الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

منزلة الكبادي في الادب التونسي المعاصر

Share

  هذا عنوان القيته على الورقة ، عازما ان اتحدث . . . ولكن ارى بينى وبين الحديث الذى الفت ان اقوله شيئا من الحيرة لا ادرى كيف اصفها ولا باى لسان اعبر عنها .  .  . لا لنقصان المادة ولا لفتور فى العزيمة - عزيمة البحث عن آثار الكبادى فى الجرائد والمجلات والكتب ولكن ، لانى اجد نفسى مجذوبا بين نزعتين :

نزعة الموضوعية العلمية التى تملى على ان اتحدث وان ابحث الكبادى كما لو كان رجلا غريبا عنى ، لم اعرفه ولم يعرفنى . . . كابن المقفع مثلا  (1)  او كالشابى . . . (2) بحثا علميا يخاف ان ينزلق وان يقع فى الاحكام القيمية ، لان هذه الاحكام لا تتأتى للمفكر وللباحث الا بعد جهد جهيد هذه النزعة الموضوعية التى توخيتها فى دراسة المسرح التونسى  (3)  واجدنى مجذوبا لنزعة اللاموضوعية او الارتسامية Impressionisme لانى عشت فترة من ايام حياتى قريبا من الكبادى ، ايام صباى وشبيبتى الاولى ، وانا انهل من اقواله ومن امثلته . . . بمقهى الصيد ( المواجهة اليوم لوزارة الدفاع ) ، او بمقهى باب المنارة قريبا من بيته . . . ومازلت اذكر حلقة ضمت ليلة من ليالى رمضان حوله الشيخ ويليام مارسى وادباء من الجزائر والمغرب الاقصى وليبيا ، وكانت ندوة سادتها روح الظرف والفن الرفيع .

   " عرفتة " . . . واظن ان هذه الكلمة تكفى . . . وما زلت اسمعه يقول وقد رآنى اشتريت قلما جديدا فقال مداعبا

" فريد ، فى يراعته فريد

             به حبر نفيس لا يبيد "

 هذه الذكريات ، لم تزل يومياتى - التى سميتها وانا فى سن السادسة عشرة " يوميات طفل " تحتفظ بالكثير من ارتساماتى عنه وعن " حاشيته " مثل مصطفى خريف ، ومحمد ( بالفتح ) المهبولى وحمادى بركات . . . كما تحتفظ بالكثير عن على الدوعاجى واصحابه ومقهى " تحت السور " ومرتاديه " وحانوت " صالح الخميسى والمترددين عليه ، و " نادى المجانين " واعضائه . . .

 ولكن ، رغم هذا الانجذاب نحو الموضوعية من جهة ، ونحو الارتسامية من اخرى اود ان ارسم من الشيخ العربى الكبادى صورة تقترب من الموضوعية

العلمية التى رسمتها لنفسى ومن الارتسامية ومن " الروحانية " حتى لا يفسد العلم ارتساماتى ولا تفسد ارتساماتى منهجى العلمى

اديب ظريف (4)  . . .

  الشيخ الكبادى ، يقوم امامنا فى الادب التونسى ، بين مدرسة قبادو ، الكلاسيكية المحض ، وبين مدرسة الرومانطيقية الاولى ، السابقة لمدرسة الشابى ، التى تجمع بين من تجمع " امير الشعراء " الشاذلى خزنه دار (5) ومصطفى آغه  (6) ومحمد بوشربية  (7)  وابا الحسن ابن شعبان (8) وحسين الجزيرى  (9) .

   ولكن عند ما نقول انه بين الكلاسيكية القديمة وبين الرومانطيقية التونسية ، فى حلقاتها الاولى ، لا نؤيد راينا هذا بحجة . . .

  ولعل علم الاجتماع ، ان طبق على الادب  (10) كفيل بابراز ما نرمى اليه ، وما نعتقده من ان الكبادى حلقة بين الماضى والمستقبل اذن فهو يجمع بين الماضى وما فيه من تيارات وبين المستقبل وما يحتوى من امال ، - وبينهما كما يقول الفريد دى موسى فى اعترافات فن العصر ، عن ابنة القمص سرفندان بسترازبورغ " اقيانوس الحاضر " . . . او بالاحرى حاضر حياة الكبادى . .

