الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

مناظرة في القوابي والأوزان

Share

كنا زمرة من هواة الشعر والادب . وكنا دائما نتذاكر الشعر ونتبارى فيه وكانت تعجبنا المعلقات السبع ونحاول تركيز الذاكرة فى حفظها . . فنذكر امرأ القيس بن حجر بن عمرو الكندى فى معلقته الشهيرة التى استفتحها بقوله :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحوم

والتي عددها واحد وثمانون بيتا ، فنثنى عليه وعليها ، ونذكر قصته الطريفة التى ألهمته اياها . . وكنا نتساءل : ترى أزوقها المؤرخون ونمقها المدبجون فكانت اسطورة من أساطير الاولين أم حاكمها له القدر بالفعل ؟ وكنا نذكر ( طرفة بن العبد البكرى ) فى فى معلقته التى مطلعها :

لخولة أطلال ببرقة تهد ( ١ )

تلوح كباقى الوشم فى ظاهر اليد

والتي يربو عدد ابياتها على المائة بيت ، ونعجب لهذا الشاعر العظيم كيف تسنى له أن يجيد هذه الاجادة وكيف تأتى له ان يحرز هذه الشهرة الواسعة وذلك الصيت الذائع ٠ . . وقد كان أصغر الشعراء سنا ؟ . . حيث قتل بأمر من ( عمرو بن هند ) ولما يتجاوز العشرين من عمره

ثم نذكر صاحب الحوليات ( زهير بن ابي

سلمى المزنى ( فى معلقته الميمية الرائعة وتعدادها اثنان وستون بيتا والتى يبدؤها بقوله :

امن أم اوفى دمنة لم تكلم

بحومانة الدراج فالمتثلم

ومعلقة ( لبيد بن ربيعة العامري ) التى يقول فيها :

عنفت الديار محلها فمقامها

بمنى تابد غولها فرجامها

والتي بلغ عددها ثمانية وثمانين بيتا ، ولم نكن نغفل ( عمرو بن كلثوم ) فى معلقته المعروفة :

ألا هبي بصحنك فاصبحينا

ولا تبقى خمور الاندرينا

والتى زاد عددها هى الاخرى على المائة بيت ، والتى ذكر فيها عهد بنى تغلب الزاهر وايامهم الجميلة حيث قد بلغ من فخره ببنى جلدته مبلغا جعله يقول فى نهاية قصيدته :

ملأنا البر حتى ضاق عنا

ونحن البحر نملؤه سفينا

إذا بلغ الفطام لنا رضيع

تخر له الجباببر ساجدينا

ومن بعد ذلك كنا نذكر معلقة ( عنترة بن شداد العبسى ) المكونة من خمسة وسبعين بيتا والتى مطلعها :

هل غادر الشعراء من متردم

أم هل عرفت الدار بعد توهم

يا دار عبلة بالجواء تكلمي

وعمى صباحا دار عبلة واسلمي

كما كنا نروي المعلقة السابعة التي أنشدها ( الحارث بن حلزة اليشكرى)( . . فى كثير من الغبطة والجذل ، وعددها اثنان وثمانون

بيتا . . والتي أنشدها من وراء سبعة ستور ارتجالا بين يدى ( عمرو بن هند ) حيث قد أمر برفع الستور عنه استحسانا لهذه القصيدة التى مطلعها :

آذنتنا ببينها اسماء

رب ثاو  يمل منه الثواء

نعم كنا نتذاكر هذه المعلقات السبع ، كما كنا نتذاكر غيرها من عيون الشعر وفنون الادب . . وكثيرا ما كانت تقوم بيننا منافسات ومسابقات اينا يحفظ الشعر اكثر من غيره ، وكان فينا زميل قوى الذاكرة ، لا يشق له غبار ولا يصطلى له بنار - ان جاز التعبير - نما دخل نقاشا فى الشعر الا كان الاعلى . . وما نزل سباقا فى النظم والقوانين . . الا جاز قصب السبق . . وقد شجعنى بعض الاخوان والاقران على منافسسته والدخول معه فى مناقشة شعرية لعلى أفوز عليه فيصاب بنكسة تخفف بعض الشئ من الصلف والغطرسة اللذين يتقنع بهما ويغلو في التعالي على زملائه جميعا . . فترددت . قليلا في بادىء الامر حتى اذا بلغت بى الحماسة ذروتها ، أعلنت قبول التحدى لعصام الرازي - وهذا هو اسمه - وعلى الفور انشئت لجنة تحكيم . . وباشرت فى وضع منه بصميم ى - صبغة المسابقة فكانت كالتالى :

