكثير من أقاصيصها كل ذلك فى ألفاظ رشيقة ذات دلالات بلاغية موحية لا تخلو من شفافير وشاعرية مع الحفاظ على الخط العام القصصى

نزعة السخط والغضب :

فالكاتبة تتميز في أقاصيصها بتصوير الموقف فى عبارات مركزة مكثفة وجمل قصيرة موجزة تلائم المضامين المطروحة وتعبر عن صراع الاعماق : صراع الاحلام المرتبطة بصخرة الواقع بكل آلامه وعذاباته ومعاناته ومفارقاته ومتناقضاته ، وكثيرا ما تتصارع فى كتاباتها القصصية هموم اللحظة بين ما هو كائن وبين ما ينبغى أن يكون ، بين الحلم والحقيقة ، بين الخيال والواقع بين الامل والالم ، بين ما يريده الانسان وما يراد به ، ومن هنا فاننا نلمس بوضوح أول ملمح من ملامح القصة عند حياة بن الشيخ وهو نبرة السخط والتمرد والرفض والغضب لكل قبيح وذميم ومرذول ، وتعرية الزيف والنفاق والخداع والانتهازية والوصولية والتهريح ونشدان حياة يسودها العدل الاجتماعى وتكافؤ الفرص وقيم الخير والحق والجمال

التيار الواقعي النقدى :

ومن هنا نستطيع أن نقول أيضا : إن كتابات حياة بن الشيخ القصصية تجنح الى تيار الواقعية النقدية التى حاولها فلوبير ويلزاك وموباسان واستندال وادمون دى جونكور وتشيخوف وتولستوى وتورجنيف ودستوفسكى فى كتاباتهم القصصية وحاولوا فيها ان ينظروا الى الواقع نظرة تكشف عن حقيقته بكل مساوئه وتناقضاته وصراعاته بعيدا عن الظاهر الزائف الذي يتحلى بالاخلاق والمثل الخيرة على سبيل تغطية مطامعه الخبيثة

والواقعية النقدية كمذهب ادبى - تميل بطبيعتها الى الرفض والتشاؤم لان الشر بالنسبة اليها عنصر أساسي في النفس البشرية ، ومن هنا فهى ترى أن كل مهمتها تتركز فى الكشف عن حقيقة الطبيعة البشرية وسلوكيات الشر من خلال علاقات بعضهم بعض ، أما تغيير هذه الطبيعة أو تلك السلوكيات أو تحطيمها أو اصلاحها أو اقتراح العلاج وطرح الحلول ، فليس هذا من اختصاصها ، لان الفنان والاديب ليس مصلحا اجتماعيا يبحث عن إجابات وحلول لمشاكل المجتمع ، وانما يكتفى بالقاء الاسئلة وطرح القضايا التى تكشف الواقع وتعريه مهما كانت الحقيقة قاسية ومؤلمة ومريرة وقبيحة أيضا .

ولا يعنى ذلك بطبعية الحال أن الواقعية النقدية تدعو الى السلبية واليأس والاستسلام ونفض اليد من مشاكل المجتمع والهروب من الواقع المعيش والاكتفاء بتعرية هذا الواقع وتصويره كما هو بكل ما فيه من تداخل وتعقيدات وصراعات ومتناقضات وعرضه كما هو بالفعل ، وانما الفنان والاديب يستطيع من خلال انتهاج التيار الواقعى النقدى أن يدلى بوجهة نظره فى الواقع المحيط به ابتغاء تحويله وتطويره الى مجتمع جديد ، وأن ينفذ ببصره ويصيرته إلى أعماق أبعد ورؤية أوضح ، ويضرب الناقد أرنست فيشر مثلا لذلك بالروئي الفرنسى الواقعى استندال الذى كان فى حكمه على الواقع الاجتماعى لعصره فى الايام التالية للثورة أصدق بكثير من الرومانسيين المتطلعين الى الوراء واجترار ذكريات الماضى

على أننا نعتقد أن أديبتنا حياة في انتهاجها التيار الواقعي النقدي لم تلتزم فى تعبيرها عن الواقع بوجهة نظر عقائدية معينة ، وانما هي تكتب بدافع من احساسها بما يدور حولها وادراك واع منها لحركة المجتمع الذي تستلزمه

المرحلة الحضارية التى يمر بها ، فهي تعبر عن هذا الواقع كما انطبعت صورته فى وجدانها ومشاعرها ، متطورة مع قضايا المجتمع ومشكلاته ، مبتعدة عن أن يكون فنها وابداعها أداة لمذهب سياسي أو وسيلة دعائية لحزب أو بوقا لفكرة .

