تمهيد : المفهوم الخلقي : دعائمه وهدفه
لا جدل وان المبنى الذى ينبعث منه السلوك الخلقي هو السعى لتحقيق التلاؤم بين النوازع الذاتية للفرد ، والعوامل الخارجية الضاغطة التى تحيط به ، أيا كان مصدرها سواء فى ذلك القوى الطبيعية أو القوى الميتافيزيقية أو القوى الاجتماعية . وذلك بغاية الاستجابة الى مثاليات نموذجية صيغت فى مظاهر سلوكية أوحت بها الفطرة او التجربة ومن شأنها أن تدعم صلة الفرد بالآخرين . أو تحقق امتثاله لأوامر الزامية صاردة اليه ممن يخشى أو يحتسب . تجنبه ضررا متوقعا أو تهئ له نفعا مؤملا أو سعادة خاصة أو عامة ، على خلاف نظري واسع المدى بين الفلاسفة والمفكرين فى ذلك (1) .
ومعلوم أن هذا المنحى يصنف الفعل الانسانى تصنيفا تقييميا الى صنفين متمايزى الأثر ، ينفعلان بالقصد وظاهر الفعل وما يحققانه من نتائج للفاعل أو المنفعل . ألا انهما الخير والشر.
ولا شك أن وحدات السلوك الخلقي تتشكل بتقييم نسبى يختلف باختلاف البيئة والمحيط وتتخذ من معطيات الوسط الطبيعي والعقائدى والاجتماعى للمجموعة سندها فيما يلابسها من أحكام ، اذ أن التقييم الخلقي وليد مخاض حضارى تتلاقح فى ابرازه وتكييفه غالبا وبنسب متفاوتة ، مجموعة من العومل الاجتماعية الأصلية والطارئة على نحو واضح حينا وخفي حينا آخر . الى درج قد تسمح بتغليب عامل ما على ما يتمسك به شعب معين من تقييمات أخلاقية ، دينية كانت أو اجتماعية ، فنعتبر أخلاقه دينية اذا كان تقييمها يرتكز لتقدير ديني محض وغايتها ترمي لتحقيق هدف ديني كالثواب والعقاب فيما بعد الموت ، ونعتبر أخلاقه وضعية اذا كان تقديرها يرتكز على تقييم اجتماعي محض وبغرض تحقيق هدف اجتماعى ما كحرية المرأة ورعاية الطفولة بتونس .
ومن القطعى التسليم بأن للأخلاق أيا كان مصدرها دورا أساسيا فى بناء المجتمع الانسانى وتركيزه ، وتحقيق أهدافه العليا فى بث التوادد والمحبة بين الافراد والجماعات . واشاعة العدل والسلام ونشر الثقافي والفضلية بينهم ، وبالتالى فهى التى تهئ لبناء المجتمع وتحفظ سلامته وحيويته وتشبع قابلية التطور فيه نحو الافضل . وهي على الرغم كونها عنصرا أساسيا لبناء المجتمع السليم ، فانها لا تتقوم الا بنوازع عاطفية أو نظامية أو اعتقادية تحقق لها الديمومة والاستمرار . وتدعم قدرتها على النفاذ والانتشار وخاصة فى البيئات التى تفتقر إلى تحول اصلاحى عميق يبدل آفاتها الاجتماعية ، بدعائم من الصحة والامن ، كما هو حال المجتمع العربى فى عصر ما قبل الاسلام الذى رانت عليه عادات بدائية وعدائيه متحللة من أى تقييم أخلاقى شامل وعميق ، مما تسبب في تداعي العلاقات الانسانية بين الافراد والجماعات الى أدنى درك من العداء والفوضى والظلم المستحكم الجذور ، دون رادع أو زاجر من معتقد سائد أو نظام اجتماعي محكم .