يأتي أحدنا يأبيات من الشعر . .. . حتى إذا  انتهى منها بدأ الآخر بأبيات اخر تبدأ بالحرف الذي انتهت به الابيات السابقة لزميله . . ولم يبق الا جوائز المسابقة وقد كانت هذه الجوائز من نوع غريب . غاية فى الغرابة . . بل نوع طريف شاذ يثير الدهشة ، فقد رأت لجنة التحكيم الموقرة . . ان تكون الجوائز . . او على

الاصح الجزاءات كما يأتي :

إذا أثر احدنا يشعر كما ذكرنا . . وتلكأ الآخر او تردد فى الرد عليه ببيت يبدأ فيما انتهى اليه البيت السابق . . وجاوز هذا التلكؤ والتردد الفترة المعينة التى حددتها اللجنة . . فجزاء التلكؤ هذا يكون صفعة من يمين منافسه . . وقد أبديت احتجاجى على هذا الجزاء الشاذ ، وشرحت لهم بان هذا الأسلوب لا يليق بحال بمقام الشعر ومكانة الادب ، لكنهم أصروا على ذلك ورموني بالجبن والاحجام من حيث يجب الاقدام ، واتهمونى بالاخفاق بعدما كاد يتم الاتفاق ،

وأمام هذا الاصرار المبيت وجدت نفسى مرغما على الاذعان لهذا القرار الجائر . . وأطلقت اشارة البدء فصفق الجمهور وأشار لى رئيس اللجنة أن أبدأ بالهمزة وأنتهى بها ايضا على أن تكون الابيات من شعر ( حسان بن ثابت ) فابتدأت أقول :

الا بلغ ابا سفيان عني

فأنت مجوف نخب هواء

بأن سيوفنا تركتك عبدا

وعبد الدار سادتها الاماء

هجوت محمدا فأجبت عنه

وعند الله في ذاك الجزاء

اتهجوه ولست له بكفء

فشركما لخيركما الفداء

هجوت مباركا برا حنيفا

أمين الله شيمته الوفاء

فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

فان ابى ووالده وعرضي

لعرض محمد منكم وقاء

فقال رئيس لجنة التحكيم : لا بأس ، وأشار الى عصام الرازي قائلا : ابدأ أنت من حيث انتهى - اى ابدأ بالهمزة أيضا - واشترط أن يكون الشعر من نظم ( جرير بن عطية الخطفي ) فانبرى منافسى الخطير يقول وكأن الابيات كانت عالقة على طرف لسانه : وبأى القوافى تريد ان ينتهى البيت ؟ قال الرئيس بغير اكتراث قافية القاف . . فراح ينشد دون توان ولا ابطاء :

ان البلية من يمل حديثه

فانشح فؤادك من حديث الوامق

وهواك فوق هوى النفوس ولم يزل

مذ بنت قلبي كالجناح الخافق

طربا اليك ولم تبال حاجتي

ليس المكاذب كالخليل الصادق

هل رام بعد محلنا روض القطا

فرويتان الى غدير الخانق

ما يقحمون على من متمرد

الا سبقت فنعم قوم السابق

فهتف رئيس اللجنة فى جذل متناه : رائع ثم اشار لى قائلا بلهجة آمرة : حرف القاف من حيث انتهى على أن تكون أبياتك المطلوبة من شعر أمير الشعراء أحمد شوقى وان يكون نهايتها حرف الميم ، فتلكأت قليلا وكادت الذاكرة تخوننى . . وشمخ منافسى بأنفه ونفخ فى يده وكاد يصفعنى لولا اننى تداركت الموقف وتذكرت هذه الابيات فرحت أقول :

قل لابن سينا لا طبيب اليوم الا الدرهم

هو قبل بقراط وقبلك للجراحة مرهم

والناس مذ كانوا ، عليه دائرون وحوم

وبسحره تعلو الاسافل في العيون وتعظم

وضحك أحد الحاضرين وقال في شماتة ساخرة وفي عبارة حاول ان يجعلها شعرا :