رفض الواقع الممزوج بالسخرية :

قلنا : إن أول ملمح من ملامح القصة القصيرة عند حياة بن الشيخ هو نبرة السخط والتمرد والاحتجاج ورفض الواقع الممزوجة بالتهكم عن طريق التلميح والغمز واللمز والرمز والسخرية من الاوضاع الاجتماعية المعيشة وإثارة خيال القارئ بكيفية تمكنه من القاء نظرة جديدة الى هذا الواقع الذي يحيط به من كل جانب ، بل وتؤدى أحيانا إلى اعمال الفكر واطلاق الملكات الانسانية الكامنة فيه ، فيشعر حينئذ بأنه قد آن الاوان للتيقظ من الغفلة ونفض آثار الكرى عن جفنية وتغيير حياته

ونعتقد أن كاتبتنا قد تأثرت في كتاباتها القصصية بكتابات الادباء والشعراء الرافضين المتمردين الغاضبين من أمثال جون اسبورن وجون وين من الذين عالجوا فى رواياتهم ومسرحياتهم السلوك الاجتماعى والفردى فى مجتمع ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وعالجوا مشكلات الجنس والسلطة والفقر واليأس بمفهومها المعاصر

فنزعة الغضب والاحتجاج والسخط وعدم الرضى يتسم بها الادب الاوربى فى العصر الحديث ويمثلها أصدق تمثيل الكاتب المسرحي " جون اسبورن " زعيم مدرسة الشباب الغاضبين فى انجلترا ومؤلف مسرحية " انظر خلفك في غضب " وكذلك " جون وين " الذى يقول : " أنا غاضب على هذا المجتمع . لانه يستعبد الانسان ويعبد الآلة "

نماذج لنزعة السخط وعدم الرضى فى كتابات حياة بن الشيخ القصصية :

لقد عبرت حياة بن الشيخ من خلال شخصيات العديد من أقاصيصها القصيرة عن نزعة الغضب والسخط وعدم الرضى ، ولعل أبرز مثال لذلك أن تكون قصة " الجدار والأفق " ( 1 ) ففي هذه القصة تعبر الكاتبة عن هذه

النزعة من خلال شخصية موظف يصب جام غضبه ويفرغ سخائم نفسه وحقده ، كر اهبته على كل ما حوله وكل من حوله ، على نظام العمل فى المصالح الحكومية على المرأة والفن والثقافة والصحافة ، وتستخدم الكاتبة فى هذه القصة أداة الحوار الداخلى أو المناجاة الباطنة للتعبير عن مشاعر السخط وعدم الرضى التى تحتمل فى نفس هذا الموظف والتى تكاد تحرقه وتخنقه

والجدير بالملاحظة في هذا الصدد ان الكاتبة استطاعت ان تفرغ هذه الشحنات الدافقة من الغضب والسخط بمقدرة ومهارة فى عبارات قصيرة موجزة وجمل مركزة مكثفة وكلمات بسيطة موحية ، أشبه بلقطات سريعة جمعتها من هنا وهناك أو ومضات خاطفة وزعتها هنا وهناك ، كأن الكاتبة اشبه بالفنان التشكيلي الانطباعي ذى اللمسات السريعة والضربات المركزة بالفرشاة بهدف الحصول على تأثيرات قوية وسريعة ومساحات زاخرة بالاضواء والالوان ذات انفعالات مثيرة .