  لو طلب منى ان اصفه ، لقلت اذا ، ما بين عصرين . اعنى ، تقلقلا واضطرابا ولكن شخصية الكبادى ، لم تعرف الازمة كما عرفها الشابى او الحداد . . . بل اعتقد ان فطرته الادبية ، العريقة فيه ، والتصقه بنوادى الادباء والشعراء والظرفاء بتونس اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين جعلت منه ، عقلا وروحا واحساسا لا يأبه كثيرا بالواقع وان هو يتاثر به .

  اديب . . . نعم ، الكبادى ، على خلاف كثير من الزيتونيين الذين قصروا ثقافتهم على الكتب والمؤلفات التى كانت تدرس فى الجامعة الزيتونية فى مطلع القرن العشرين  (10)  

    كان التعليم الزينونى تعليما فقد الروح ونقصته الديناميكية التى هى عبارة عن الحياة . . . وان كان فى ذلك الجو الجامد المحافظ محافظة فظيعة ، رجال الاصلاح ،  مثل الشيخ سالم يوحاجب  (11) والشيخ الطاهر بن عاشور  (12 والشيخ محمد بلقاضى  (13)  والشيخ النخلى  (14)  واخيرا الشيخ محمد الخضر ابن الحسين، الذى اصبح فيما بعد عميدا وشيخا لجامعة الازهر بالقاهرة  (15)  - فلم ينجح في خلق روح ادبية حية تمتاز بطابع الحياة والتحرر والتجديد . . .    فى هذا الاطار الضيق وجد الشيخ محمد العربى الكبادى نفسه ، فحاول جهده ان يشرب من ينابيع الادب العربى القديم - شرقيه واندلسيه ومغربيه - حتى ينجو من " فصل من الجحيم " ( كما يقول الشاعر الفرنسى ارثور رمبو ) وفعلا جمع الشيخ الكبادى - بعد جهاد طويل ، ينابيع الادب العربي وعيونه مثل " كتاب الاغانى " لابى الفرج الاصفهانى ، ومثل ديوان الحماسة ومثل

الذخيرة فى محاسن اهل الجزيرة لابن بسام ، وقلائد العقيان للفتح بن خاقان . . وكان قد مرن ذاكرته على ان تحتفظ على ما شاء ربك من الاخبار والاشعار والنوادر والملح ، فكانت ثقافته ثقافة الاديب .

   نعم ، كان فى رايى العربى الكبادى يمثل احسن تمثيل الاديب والادب فى تونس . وكان يمثل احسن تمثيل فى نظر المستشرقين الذين ترددوا عليه وزاروه ببيته " الاديب " احسن تمثيل الاديب فى شكله المثير . فلم تكن كلمة ادب عنده ، هيكلا بلا روح بل كنت ، كلما جلست قربه ، اشعر ان للادب محتوى وللادب وجها هو وجه الشيخ العربى الكبادى .

  ولقد احس بما احسس مستشرقون كبار مثل ويليام مارسى (المتوفى سنة 1959) وليون برشى ( المتوفى ) وريجيس بلاشير ، وجاك بارك ونيكل الاميريكى ( المتوفى اخيرا ) ، وامبرتو ريزيتانو الايطالى الذى ضمتنا ذات يوم ندوة اذاعية حول شيخنا الراحل  (16)  فان كان الادب لا يثير في ذهن طلبة الجامعات العربية والغربية على السواء ان هم طالعوا آثار عبد الحميد الكاتب وعبد الله بن المقفع ، وسهل بن هارون ، وابى عثمان الجاحظ ، وابن قتيبة ، والمسعودى وأبى حيان التوحيدى وغيرهم - وهم كثير - الا صورة فكرية ، ذهنية محضا ، فانها ، بفضل وجود الشيخ الكبادى كانت تثير امامى ، مثلا حيا استطيع ان اصفه وصفا واقعيا ملموسا .

   فالعربى الكبادى بحفظه لالاف وآلاف الاخبار والنوادر وبذكره فى جميل المناسبات ، ولطيف المواقف - لشواهد الامثال والاشعار ، كان برهانا على ان الادب لم ينقطع عن الحياة ، وعن ان الادب متسرب فى الحياة ينهل منها ويعبر عنها .