كادت الصفعة تدوى

وعلى وجهك تهوى

فقلت في سرى : حمدا لله ان خذلك ايها الشامت . . وصدرت من الجمهور قهقهات عالية صاخبة ، ثم قال الرئيس لزميلي : لقد انتهى صاحبك بحرف الميم فابدا به انت . . ونحبذ ان يكون شعرك من نظم ( عمر بن أبي  ربيعة ) على ان ينتهى بحرف الراء ، فما كاد  يتم كلامه حتى انطلقت الابيات من فيه كما تنطلق القذيفة :

منع النوم عينيك الا دكار

من حبيب شطت به عنك دار

ولقد قلت زاجرا لفؤادي

لو نهاه عن حبها الازدجار

صاح اقصر فلست أول الف

قد عداه عن الفه الاقدار

وتناءى عنه الحبيب فأضحى

بعد قرب قد شط عنه المزار

قال أحد اعضاء اللجنة : جميل جدا ، وصوب نظره نحوى قائلا : أما وقد انتهى صاحبك بحرف الراء . . فليس لك بد من أن تبدأ به منتهيا بقافية اللام على شرط ان تكون أبياتك المصطفاة من شعر أشهر المراقسة ( ١ )  قلت أتعني ( حندج بن حجر ) قال : هو ذاك فتلفت يمينا وشمالا فى قلق وارتباك ، واسترحمت الذاكرة الواهنة فاستجابت لتضرعاتى وجادت على بهذه الابيات :

رداح صموت الحجل تمشى تبخترا

وصراخة الحجلين يصرخن في زجل

غموض عضو الحجل لو انهامشت

به عند باب السبسبيين لانفصل

وكاف وكفكاف وكفى بكفها

وكاف كفوف الودق من كفها انهمل

وعن عن وعن عن ثم عن وعن وعن

اسائل عنها كل من سار وارتحل

حجازية العينين مكية الحشا

عراقية الاطراف رومية الكفل

تهامية الابدان عبسية اللي

خزاعية الاسنان درية القبل

ولاعبتها الشطرنج خيلي ترادفت

ورخي عليها دار بالشاه بالعجل

وقد كان لعبى كل دست بقبلة

أقبل ثغرا كالهلال اذا افل

فقبلتها تسعا وتسعين قبلة

وواحدة ايضا وكنت على عجل

وعانقتها حتى تقطع عقدها

وحتى فصوص الطوق من جيدها انفصل

وهنا صاح احد الحاضرين فى نشوة مرددا المقطع الاخير : وحتى فصوص الطوق من جيدها انفصل . . قال رئيس لجنة التحكيم موجها الكلام لمنافسى : ها قد انتهى بحرف اللام ، ويجب عليك ان تبدأ به وليختر أحد النظارة الشاعر الذى يشترط أن تبدأ بشعره من حيث انتهى صاحبك ، فقام احد المشاهدين وقال له : لتكن أبياتك يا صاح لكليب بن ابي ربيعة . . فأمن الرئيس على قوله وزاد عليه ولتنته بقافية النون ، فلم يتوان الفتى او يتقاعس وانما انشد على الفور :

لقد عرفت قحطان صبرى ونجدتى

غداة خبزازي والحقوق دوان

غداة شفيت النفس من ذل حمير

واورثتها ذلا بصدق طعاني

دلفت اليهم بالصفائح والقنا

على كل ليث من بني غطفان

ووائل قد جذت مقاديم يعرب

فصدقها فى صحوها الثقلان

وهنا تطوع : أحد الحاضرين متطفلا فقال مشيرا الى : ابدأ يا صديقي بالحرف الذي انتهت اليه أبيات كليب السالفة ونرى ان ترد عليه من شعر اخية ( المهلهل بن ربيعة ) وقال آخر : ولتنته بحرف السين . . وكدت اعترض وأقول لهما . . وما يعنيكما انتما ولماذا تحشران أنفيكما حشرا دون أن يكلفكما أحد بهذه المهمة ؟ والسبب فى ذلك والحق يقال هو اننى نسيت الكثير من شعر المهلهل ، والتفت الى الرئيس وكأنى استشيره فقال الرئيس موافقا : لا بأس . . كما قالا . . وأفلت حبل أفكارى ، ثم ما لبثت أن تذكرت هذه الابيات للمهل