فقصة الجدار والافق تكاد تكون أنموذجا مثاليا لنزعة الغضب ونبرة السخط التى تكاد تنتظم جل أقاصيص أديبتنا حياة بن الشيخ لولا ما شاب نهايتها من اقحام قصة الملك العابث الذى يعيش بين الجوارى والخصيان والمغنيين والشعراء المداحين المتملقين ولا يستمع الى نصيحة رجل جرئ من أبناء الشعب قال له ذات يوم : " مولاى الظلم يتفاقم القوم يحتضرون ألا من لفتة رحمة " . فهذه القصة المقحمة على رمزيتها وخدمتها الى حد ما للمضمون المطروح ، الا انه لم يكن لها محل في سياق القصة الاصلية وتعتبر حشوا لا لزوم له وغير مناسبة لجو القصة العام

صرخة احتجاج في وجه الفساد الاجتماعى :

كذلك من نبرات السخط والرفض المميزة فى أقاصيص حياة بن الشيخ تلك النبرة التى تعلو زاعقة فى وجه الظلم والفساد الاجتماعى والانتهازية والوصولية والتملق والتهريج واحتكار الفرص والثراء الفاحش الذى يتمتع به البعض والتفاوت الكبير بين طبقات المجتمع ، وهذه كلها بطبيعة الحال أوضاع قائمة وأدواء مستشرية فى جميع المجتمعات البرجوازية تعانى منها الطبقات الفقيرة وتعاني من التناقضات والمشكلات الناجمة عنها ، كمشكلة الزواج ومواجهة أعباء الحياة الزوجية وتأسيس منزل الزوجية مع العجز المادى عن ذلك ، وما يترتب عن هذا من تضييع فرص الزواج فى وجه الشباب بسبب هذا العجز المادى عن مواجهة تكاليفه ، وشعور الشباب بالاحباط والضياع

والسخط الى حد اليأس والاستسلام أحيانا ، واهتزاز القيم والمثل العليا أمام عينهم أحيانا أخرى ، الى حد الانحراف والبحث عن الثروة بأية وسيلة وعن أي طريق ولو كان عن طريق الجريمة و التفريط فى الشرف .

وتبدو هذه النبرة الساخطة الغاضة الرافضة باختلاف ألوانها وايقاعاتها أوضح ما تكون فى قصة " لم يكن هو الاقوى " ( 2 ) التى يبحث فيها البطل عن المال عن طريق الجريمة و " . كذلك قصة " خطوط فوق جدار الجحيم " ( 3 ) التى تسلط فيها الكاتبة الاضواء على أساليب الانتهازيين والوصوليين والبهلوانات المتسلقين الذين تجرى الاموال بين أيديهم ، وفيها يقول البطل : " تخامرنى فكرة لو أصبح بهلوانا . . أحسن مهنة تدر الاموال الطائلة وتفتح أمام صاحبها أبواب الرزق . . العالم الآن لا يصفقق ا للبهلوانات فلأجرب حظى ربما أصبحت زعيما لبهلوانات هذا البلد "

كذلك قصة " الصراصير " ( 4 ) ، فانها تفيض من خلال الحوار الخارجي والمناجاة الباطنة بالشكوى والمرارة والسخط على الاوضاع والمجتمع والحياة والسخرية من الحب والسعادة مع حياة الفقر ، " فالواقع لا يتطلب الا نقودا نقودا وفيرة . أما ما عداها فسلة المهملات مآله وتثير الكاتبة فى هذه القصة مشكلة العجز المادي أمام تكاليف الزواج وتقول على لسان البطل " فى هذه الايام التعسة لم يعد الرجل العاقل يطمح لاكثر من أكلة شهية وامرأة ساذجة يقضى معها وقتا لطيفا ولا يكون غبيا فيرتبط بها ما دامت الامكانيات قد قيدته بأصفاد العجز "

وفي المقابل نجد الكاتبة فى قصة " حين يجن الجنون " ( 5 ) تصور لنا تطلعات فتاة من طبقة فقيرة تنشد الزواج من رجل ثرى وتهزأ بحديث فتاها عن القناعة والقيم والمثل العليا ، وتسخر من العمل الادارى الذى لا يدر الا دخلا ضئيلا ، كما تهزأ من نظام الشراء بالتقسيم ، شراء مسكن الزوجية وتأثيث هذا المسكن ، وتغريها ثروة رجل ينساب المال بين يديه وتهفو إلى حياة الطبقة الراقبة الزاخرة بالرفاهية ، طبقة الارستقراطية التى يذوب العمر رخيصا فى سبيل الوصول إليها وتقول : " أنا أكره الفقر والحياة لن تكور

سوى معاناة وتقشف سام . الحب ترف لا يجوز للفقراء التفكير فيه متى سننعم بالعدالة الاجتماعية ؟ وهم لن يجد طريقه فى هذا البلد " .