فهو اذن ، يصور فى شخصه الادب - يلمس ويجس

ظريف بين الظرفاء

ولكن الشيخ الكبادى كان يضيف الى هذه الثقافة الفكرية - التى تشرب من لكتب وتنهل من عيون التاليف طبعا ، كله رقة وفن واحساس وتفنن في اللباس والجلسة واختيار لشيق الالفاظ وجميل العبارات ومثير النوادر ، ولذيذ الاخبار ، هذا الطبع الذى لا مناص لك من ان تسميه بالظرف . . .

ان هذه المشية المتزنة آونة ، الجسورة آونة اخرى ، وهذه الجبة الحريرية او القطنية التى " خيطها " امهر الصناع ، وهذه " الكنترة " او هذا الحذاء الذى صنعه امهر الحذائين ، وهذه " الكشطة " المطرزة طرزا رقيقا ، وهذه البدعية من ثمين الصوف وهذا القميص من ثمين القماش . . وهذا " المبسم " الذى يدخل فيه الاستاذ الكبادى سيجارته (وهو هدية من هدايا الامير) ، وهذه الزهرة او هذه الوردة التى مسكت بها اصابعه برقة ولطف ، هذا او هذه المظاهر كلها علامة ودالة على ظرف شاعرنا . . .

نوادى الظرفاء

ويسترسل شيخنا فى " سلوكه " هذا ( 17 ) - وليس بوحده فيجتمع باصحابه واقرانه وخلانه من الظرفاء - من شيوخ الزيتونة او من خريجي الصادقية ( 18 ) فى نوادى الادب والظرف ، فى داخل بيت من بيوت الارسطقراطية فى قلب " المدينة " زوالا ، او فى بستان من بساتين باردو ، او اريانة ، فى عشايا الربيع او فى مكان منعزل يشرف على البحر بسيدى ابى سعيد صيفا هذه النوادى الظريفة اراها صلة من اوثق الصلات بين حاضر الشاعر الكبادى وبين الماضى ، ذلك الماضى الذى يحن اليه شيخنا ، ويذكره ذكرا واقعيا كاد يكون ملموسا ، وهو يطالع او يعارض بين كتب الادب القديمة . . . ان الكبادى كثيرا ما كان يذكر مجالس الشعراء والادباء والظرفاء والحسان والقيان على ضفاف وادى العقيق ايام عمر بن ابي ربيعة ( 19 ) ومجالس الشراب والانس ايام والبة الحباب ومطيع بن اياس وسلم الخاسر وابى نواس ( الذي كان شيخنا يحبه ويميل اليه ميلا كبيرا يتجاوز المحبة والميل الفكرى ) ايام العباسين ومجالس الخمر واللذة ايام الايوبين مع سناء الملك والبهاء زهير ومجالس الغناء والطرب والمجون في الاندلس في كل امارة من امارات ملوك الطوائف ، خاصة فى مملكة اشبيلية ايام بني عباد ، سيما ايام الملك - الشاعر المعتمد بن عباد ( 20 )

تشعر هنا ان الماضى حتى فى حاضر شيخنا ، وانه يصبغ سيرته ومواقفه بلون من الطرافة والواقعية معا ، هذا التفاعل بين الفكر - او الادب - وبين الحياة الفردية فى المجتمع ، لم يسترع انتباه الناس فلانهم لم يدرسوا الادب وادب الادباء على حقيقته ، بل تراهم فى اغلب الاحيان يجردونه ويبعدون ما بينه وما بين " القاعدة المادية " التى يعيش عليها ومنها . .

ولا شك فى ان الشيخ محمد العربى الكبادى ، يمثل شيئا من " البرجوازية الصغيرة " التى عاش بعض افرادها داخل اطار الزيتونة - فى ثورة لا تلجأ الى العنف ، ولكن فى ثورة ساخرة غير آبهة بما يقوله الفقهاء المتزمتون دأبها ان يعيش صاحبها فى لذة ماجنة وفى بحبوحة مستمرة

غلاميات

لا شك ان الادب العربى كثيرا ما لجأ الى التعبير عن الشوق والحب الى المرأة مستعملا المذكر وانك كثيرا ما تجد الشاعر او الكاتب يلجأ الى كلمة " سيدى " وكلمة " مولاى " لذكر الحبيبة . . .