نبئت ان النار بعدك ارقدت

واستسب بعدك يا كليب المجلس

وتكلموا في امر كل عظيمة

لو كنت شاهد امرهم لم ينبسوا

واذا تشاء رأيت وجها واضحا

وذراع باكية عليها برنس

تبكى عليك ولست لاائم حرة

تأسى عليك بعبرة وتنفس

وهنا صرخ احد الفتية المراهقين وقد استخفه النزق ولعب برأسه الطيش : يجب ان تكون الشروط أصعب . . نريد ان نسمع دوي الصفعات تشوى الوجوه . . فما راعنا

الا ان استجابت له اللجنة الموقرة فى الحال وزادت الامر تعقيدا . . فطلبت من منافسى اولا : أن يبدأ بالحرف الذي انتهيت أنا اليه ، ثانيا : ان ينتهى بالهمزة ، ثالثا : ان تكون الابيات من شعر أبي القاسم الشابي ، رابعا : ان تحمل الابيات معانى القوة والتفاؤل واستقبال الحياة بصدر رحب لا يكن فزعا من الموت ولا جزعا من الخطوب . .

وصمت الخصم العنيد . . كأن على رأسه الطير . . وراح وجهه يحمر ويصفر . . وانقلب سوق عكاظ الجديد الى ميدان للصخب والضوضاء . . بعضهم يحرضني على صفعة ، والبعض الآخر ينذره ويتوعده ويحضه على الاسراع بتلبية مطالب اللجنة والا فالوقت المحدد يوشك أن يأزف . . لكن صاحبى ممعن فى الصمت . . تائه الفكر . . شارد اللب ، وطمعت وقتذاك في النيل من كبريائه وصلفه وعجرفته . . بل وأيقنت حينئذ اننى منتزعه من ذروة المجد إلى قاع الوهد . . ورحت أتحسيس يدى لاعدها لصفعة تخرسه وتلقمه حجرا . . لكن الظروف تأبى الا ان تكون فى صفة . . والذاكرة ما فتئت أن أسعفته فراح ينشد فى طلاقة :

سأعيش رغم الداء والاعداء ( ١ )

كالنسر فوق القمة الشماء

أرنو إلى الشمس المضيئة ، هازئا

بالسحب والامطار والانواء

لا ارمق الظل الكئيب ولا ارى

ما فى قرار الهوة السوداء

واسير في دنييا المشاعر حالما

غردا ، وتلك سعادة الشعراء

اصغي لموسيقى الحياة ووحيها

وأذيب روح الكون في انشائى

وأصيخ للصوت الالهى الذى

يحيى بقلبي ميت الاصداء

قال الرئيسى وهو يضح قال الرئيس وهو يضحك : لقد أفلت صاحبك من قبضتك . . ترى هل تفلت أنت الآخر ؟ نرجو لك ذلك . . والآن آتنا بأبيات تبدأ بالحرف الذى انتهى اليه عصام الرازي وتنتهى بحرف الدال . . ولتكن من شعر ( أبي الطيب المتنبى ) وقد نسى رئيس اللجنة ان يشترط المعنى أو يقيده . . ومن يدرى فلربما كان قد احس بضعفى فتناسى الامر متعمدا . . ومع ذلك فقد حرت فى امرى وضاق صدرى . . ثم واتتنى الذاكرة بهذه الابيات :

أذم الى هذا الزمان أهيله

فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد

وأكرمهم كلب وابصرهم عم

وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد

ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى

عدوا له ما من صداقته بد

قال رئيس لجنة التحكيم : ها قد تمكنت من الافلات انت الآخر . . واستطرد قائلا والآن سندع لك اختيار الشروط الثلاثة المنافسك فاختر كما تشاء . . وهنا استجمعت كيدى فحاولت أن أعقد الشروط وانثر الاشواك للاطاحة بمنافسى قلت :

أولا : أن تبدأ بالدال من حيث انتهيت ، ثانيا : ان تنتهى باللام ، ثالثا : ان يكون شعرك من نظم ( النابغة الذبياني )وقد عمدت الى احراجه بهذه الاسئلة اذ ان أبياتا معينة هى التى تنطبق عليها هذه الشروط وما راعنى الا ان قال الفتى بكل بساطة هذه فى غاية اليسر والسهولة وراح ينشد