ويحاول الرجل أن يعتدى على الفتاة بعد أن اكتشفت حقيقة أمره وبأنه متزوج من سيدة أجنبية ثرية فتقاومه الفتاة مقاومة شديدة ، ، فيطردها من شقته عارية بعد أن يكون قد ألقى بثيابها الى الشارع فتصاب بانهيار عصبى وتدخل مستشفى الامراض العقلية حيث تهيئ لها الاوهام فكرة الاتجار بالضفادع " أكلة الاثرياء " حتى تصبح غنية ثرية

كذلك قصة " حفنة أيام من الزمن الميت " ( 6 ) ، وهي قصة فى شكل يوميات تعبر فيها أديبتنا من خلال كاتب هذه اليوميات عن بعض مشاعر التمرد والسخط والغضب الممزوجة بالتهكم والسخرية كحديث كاتب هذه اليوميات عن الكفاءات المطلوبة فى المجتمع وهى : " النهب والانحطاط الخلقي والرياء والنفاق والشذوذ والسادية "

التطلع إلى واقع افضل :

وعلى الرغم من نزعة السخط التى تكاد تسرى فى جميع أقاصيص حياة بن الشيخ ، فان بعض أبطال هذه الاقاصيص يتطلعون الى واقع أفضل كما نلاحظ فى قصة " حفنة أيام " المشار إليها آنفا ، حيث يقول بطل القصة : " الحياة جائعة . ليست فى حاجة الى اشعاعات ذرية أو أقمار بقدر ما هي فى حاجة الى نفحات ود ونسائم انسانية تعيد النفس المفقود الى روح الخير المتخاذلة "

وهذا التطلع الى الافضل والاحسن نلمسه أيضا أوضح ما يكون فى قصة الغرباء " ( 7 ) وفيها تدير بطلة القصة حوارا داخليا بينها وبين نفسها تتطلع فيه الى " مجتمع يفهم الحقيقة الاصلية للانسان " وتنتظر انسانا كما تفهمه وتريده وتضع يدها فى يده وتفر معه بعيدا بعيدا . " نبحث سويا عن نعل الانسانية الممزق ترتقه بوثبة أوهامنا المضيئة ونخيط ثقوبة بأحلامنا التي ما فتئت تراود مثوى الشهب وتقول البطلة فى ختام القصة : " إنى سأعيش أبدأ منشطرة الى ثلاثة أجزاء . . ممزقة بين ما أريد وما لا أريد وما يمكن وما لا يمكن أن أريد " .

وصف المواقف والشخصيات واستعمال الحوار الداخلى :

أما الملمح الثاني من ملامح القصة القصيرة عند حياة بن الشيخ فهي مقدرتها التى لا شك فيها على تصوير المواقف والمشاهد ورسم الشخوص القصصية واستعمال الحوار الداخلى كأداة فنية من أدوات كتابة القصة الحديثة .

ولعله يكون غنيا عن البيان أن كتاب القصة القصيرة يلجؤون فى " التشخيص " أو رسم الشخصيات الى عدة طرق ؛ منها الطريقة التفسيرية للتشخيص وهي أن يصف الكاتب شخوص القصة أو يجرى الحديث عنها سواء بمعرفته أو عن طريق شخصية اخرى ، ومنها طريقة التشخيص الدرامى التى ترينا الشخص فى أثناء تحركه وسلوكه وكلامه وأفكاره ، فنصل عند ذلك كله إلى استنتاجات تتصل بشخصيته وأهوائه وعلاقاته بالشخصيات الاخرى فى القصة .

وقد استعملت حياة بن الشيخ فى كتاباتها القصصية هاتين الطريقتين على حد سواء ، فاستعملت الطريقة التفسيرية فى قصة " الصراصير " حين جعلت بطل القصة يصف القهرمانة صاحبة الماخور

أما الطريقة الدرامية للتشخيص فاستعملتها الكاتبة فى قصة " لم يكن هو الاقوي " عندما جعلتنا نتعرف على شخصية البطل " البلطجى من خلال حديثه وحركاته ومعاملاته ، وكذلك قصة " الغرباء " عندما جعلتنا نتعرف على بطلة القصة بأنها شخصية متمردة ناقمة ثائرة رافضة معذبة الفكر ثائرة الطموح دائية التشعلق في حبال التمرد ، تهفو أن تكون فى يوم ما انسانه كما تحب أن تكون وكما يتحتم أن تكون

