الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

ملصق الاعلانات

Share

وضع السلطلة الصغيرة على الارض وحافظة الاعلانات على المقعد الخشبى بجواره . . فتح لفافة الخبز وشريحة لحم الخنزير . . جعل يضع الحم وسط الخبز ، ثم شد قطعة الرغيف بكلتا يديه وشرع يأكل

وانتابه ألم فى رجله . فانكفأ يفتح حذاءه . . وتقلصت غضون وجهه وهو يخلع رجله اليسرى من وسط الحذاء . . عض على شفته السفلى بأسنانه ، ورفع قدمه إلى فوق على المقعد ، بحيث ظهرت ركبته نافرة تكاد تلامس ذقنه . . أسند ظهره إلى المتكأ الخشبى ، وراح يتطلع حوله إلى الاشجار الباسقة وأغصانها المتعانقة وسط حديقة - لكسنبورغ - وإلى التماثيل الجمالية القائمة هنا وهناك ، وحوض الماء المرمري المستدير .

كان هناك طفل يلهو بمركبة شراعية صغيرة . . يدفع بها وسط الحوض . . لكن التيار يأبى أبدا الا أن يميل بها ، فترتد يدفعها الريح لتصطدم بالحافة ، ويتلقاها الطفل ليعيد التجربة من جديد .

كانت جدته تراقبه على مهل .

ووقف طفل آخر صغير ، يتفرج على المحاولة من غير أن يتدخل . الا مرة واحدة . . حين دفع التيار بالمركبة الصغيرة ناحيته . . فهم أن يتلقاها ، وانحنى . . لكن صاحبها كان أسرع منه فى التقاطها ، والدفع بها من جديد تنساب فوق صفحة ماء الحوض الزرقاء .

انزل رجله من فوق المقعد ، وانحنى يلتقط حذاءه وأخذ يتفحصه بين يديه ، . . يبدو أن مؤخرته قد تآكلت بصورة واضحة . . فيما عدا

ذلك نعله لا يزال صحيحا ليس به أى شىء لكن لماذا هو يهتم به على هذا النحو . . أليس كل الناس أحذيها متاكلة من الخلف

أعاد رجليه إلى الحذاء . . ونظر إلى حافظة الاعلانات على المقعد بجواره ثم مد يده يتفحص كم بقى من الاعلانات لديه . . أنه استطاع منذ الصباح أن يستنفد كمية لا بأس بها . . وأخذ يعدها واحد . . اثنان . . ثلاثة . . أربعة . . ووصل تسعة عشر . . وأيضا عشرون إذن هو استنفد ثمانين اعلانا منذ الصباح . . يتعين عليه الآن اتمام الباقي

نهض واقفا . . بعد أن رفع السطلة بيد وحافظة الاعلانات باليد الاخرى . . ابتعد عن المقعد . . ومر بالقرب من حوض الماء كان هناك شيخ عجوز يجلس في دعة . . صامتا أمام الحوض المرمري الفسيح يرقب الاسماك الصغيرة وهى تطفو على السطح فى محاولة فاشلة للعثور على طعام تقتاته

تقدم من الشيخ . . وقال وهو يقدم له قطعة من الخبز

بإمكانك مراقبة الاسماك بصورة أفضل لو أطعمتها من هذه القطعة

نظر الرجل إليه . . وتبسم وتقبل قطعة الخبز منه

سار فى الشارع . . مارا بالاماكن التي كانت تلوح فيها اعلاناته ذات اللون الاحمر واللون الاصفر الفاقع . . والتى كان ألصقها منذ قليل بيديه على الجدران الداكنة . . وفوق مزاريب الماء . . وعلى الحواجز الخشبية التي تقام عادة حول مواضع البناء أو الاصلاح فى شوارع المدينة

لم تكن هذه الاعلانات ذات حجم كبير . . لكنها كانت تحمل لونا جذابا . . وكان مكتوبا عليها بخط جميل

بيع شقة حسنة الاضاءة . . مكونة من . . تقع بالطابق . . المخابرة مع .