دعاك الهوى واستجهلت المنازل

وكيف تصابى المرء والشيب شامل

وقفت بربع الدار قد غير البلى

معارفها والساريات الهواطل

أسائل عن سعدى وقد مر بعدنا

على عرصات الدار سبع كوامل

فسليت ما عندى بروحة عرمس

تخب برحلى تارة وتناقل

وما ان وصلنا إلى هذا القدر من هذه المناظرة حتى اعلن الرئيس استراحة لدقائق عشر ليتسنى للحاضرين ارتشاف الشاى وتبادل الآراء ، فامتعض زميلى واستاء لهذا التأجيل ، واحتج بانه يعطى لى الفرصة لتذكر أبيات كثيرة لشعراء كثيرين تبدأ بحرف اللام أى من حيث انتهت أبياته السابقة ، فقال له رئيس اللجنة مطمنا : أما من هذه الناحية فلك أن تغير حرف البداية ، وهكذا ابتدأت الاستراحة وراج الناس فى هرج ومرج وفى صخب ولجب ، وراح البعض يتنبأ سلفا لمن منا تكون الغلبة بل تحمس البعض وراح يناقش الآخرين فى الشعر ليحذو حذونا . . فكان الوضع بحق أشبه بسوق عكاظ ولكن بغير انتظام وبصورة مصغرة بالطبع . . ثم دق الجرس ايذانا ببدء الجولة الثانية . . فتقدم منافسى فى اعتداد واشار لى قائلا : أسألك أن تأتى بشعر يبدأ بحرف اللام من حيث انتهيت وينتهى بقافية الياء . . وصمت عصام الرازي قليلا ليختار الشاعر الذى سيشترطه . . فحمدت الله فى سرى لكونى أحفظ من قوافى الياء للمعرى والمتننب والحطيئة والفرزدق وابن ابي سلمي وخليل مطران وعزيز اباظه ودعوت الله مخلصا أن يكون الشاعر المختار من بين هؤلاء . . لكنى فوجئت به يستطرد

قائلا : على أن تكون الابيات من شعر ( محروم) !

وأسقط في يدى . . فلم أكن قد سمعت فى ذلك الحين بشاعر يكني بهذه الكنية . . ولم يدر في خلدى أن ( محروما ) هذا هو علم من الاعلام وعظيم من العظماء الا وهو ( الامير عبدالله الفيصل ) اذ لم يكن ديوانه ( وحي الحرمان ) قد صدر حينئذ الا منذ أيام قليلة خلت ، ولم يكن قد تسنى لى الاطلاع عليه حينذاك . . لذا فقد أخلدت الى الهدوء . . واعتصمت بالسكوت فلم أنبس ببنت شفة ، وران على ، صمت عميق كنت فى ابانه ازدرد الحسرات ، وأتجرع كأس الاسف قطرة قطرة . . وأحاسيسى تضطرب ومشاعرى تصطخب لكونها تأنف من أن تذعن او تستكين . . وعيل صبر اللجنة ويئست من نطقي . . فما كان من رئيس اللجنة الا ان أومأ الى عصام ايماءة أزعجتني . . وما كان من الخصم العنيد الا ان رفع يده ال الدئيصة فأهوى بها على وجهى بصفعة عظيمة ولطمة مبرحة دوت فى جنبات المكان وكادت تفقدني صوابى ، فترنحت كالثمل ، وتداعيت كأني أوشك أن أخر صريعا . . وضج المكان بما فيه ومن فيه بضحكات عالية وقهقهات صاخبة تصم الأذان ، قلت فى نفسى والحنق آخذ بخناقى : الاحمق . . المغرور . . ما هذا ؟ انحن فى مناظرة شعرية أم في ميدان قتال ؟ ، فهذا لعمرى ينم عن مقدار ما يعتمل فى ضميره من ضغينة وموجدة وحقد اسود .

قال الرئيس لعصام وهو يحاول ان يخنق ضحكة حبيسة توشك ان تفر من فيه : أما وقد عجز منافسك عن الاتيان بما اشترطته عليه فآت به انت . . فراح الرازي ينشد من

شعر محروم :

ليلة مرت بدهرى

لم تكن من خيط عمرى

ان تكن مرت سريعا

فهي ما زالت بفكرى

لست ادرى كيف مرت

يا حبيب لست ادرى

قد نسيت النفس فيها

وجعلت الحب خمري

كان ليلى مستنيرا

اذ أضاء الليل بدري

أسعد الاوقات عندى

عندما هدهدت صدرى

طارت النفس شعاعا

سابحا في الخلد يسرى

ليتها عادت سريعا

ليلة مرت بعمرى

وما كاد عصام ينتهى من ترتيل هذه الأنغام العذبة الرقراقة حتى صفق له الجمهور فى حماسة شديدة ، وهنا تدخل أحد الرفاق الذين شجعوني في بادئ الامر على منافسسته قائلا : لقد جاء بما اشترطه بنفسه وهذا بالطبع أمر هين ميسور . . فهلا سمحت اللجنة الموقرة ان تحقق شرطنا نحن فتطلب منه ان يأتي بأبيات من نظم ( ابي تمام ) على ان يبدأ بما انتهى اليه وينتهى بقافية الباء .

