لقد حبا الله الانسان ذلك المخلوق الضعيف الحقير والعظيم العجيب معا بشرف الشعور ومجد الشعر فجعله شاعرا طبعا وسجية لكن كل شرف وكل مجد ان كانا متوجين بأسمى المسؤولية فهما فى آن واحد مقترنان بأعسر القيود وان غضب الله على الشعراء بعد أن اصطفاهم فلانهم لم يدركو مسؤوليتهم ولم يتحملوا فى سبيلها ما كبلهم به من قيود فزاغوا عن رسالتهم الحق وانعزلوا فى أنانية جدباء متشامخين او متصاغرين وفي كلا الحالين عن الواقع والواجب مبتعدين فأصبحوا يقولون ما لا يفعلون وينادون بما لا يعتقدون ويمجدون ما يحتقرون فصحت عليهم قديما لعنة الله أجمعين
واذا عدنا الى عصوره الاولى علمنا أنه شمل جميع نواحي الحياة الخاصة والعامة . الباطنة والظاهرة . المبهمة والمفصلة لان جميع المواضيع مادة للشعر وليس من باب المجاز قول شاعرنا الجاهلى الفحل عنترة بن شداد هل غادر الشعراء من متردم "
وان الشعر هو الذي أضفى من قديم الزمان على الدنيا والحياة مابهما من جمال والشاعر من قديم الزمان هو الوحيد الذي يتلاعب بالكلام سحرا فيجعل الصغير عظيما والعظيم صغيرا ويكسو القبح جمالا ويبدى الجمال فى مظهر القبح وهو الوحيد الذى يفضل الخيال يثير الحماس والاندفاع فيقود الانسان طوعا أو كرها الى القيام بعظائم الامور
وأقوال الشعراء التى تحول السخرية حكمة هي وحدها التى تصدر الاحكام على الظلم والكبت لان المجد ان خلا من الشعر كان ارضا قفرا خلاء بلقعا ولان الشعر نابع من قلب الانسان ولا عظمة للانسان بلا قلب ولا وجود للقلب بلا حب .
واذا كان الشاعر رسول الحب وجب عليه نشر تلك الرسالة مهما كلفته ومهما أصابه فى سبيلها من الاذى ثم من يجهل ان الحب هو الشئ الوحيد الذي في سبيله يحتمل المكروه ويستعذب الاذى ؟ ومنزلة الشاعر هذه هى نفس منزلة المؤمن التقى بحيث لا اتصور شاعرا حقا كافرا جاحدا .
واذا لم يكن الانسان شاعرا مؤمنا يحمل الشعر فى أعماقه ما أمكنه قط أن يلمسه أنى كان وهو مبثوث فى كل شئ
يعود اذن الشعراء الى جوهرهم الاصلى فهم لسان ضمائرهم وهم لسان لقوم وهم لسان البشر أجمعين فان عبروا عن الحزن والاسى والخيبة فيفصحوا عن الفرح والحبور والفوز وان صوروا الحرمان والجوع والدمار فليبرزوا الرفاهة والرخاء والتشييد وان شنعوا بالتفرقة والدسيسة والنفاق فلينادوا بالوئام والمعروف والصدق وان تفجعوا لحاضر البشرية المؤلم فليعملوا جاهدين لتهيئة غدها الافضل المجيد ولن تقدر قوى الشر على القضاء على عملهم العظيم الجبار فلا ظلم ولا جبروت ولا سجن ولا كبت قادر على الحد من تحليق الفراش ولا النيل من تغريد الشحرور
فانتشروا أيها الشعراء فى كل مكان فى كل مصر وفى كل آن وان وانفذوا بأشعاركم الى قلب كل انسان وليكن الشعر كالماء لا تكون بدونه أية حياة وكالهواء لا يحيا بدونه أى مخلوق وكالنور لا يبين بدونه أى شئ
هبوا أيها الشعراء ولتكن أشعاركم كالصحف السيارة وكنشرات الاخبار وكالبيانات وكمنشورات الانذار وكاللافتات وكالمعلقات على الجدران ولتكن لاشعاركم معارض كمعارض اللوحات والاسواق والاعياد والرايات فالناس كلهم ظامئون الى رحيقكم متعطشون والناس كلهم جائعون الى خبزكم محتاجون والناس كلهم مختنقون الى انفاس هوائكم متلهفون والناس كلهم فى الظلمات غارقون والى بصيص من نوركم متطلعون
واعلموا ايها الشعراء انكم ان لم تتجسم فيكم أمة بأسرها كشأن محمد اقبال أو بابلو نيرودا أو بول ايلوار أو تتقمصوا الانسانية جمعاء فلن يكون لكم شأن ولن تكونوا شيئا اذ بذلك فقط ستخدمون الانسان وتقومون برسالتكم العظمى فيتلالا الجمال ويعم العدل والخير والحب وينتشر السلام وتتحقق السعادة .
فلن تعودوا أبدا تقولون ما لا تفعلون ولن تعودوا ابدا فى كل واد تعمهون ولن يعود يتبعكم أبدا الغاوون .

