نكس التأريخ رأسه فى حين عميق على فراق عبقري من عباقرة القرن العشرين استطاع أن يشيد فى خلال ثلث قرون - ملكا قوي البيان . . ملكا أسس على دعائم الحق المنيعة ، وشيد على قواعد العدل الحكيمة ، وبنى على أسس التوحيد الوطيدة . . فكان تاجأ على هامات التاريخ !.
وذرف الزمان الدموع سخينة على معنى بطل من أبطال التاريخ العظام يطلق غامر بحياته وحياة رفقائه ، لاسترداد ملك آياته من أعدائه . . بطل لم يثن عزمه ما دبره له خصمه من العتاد والقوة والحيلة ، فقد كان سلاحه الاول هو الايمان ، ولا شئ الا الايمان . . وكان هدفه الأول - أيضا - هو اعلان كلمة الحق ، واشاعة العدل والفضيلة بين الناس . . وكانت غايته توحيد كلمة العرب وجمع شملهم وتعزيز اواصر الحب والاخاء بينهم .
وحالفه التوفيق فى جميع مراحل حياته . . فما خطا خطوة الا وكان التجاح أمامه ولا أقدم على عمل الا وكان التوفيق قداسه . . لأنه كان يقرر العمل فى خلوص نية ، وسمو هدف ، ونبل غاية . . تتجيء التتائج سارة مثمرة . . لترضته العقبات فذللها فى حكمة وروية . . وضايقته العراقيل فأزاحها فى قوة بصيرة وقرة ايمان . . وكادله خصومه صنوفاً من المكايد ، فباءوا بالخيبة وأردوا على أعتابهم ، لأنه لم يضمر سوءا لأحد طيلة حياته مهما اشتدت به الظروف ، وتأزمت الأزمات !.
لقد دخل التأريخ شاباً مغواراً باسلا ، وعاش فيه مليكاً ديمقراطياً وإماماً عادلا وأبًا رؤفاً . ثم خرج منه ، فى اليوم الثانى من ربيع الأول ، شخصية اسلامية
عالمية خفقت القلوب بحبها ، وآمنت بعظمتها وجلالها . . ولم تبكه بلاده فحسب ، بل بكته الشعوب الاسلامية والعربية جمعاء !..
لقد خفت ذلك الصوت المجلجل الذى دوى زهاء نصف قرن ؛ من يوم فتحة مدينة " الرياض " وظل يدوى ويدوى حتى اخترق اكبر يرلمانات العالم ، فكنت تسمع صداه فى هيئة لامم المتحدة تارة ، وفى مجلس الامن أخرى بل وفى محكمة العدل الدولية أيضاً !..
طوع السياسة فطاوعته ، واختبر المسائل والمشاكل فرضخت له . . وصادق الحقائق فصدقته . . ونبذ الأباطيل والأرهاصات فابتعدت عنه . . جعل الحق رائدا له فناصره الحق . . واستهدف الخير فى كل اعماله فآزره وعاونه . كان شعلة من مشاعل الايمان ، بل كان ذخرا من ذخائر الاسلام !..
واذا كان ذلك الملك المجاهد لنصرة دين الله قد غاب عنا فى وقت كنا فى أشد العوز الى عطفه وأبوته ، ورعايته ، فما غيابه وفراقه الا بالشخص والكون فقط .. أما مثله العليا ، ومزاياه الحميدة ، وخصاله العالية . . أما سياسته الرشيدة ، وتعاليمه القوية ، وإرشاداته السديدة . . أما خبرته الواسعة ، وحنكته العظيمة ، وإنسانيته اليتيمة فلم تغب عنا ، بل ستظل ماثلة أمامنا ، وتبقى عبرة وتاريخاً ودرساً يتناقلها الناس جيلا بعد جيل ، وحقباً بعد حقب !.
وموت العظيم ليس بالهين الصبر عليه ، بل من المتعذر أن يكفكف انسان دمعه بعد فجيعة اصابته واذهلته . . ولكن هذا الحدث المغم ، حدث وفاة عاهل الجزيرة الراحل ، اعقبه حادث عظيم أيضاً . . حادث فرحت به البلاد ايما فرح . . وابتهج به الشعب ابتهاجا يفوق الوصف ، فقد سرت موجة من الغبطة فى كيان الشعب السعودى عندما اهتز الأثير ينقل خبر اعتلاء شبل المليك الفقيد ، عرش ملكه
الوطيد . . وراح الشعب يهتف من أعماق قلبه : " عاش الملك الجديد ، وعاش شعبه المجيد ، ودام ملكه العتيد " . .
لقد شقت الهتافات عنان الفضاء . . وصدرت التحيات والتبريكات مع خالص الدعاء ، واحتشدت كتل من البشر لا حصر لها ، تحيى مليكها الجديد ، مستبشرة بعهده السعيد . . فهو شبل لأسد الجزيرة ، وراع لمن فى المدينة او " الديرة " , ومحبوب من شعبه وأمته العشيرة !.
وهو عندما اعتلى عرش المملكة العربية السعودية فى هذه اللحظة الحاسمة الرهيبة ، أعتلى معه عرشا آخر مماثلا له ، بناه له الشعب بأسس من الولاء والاخلاص وشيده بدعائم قوية من الحب والوفاء . . بل أسسه على قواعد من الطاعة والأمتثال والتفانى !! . .
إن الشعب حين بايعه ملكاً شرعياً ، بايعه عن ايمان وعقيدة بأنه أعظم وريث لأعظم مورث . . خير خلف لخير سلف ، سليل المجد ، عريق المحتد . . يرث المجد عن أجداده ، ويرث الملك عن آبائه ، ويحمل الأمانة على عاتقه ليؤديها خير الاداء . . ليسير بأمته فى طريق السؤدد والارتقاء .
فأنعم به من ملك تعلق قلبه بحب شعبه . . فحقق قلب شعبه بحبه . . هو يسهر على راحته ، وهذا يخلص له فى طاعته . . هو يسعى لانهاضه واسعاده ، وهذا يمتثل أمره وارشاده . . هو يعمل جاهداً لخير العروبة والمسلمين ، وهذا يدعو له - من قلبه - بالنصر المبين . .
عاش للشعب مليكه المحبوب ، وعاش شعبه يفتديه بالقلوب ،