فقال الرئيس : هل بمقدورك أن تحقق هذه الرغبة يا عصام ؟ ٠٠

فنظر عصام نحو الافق . . وأخذت عيناه تجولان فى اللانهايات الواسعة والسماء الرحيبة كأنه يستجديها مد يد العون . . فما - - -

أسرع ما استجاب له خالقها . . فأخذ يترنم بهذه الأبيات :

يا قضيبا لا يدانيه من الاسر قضيب

فوقه البان ومن تحت تثنيه الكثيب

وغزالا كلما مر تمنته القلوب

ذهبى الخد تثنيه من الريح الجنوب

ما لمسناه ولكن

كاد من لحظ يذوب

وفيما كان الرازى يتغنى بشعر ابى تمام . . كان الفكر منى فى حيرة ، والقلب في اشتغال . . وقد أزمعت أن ألجأ إلى الحيلة فى هذه المرة مقنعا نفسى أن الحرب خدعة . . وان هذا حرب معنوية يجوز فيها ما يجوز فى سواها من أنواع الحروب .

قلت فى نفسى : ان فى حوزتى نوعا من الشعر بعنوان ( خماسيات ) نظمتها من عهد قريب . . وعصام الرازى لم يطلع عليه ولم يسمعه . . فلم لا انسب هذه الخماسيات لاحد الشعراء المعاصرين الذائعي الصيت . . وأطلب من منافسى الاتيان بها خصوصا وانها تبدأ بالباء ، من حيث انتهى ، فعندئذ سيمنى بالفشل الذريع والاخفاق السريع . . وعندها سأكيل له الصاع صاعين . . وسأرد له الصفعة بأشد منها وأعنف . . وسأنتقم حينذاك لكرامتى المهدورة وعزتي المثلومة ، وشرفى الممتهن .

نعم عولت على هذا وصممت عليه . . بيد انه ما ان انتهى من بائية ابى تمام . . حتى فوجئت برئيس اللجنة يعلن انتهاء المناظرة الشعرية . . وفوز منافسى على ، يسبع نقاط مقابل خمس . . وراح النظارة يصقون لعصام الرازى فى بهجة ونشوة وهيجان شديد .

وهبطت درجات المسرح وانا اجر قدم

جرا كأني انتزعهما من الطين ، أو كان أجر ورائى الفشل والخيبة والخسران المبين . . ولسان حالى يقول موجها الكلام للفتية المراهقين الذين كانوا سببا فى دفعى الى الاقدام على هذه المنافسة : دعوه . . دعوه لا تعكروا صفوه . . دعوه يحلق في اجواء الشعر . . وبنيه في دنيا القوافى . . ويهيم فى سماء الخيال . .

دعوه فوق ذروته . . معت لقمته . . متوسد لرابيته . . فتالله لهو بها جدير . . وأيم الله لهو لها خليق فان كان الجبن والمكابرة قد منعاني من الافصاح عن ذلك والتصريح به . . فكفاه انى اقر له بالجدارة فى دخائل نفسي وفي أغوار ضميرى . .

ومنذ ذلك الحين . . وأنا كلف بقراءة الشعر ، مكب عليه ، مولع به مدمن له . . وقد دفعنى ذلك الى تكوين مكتبة شعرية خاصة . . انهل من معينها الدافق الذي لا ينضب . . واعيش بين حكمها وطرائفها وخيالها الخصب الممتع .

فيا حبذا لو جرت بين طلبة المدارس امثال هذه المناظرات الشعرية مع فارق واحد . . وهو ابدال الصفعات واللكمات بجوائز رمزية ذات قيمة معنوية ، تدفع المرء الى الطموح والى النهل من بحور الشعر ما وسعه ذلك . . اذن لنشأ بيننا جيل مثقف لا يكتفى بما يتلقاه من دروس المدرسة . . بل يعمد الى التزيد والتعمق والحفظ والبحث والاستقصاء

اشترك في نشرتنا البريدية