أما تصوير المواقف ، فلعل مشهد محاولة الرجل اغتصاب الفتاة فى قصة " حين يحن الحنون " والصراع والمقاومة التى دارت بينهما خلال هذا المشهد أن يكون نموذجا لقدرة الكاتبة على تصوير المواقف ، فالتصوير فى هذا المشهد يتميز بالتركيز والتكثيف وتصوير الموقف الدرامي المثير تصويرا دقيقا مشحونا بالحركة والانفعالات ، بالفعل ورد الفعل بكيفية تعكس العلاقات النفسية والخلقية الموجودة فى تلك اللحظة .

الحوار الداخلى :

أما استخدام الكاتبة لإداة الحوار الداخلى أو تداعى الافكار ، فالملاحظ أنها عمدت الى استعمال هذه الاداة الفنية في العديد من أقاصيصها .

ولعله يكون غنيا عن البيان أن نذكر هنا أن رائد استخدام فن الحوار الداخلى فى الادب الروائى العالمى هو الكاتب الايرلندى الشهير جيمس جويس فى رائعته " يوليسيز " ، فيكاد النقاد الذين كتبوا عن ادب هذا الناثر الشاعر يجمعون على انه مبتكر تلك الاداة الفنية التى لم يكن لها سابقة فى الاعمال الادبية ، فلم يحدث من قبل أن عرضت بأمانة عمليات العقل بهذا التدفق الجارف كما عرضت فى قصة " يوليسيز " ، فأثبت الكاتب فى هذه الملحمة الرائعة ما يدور فى خلد شخصيات قصته جميعهم ، وقص دون أن يستمع اليهم الا قليلا جميع خواطرهم وانفعالاتهم ومراميهم ومرامهم وأفراحهم وأحزانهم ونجحهم وخيبتهم وماضيهم وحاضرهم وحركاتهم وسكناتهم وما يحيط بهم وما يؤرقهم من ذكريات الماضى البعيد وما يختلج فى صدورهم وقلوبهم من الحب والبغض والثأر والغيظ وعشرات اخرى من المشاعر والعواطف والاحاسيس التى لا تستطيع اللغة أن تعبر عنها ، كل ذلك فى دقة متناهية محيرة للعقل ، مستعينا فى ذلك بالمناجاة الباطنة أو تيار الوعى المتدفق أو ما يعرف بالمنلوج انتريور ، فترك الابطال والشخصيات يتحدثون على سجيتهم بتداعى الافكار ومناسباتها وتأثير المرئيات والمسموعات على الذكريات القديمة والرغبات المكبوتة والامانى المرتقبة التى يخجل المرء أو المرأة أن يبوح بها .

وهذه المناجاة الباطنة أو الحوار الداخلى بما تحمله من تعرية للنفس البشرية بكل فضائلها ورذائلها وكمالاتها ونقائصها هى التى أقامت الدنيا وأقعدتها عندما ظهر كتاب جويس ، فزعم نقاده وحاسدوه انه مقلد لادوارد دوجاران الكاتب الرمزي ولمارسيل بروست القصاص الفرنسي

نعود فنقول : ان فن استخدام الحوار الداخلى عند كاتبتنا حياة بن الشيخ ظاهرة واضحة تسربت الى كتاباتها القصصية نتيجة اطلاعها على الآداب الغربية ، فلا تكاد قصة من أقاصيصها تخلو من مثل هذه المناجاة الباطنة وخاصة عند ارتداد بعض شخصيات هذه الاقاصيص الى الماضي ورجوعهم الى الوراء ، على أن القارىء يلمح أحيانا فى بعض هذا الحوار نبرة تقريرية مباشرة ، وهذا بطبيعة الحال لا يقلل من قيمة العمل الادبي

وبعد ٠٠٠

فهذه بعض الملامح البارزة فى القصة القصيرة عند حياة بن الشيخ نرجو ان نكون قد وفقنا إلى تجليتها ، ولا نستطيع أن ننكر أن أديبتنا الموهوبة قد أثرت عالم القصة التونسية بعطاءاتها المبدعة ونتمنى منها المزيد من العطاء فى هذا المجال .

اشترك في نشرتنا البريدية