وانت تسمع اميرا مروانيا يقول :

- ومن لا اسميه مخافة عتبه

على ان قلبي مستهام بحبه

2 - وبعض اسمه حاء وباء حروف

اطوارها . . . .

3 - عليه سلام الله منى مرددا

سلام محب جاد فيه بقلبه

وفى نفس الطريقة تجد ابن زيدون يقول فى نونيته الشهيرة :

لسنا نسميك اجلالا وتكرمة

وقدرك المعتلى عن ذاك يغنينا

اذا انفردت وما نستوركم فى صفة

وحسبنا الوصف ايضاحا وتبيينا

ويتبعه ابن الحداد الاندلسي فيقول :

صنت اسم الفى فدأبا لا اسميه

ولا ازال بالغازى اعميه

هذه النزعة نجدها عند العربى الكبادى فلقد حاولت مدة ان اجد ، خلف التغنى بالغلاميات فى قصائده اسماء " المحبوبة " . . فادركت مدى الاتصال الوثيق بين العربى الكبادى وبين حضارة الاندلس وشعرها ( 21 ) فانك كثيرا ما تجد فى شعره التغنى بالغلمان ، ولكن الشيخ يتغنى فى اغلب الاحيان بالمرأة التى يخفيها وراء المذكر . كثيرا ما جلس الكبادى ، فى حفلات " الراشدية " التى بقيت كعبة الفن الاندلسي فى شمال افريقيا يرمق صليحة ( حياة ) او علية بنظرة الاعجاب والتغزل بمفاتنها ، والتشبع من رى شبابها ومحاسنها ويثور الشعر فى قريحته ، فلا يصفها الا كما يصف الغلام . . . على ان الكبادى كان متبعا لسنة الادباء والطرفاء الذين ذكرناهم ، يميل ايضا إلى مغازلة الغلمان والاحداث ومداعبتهم ، وانى لا ارى هذه النزعة شديدة الاتصال بثقافته الاندلسية ، فهو قد سمح لنفسه بهذه النزعة التى يندد بها المجتمع . . . ولكنها نزعة موجودة - بكثرة فى الايام الاخيرة من حياته - في شعره . .

ولقد كان الكبادى ، يثير عند بعض النقاد - الذين يخلطون بين الذات والموضوع ، وبين حياة الشاعر الخاصة وبين شعره نقدا لاذعا عن سيرته الشاذة هذه . . . ولكنها سيرة موروثة وسنة متبعة .

مواضيع شعر الكبادى

قلنا ان الكبادى ينتمى الى البرجوازية الصغيرة . . ومعناه ان هذه الطبقة التى اخذت حالتها تتدهور ( 22 ) اخذ افرادها يلتجئون الى وسائل تضمن لهم الحياة فلهذا ترى الكبادى ينخرط فى سلك الوظيف ، حتى يضمن لاسرته حياة " متوسطة " . . . ولهذا تراه ، فى كل عيد وكل مناسبة " رسمية " يمدح الامراء والبايات ولهذا تراه ، يلجا الى الصحافة يكتب فيها ، والى مذياع

تونس ينظم له ( 23 )

فكانت مواضيع الشعر القديمة التى تشبع بها وهو يحفظ للاندلسين مثل - شعر الطبيعة - شعر الغزل الغلمانى - شعر الوصف - شعر الحكمة

تقوم جنب المواضيع الشعرية التى اجبرته عليها " المناسبات " حتى انني ارى فيه احيانا ( مع محمود بورقيبة " شاعر الشباب " ؟ ؟! ! ) اكبر شاعر للمناسبات ( 24 )

هذه المواضيع ، لا ارى حاجة الى بحثها ، ولا شك في ان الباحثين ، سيتصدون لها بالبحث ، على اننى اشير الى ان قيمتها " الجمالية " - غالبا تقترب من الصفر ولكن قيمتها " الاخبارية " Valeur documentaire    ،  قد تكون على  غاية من الاهميه وفى هذه النقطة ، تكمن اهمية شعر شيخي محمد العربى الكبادى رحمه الله

اشترك في نشرتنا البريدية