منذ اليوم الاول عرف كيف يضع الاعلان في مكانه المناسب وكيف يعرضه بصورة اكثر جاذبية للانظار . . وليس هو الذى يقول هذا . . فصاحب الوكالة نفسه يشهد بذلك . . فكثيرا ما استقبله بالترحاب هو يهتف به

و  - تلقيت أثناء غيابك عددا من المكالمات التلفونية . . أن اعلاناتك وحدها هي التي جذبتهم إلينا لابد أنك كنت تعرضها بصورة حسنة .

ويربت على كتفة وهو صامت لا يتكلم . . وينظر إليه في استغراب . . ثم يضحك لكنه لا يشاركه الضحك ويدعوه إلى تناول كأس معه فى الحانة المجاورة فيذهب معه

والحقيقة أن تكون ملصق اعلانات . . بعيدا عن بلدكم . وفي مدينة كباريس . . لهو أمر غاية في التفاهة . . إنه يبعث في النفس القرف .

ولا تظن أن ذلك يتطلب منك خبرة . . إنه جد سهل ، تماما كما لو تشرب كأسا من الجعة . . فقط إذا ما أسرفت في الشرب . . ربما أعقب لك ذلك شيئا من الدوار . . وعندها تقرر أن تكتفى بهذا القدر وهذا ما أخذ يحدث بالنسبة إليه .

إنه الآن يضيق ببقية هذه الاعلانات . . ولا بد له من انجاز مهمته كاملة سيبدأ من هذا الشارع يمكنه أن يضع اعلانا في زاوية هذا الجدار قبالته من هنا .

وضع سطلته على الارض وإلى جوارها حافظة الاعلانات بعد ان جذب منها أعلانا واحدا . . أسنده إلى الجدار . . ورفع فرشاة اللصاق فطلا بها ظهر الاعلان . . وفي حركة رشيقة ألصقه بالحائط وانحنى يلتقط أشياءه ، ثم انصرف دون أن يلتفت . . ومن غير أن ينظر في الوجوه التي كانت تتجاوزه .

وحين كان يهم بقطع الشارع . . شاهد أناسا يلتفون أمام الاعلان . . وشعر كما لو كانوا يلتفون حوله . . كما لو أنه عار . . مصلوب على الحائط في وجه ذلك الاعلان . . والنظرات النافذة تخترقه . . تنهشه . . تحرقه

أن ينتابك أحساس غريب كهذا . . وأنت تؤدي عملك . . فذلك لشيء غاية في البشاعة .

وانعطف مع طريق فرعي . . شبه خال من المارة . . وتوقف ليشعل سجارة بعد أن وضع السطلة وحافظة الاعلانات بين قدميه . . وإذا هذه المرأة تتوقف لتسأل :

- ألا توجد لديكم شقق للايجار . . دائما تعلنون عن شقق للبيع . كأن الناس كلهم قادرون على الشراء

وأجابها وهو ينظر فى عينيها جيدا كأنه يحاول أن يستشفهما .

لكن يا سيدتي . . ليس لي أنا

وقاطعته وهى تبتسم

- أدرى أنه ليس لك أي دخل في هذا ، لكن أليس ما أقوله صحيحا .

وباد لها ابتسامة بلهاء وهو يقول :

- تماما إنه لكذلك

وانحنى يلتقط أشياءه . . راحت المرأة فى سبيلها . . وراح هو يوزع أعلاناته على الجدران

- وإذا صبى يركض وراءه ثم توقف يسأله بلهجة الاطفال حين يسألون

- هل لك يا سيدي أن تناولني ورقة ؟

وضع السطلة على الارض . . وابتسم للصبي . . وهم بأن يسأله : عم سفعله بهذه الورقة . . لكنه تذكر أنه كثيرا ما كان هو نفسه يقوم بأعمال لا يدرى لماذا كان يقوم بها . . فهو يفعل أي شيء لانه ليس بإمكانه الا أن يفعله ، وأن يظل فيما بعد يتساءل . . لماذا هو فعل ذلك .

لا حاجة لان يحرج هذا الصبي . . إنه طلب ورقة وكفى وقال مداعبا أياه :

- تريدها حمراء أم صفراء ؟

ثم ناوله من كلا اللونين

لم يبق لديه سوى بعض الاعلانات سيتصرف بمصيرها على النحو الذي يروق له . إنه بفرشاته هذه يمكنه أن يبعث بها حية متى شاء . . أو ليست الحياة سوى أداء عمل وهذه الاعلانات متى أصبحت معلقة على حائط أخذت تؤدى عملا ، وبالتالى فهي تمارس الحياة . . وهو وحده الذي يصنع هذه الحياة أو يمنعها

وجذب انتباههه فتى وفتاة كانا يقفان على الرصيف . . كان الشاب يتحدث إليها ، ويداعب راحتها وهي تبتسم له وتذكر صديقته - كرمال - لا بد له أن يراها هذا المساء ، كم يشعر أنه في حاجة إليها .