الخصائص الاصلية للمجتمع الاسلامي الأول :
فلما حل الاسلام بكيانه العقائدى المتكامل العناصر ، وجدياته العقلية النفاذة حرر الفكر من رواسب السحر والوثنية والاتباعية . وفتح أمام الاحساس الانسانى السليم آفاقا جديدة من الحق والعدل والاثرة والشعور بالمسؤولية . ضمخها بحرارة الايمان ونقاوة المحبة وروعة الفداء وصفاء التأمل ، حتى اذا ما نجلت للنفوس الحقائق الكبرى واستغرقت القلوب فى هدأة اليقين وارتفعت عن
العيون غشاوة الجهل والانانية والعنف . وتوجهت الانظار بالسبر والاختبار لما ألفته من عادات مستهجنة ، وتآصر الناس بحب على عقيدة الاسلام دون أن تشوبها حمية الدم او الولاء أخذ يخطط لتنظيم المجتمع الاسلامي ويبرز خصائصه الاخلاقية على أرضية من العقل والواقع تتسم بايجابية السلوك ، وسلامة أثره على الفرد والمجتمع فأمر المسلمين بالتعاون والتراحم والصدق فى القول والاخلاص فى العمل والوفاء بالعهد والعفو عند المقدرة ، والتواضع والتسامح والعفة والعدل الخ . قال الله تعالى : ( وعد عد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لها دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا ) (1) .
وقال تعالى : (والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ). وقال تعالى : (وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا ). وقال (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ). وقال (ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون ). وقال (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ). وقال الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولانساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) وقال (وأحسن كما أحسن الله اليك ). وقال (ان احسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها ). وقال (ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى احسن فاذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم ) . وقال (فاعف واصفح ان الله يحب المحسنين ). وقال ( واعبدوا لله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبل وما ملكت ايمانكم ) . وقال (فامساك بمعروف أو تسريح باحسان ). وقال تعالى (واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ). وقال ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ) . وقال ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) . وقال ( ويؤترون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) .
ومن جوامع الكلم في هذا المجال قوله صلى الله عليه وسلم : (انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق )كما قال (خالق الناس بخلق حسن ). وقال أيضا ( لا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا وقال (مثل المؤمنين فى نوادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
وهكذا نلمس معالجة الاسلام معالجة استقطابية لمجموع الجوانب الاخلاقية التى تحيط بالانسان فى نشاطه الفردى والجماعي على مستوى الذات والاسرة والجماعة الاسلامية والمجموعة الانسانية العامة بما يحقق تربية النفس واكمالها وتدريبها على متابعة الهدى والارشاد الذى يشهد العقل السليم بحقيقته وصلاحه ونفعه منطلقا فى ذلك من الهدى الدينى وحكم الفطرة والتجرد عن الضلالات الملصقة بأحوال البشر بعهود الانحلال والاضطراب الاجتماعى ساعيا الى بث تلك المعانى بين جميع الامم سواء كان بثه بتعليم متبعيه أم كان بابلاغه الى غير متبعيه بدعوته للامم المخالطة وبسمعته فيما بين الامم البعيدة ، فجعل الاتصاف بمكارم الأخلاق حقا على الولاة والهداة والرعايا كل فيما يخصه من الافعال المتعلقة بالاسلام او بمعاشرة المسلمين أو بمعاشرة غير المسلمين من الامم أو بالتصرف في الحيوان المسخر للبشر " (1)
وبهذا النهج السليم تغيرت النفوس وتهافتت على الاغتراف من مناهله وسعت الجهد الى تبليغه للناس كافة . فكانت اشراقة الاسلام بين أمم الارض اشراقة رشاد وهدى واصلاح للمفاهيم الخاطئة . وتدعيم للكيان العقلي للانسان . فاتخذ من الاعتدال والسماحة والواقعية منهجه فى دعوة الناس للاقتناع به والتبصر فى أصوله العقائدية والشرعية ، وفي الدعوة لاصلاح الفرد فكرا ومعتقدا وعملا فحفز الوازع النفسى فيه الى الاوجه الايجابية للسلوك الانسانى من تعلق باكتساب العلم وسعى لفعل البر وتفرغ لمزيد من العمل النافع . كالاهتمام باصلاح المجموعة وتركيز نظمها على اساس من الحق والعدالة والمروءة والاتحاد والمؤاساة والحرية والمساواة والعلم والعمل والتقى والورع .
( للبحث صلة )