وأمام سلة المهملات المشدودة إلى أحد الاعمدة على الرصيف . . توقف وتناول الاوراق القليلة الباقية ، وأخذ ينظف بها يديه الملوثتين . . وعلى ثغره شبه ابتسامة ساخرة لهذه الافكار التى كانت تدور في رأسه . . لماذا يلجأ الواحد منا أحيانا إلى أن يفكر بمثل هذه الطريقة . . ربما لانه فى تلك اللحظة على الاقل لم يجد شيئا غير ذلك ليفكر فيه .

ارتد راجعا إلى الوكالة التي انطلق منها منذ الصباح . . ألقى بالسطلة على الارض . . وحافظة الاعلانات الخالية على منضدة هناك ، وانصرف يغسل يديه وسط الحوض . . كان الماء ينزل منهما أسود . . فأعاد اغتسالهما . . وتطلع إلى وجهه فى المرآة . . كانت عيناه غائرتين ضائعتين . . وكان وجهه صامتا معتما . . أعاد تسريحة شعره . . وعدل ربطة عنقه ثم أخذ يصلح من هندامه . . وشاهد بعض نقاط لصاق بيضاء فوق ياقة سترته . . بلل طرف منديله بالماء وأخذ يزيل نقاط اللصاق .

عاد من جديد يتطلع إلى وجهه فى المرآة . . لم يعد بامكانه مواصلة العمل بهذا البلد . . سيعود إلى بلاده . . وسيجد عملا هناك . . وأكثر من العمل فإنه سيجد حيه العتيق حى ( الحفير ) ذا الازقة المتفرعة

الملتوية . . والبيوتات الناصعة المطلية بالكلس الابيض . . وبيته الكبير . وشجرة التين المتفرعة الاغصان وسط صحن البيت . . وحين يعود فى المساء سيلقى أمه فى انتظاره وهي تجلس أمام الكانون تسخن له عشاءه .

ما الذي ربحه من وجوده فى هذا البلد الغريب . . غير هذا الوجه الكالح . . والتطويف بشوارع المدينة . . هذه المدينة التي بمقدوره اكتساحها من دون ملصق اعلانات . . انه تعلم كيف يذرع الشوارع في مدينته وليس فى يديه شيء يحمله .

ما فائدة أن يتعب الإنسان دون أن يدرك قيمة العمل الذى يتعب من أجله . . حينما يشعر أن هذا العمل ليس له وأن الجهد الذي يبذله يذهب مع الريح .

ركل السطلة برجله بعيدا عنه . . وقذف بحافظة الاعلانات على الارض . . وخرج إلى الشارع . . كان وجه السماء ملبدا بالغيوم . . وعند منعطف الشارع فكر في أن يذهب إلى - كرمال - ونظر فى ساعته ن موعد خروجها من المعمل لا يزال بعيدا .

وقذف بنفسه داخل أول مقهى . . وقف على المشرب ، وطلب كأسا من الجعة وأردفها بثانية وثالثة و .

حين غادر المقهى كان الجو كئيبا . . والمطر يتساقط رذاذا رفع ياقة معطفه . . ودس يدية في جيوبه . . وسار تحت المطر ، في أحد الشوارع التي كان قبل قليل ، جدرانها الاعلانات . وجلب نظره أحد الاعلانات . . وقد تدلى على الحائط كمصلوب . . يعبث به الهواء . . ورغم أن شيئا من ذلك بات لا يعنيه . . إلا أنه شعر بالحزن . . وهم أن يتقدم من الاعلان ليسويه مع الحائط . . وفجأة عصفت به الريح إلى فوق ، ثم سقط . . كما تسقط ورقة خريف صفراء وجرفته مياه المطر . . فتزحلق مع المجرى . . وراح يغيب . . إلى حيث لا يدري أحد أين ولا كيف

اشترك في نشرتنا البريدية