الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

منطق شاب

Share

الساعة السابعة :

لم يتمكن منه النوم طيلة الليلة الماضية . . قضى ليلته فى ارق . . قلق متواصل . . ضج السرير من حركاته الدائمة . . كثرت تقلباته فوقه .. ما كان يتوقع ان يحدث ما حدث له هذا اليوم . . بالامس سلمت له أمه  استدعاء من المحكمة . . اخبرته ان شرطيا اتى به فى غيابه . . فضيحة ليست له طاقة لحمل عبئها الثقيل . . الخيالات المزعجة تتنازع راسه . . تعصف به . . العبارات تتصارع فى لسانه لكنها لا تنفلت منه . . خرج من المنزل هائما  . يريد ان يروح عن نفسه . . الريح خارج المنزل تعصف بشدة . . والزوبعة  الداخلية اشد عصفا . . لن يبقى بين جدران المنزل . . تطبق عليه .. تخنق انفاسه . . لن يبقى فريسة للخيالات المفزعة تتاكله . . لنقمة اسئلة امه المقلقة الملحاحة . . اين يتجه هذا الصباح ؟ . . عليه ان يستاذن من رئيسه . . سيكتفى بمخابرته هاتفيا . . ليس له امكانية مواجهة زملائه الناس فى الطريق يسرعون . . الامطار عصى تنحط عليهم . . تصفع وجوههم فيفرون مستنكرين خطواته البطيئة . . تحت المطر . . رجته أمه ان يتزوج .. الحت فى رجائها . . استعانت باصدقائه لاقناعه . . كان يضحك منها ومنهم ضحكته المعهودة كلما اعادوا عليه الموضوع . . .

قال له احدهم يوما ، لقد تراكمت عليك الادران . انك تحتاج الى صقل . ولن يصقلك غير زوجة وفية .

دخل اول مقهى . . جلس على الكرسي . . لم يتفطن الى وجوده فى المقهى الا عندما سأله عامل المقهى :

- ماذا تشرب ؟ . . تفطن الى حالته فاصلح من قعدته وتردد قبل ان يجيبه . . ما الذى يبعد عنه كابوس القلق هذا ؟ . .

- زجاجة جعة ! . .

حدجه العامل بنظرة استغراب . . ليس من عادة الناس ان يطلبوا المسكرات صباحا . . غير انه اقتنع بوجاهة الطلب عندما راى امامه انسانا غير عادى .. رأى وجها مكفهرا . . مصفرا . . شاحبا . . شعرا مبعثرا . . ثيابا مبتد مرتداة فى غير نظام . . سيجارة تلهب صدره ..

توسلات امه ما زالت تلاحقه . . تريد ان تراه عريسا قبل ان تموت . . كم مرة رددت عليه هذه الجملة . . كان يعدها فى كل مرة بالتفكير فى الموضوع لم تكن تلك الوعود غير وسيلة للتخلص من الحاحها لاسكاتها ولو الى حين .. لقد قرر قراره . . انه غير مستعد لان يتخلى عن حريته . . لقد تزوج أخوه الاصغر . . فماذا استفاد ؟ . . لا شئ . . كانت تجربته فاشلة . أصبح مكبلا . . حددت الزوجة تصرفاته . . فرضت عليه الاتصال بهذا دون ان تكون له ميول نحوه . . والابتعاد عن ذلك بدون مبرر . . هي رغبة زوجته غير . . كلما اتى ابنهما منكرا ، قالت : هكذا ابوه . . اما حسناته فمن حسناتها . . تخلى عن اصدقائه . . عن زملائه فى الدراسة . . فى العمل . نخلى عن عائلته . . اصبحوا لا يرونه الا فى المناسبات القليلة ولمدة قصيرة . جذبته نحو عائلتها . . حياة أخيه تسير على نمط واحد . . من المنزل الى العمل . . ومن العمل . . الى المنزل . . او خروج لقضاء بعض الشؤون المنزلية . . او تلبية لطلبات زوجته المتكررة . . يعمل ويجد حتى ينهد كيانه ثم يعود الى بيت قعيدته لكاع . . كلهن لكاع . . ما الفرق بين حياته كشاب وحياة شيخ طاعن فى السن . . هل خلق للاكل والانجاب . . وانتظار الموت .

انه يريد ان يعيش حرا . . طليقا . . يخرج متى شاء . . يجتمع بمن شاء كيف يتنكر لتك الجلسات الجميلة والسهرات الممتعة مع اصدقائه وهم يلعبون الورق . . يحتسون كؤوسا معتقة كل ليلة . . لا يعودون الى منازلهم الا في ساعة متأخرة من الليل ثملين . . من ينتظره هناك ؟ . . أمه وأخته تنامان مبكرا وتقومان مبكرا . . تقلقانه بحركاتهما كل صباح . . ما له ولشروط الزواج المجحفة ؟ . . لمشاكل الزواج العديدة ؟ لنتائج الزواج المؤلمة .. معاناة زوجة وأطفال . . لقد انصفهن المعرى ...

احس بمرارة عندما تذكر ان المجموعة اخذت تتضاءل بمرور الزمن وتعود الى اعشاشها الدافئة . . سيواصل السير وحده ان اقتضى الامر . . غريزة الجنس . . بامكانه ان يطفئها . . كثيرات هن اللاتى تعلقن به . . تمنينه . .

هذا لا يكون . . هذا غير ممكن . . ليس هذا باخلاص . . ان اخلاصه لهن ان لا يتزوج بواحدة منهن . . هل يقيد نفسه بواحدة وقد تعود بهن كثيرات ؟ . طالع مرة قول المعز لدين الله الفاطمي الزموا الواحدة التى تكون لكم ، ولا تشرهوا الى التكثر منهن والرغبة فيهن ، فيتنغص عيشكم ، وتعود المضرة عليكم وتنهكوا ابدانكم ، وتذهب قوتكم وتنحل اخلاقكم ، فحسب الرجل الواحد الواحدة " . علق عليه قائلا : " اليس الاحسن للمرء ان لا يتزوج نهائيا ؟ ٠٠ " .

كان القلق يهزه هزا . . يعصف به شديدا . . عندما يتذكر ان له اختا فى عمر الزواج ولم تتزوج ان سلوكه مع الفتيات يدفعه - احيانا - الى التفكير باخته . . لا بد من تشديد الرقابة عليها . . قد تنزلق مع شاب كما انزلقت معه عشرات الفتيات . . لقد القى شباكه فجاءت بالصيد الوافر . . وسائل الاغراء عند الشاب كثيرة . . .

كان يجلس امامه شخص يطالع جريدة يومية . . اثارت انتباهه عناوينها الضخمة :

الحكومة تدرس مشاريع جديدة للتنمية الاقتصادية . المشاريع الجديدة قفزة عملاقة فى سبيل الاكتفاء الذاتى والرقى . ارمسترنج ينزل على سطح القمر. الفلسطينيون يسددون للصها ينة ضربات موفقة . الفلسطينيون ينسفون معملا بتل أبيب . ازاح بصره عن الصحيفة بتبرم : ماذا يهمنى من هذا كله ؟ . .

الساعة الثامنة

طرق سمعه صوت يقول : محكمة . . ارتجت فرائصه . . ارتعدت مفاصله التفت الى مصدر الصوت ليرى حريفا ينادى عامل المقهى . . ضحك من نفسه ضحكة صفراء باهتة . . نهض من مكانه بعد ترك جثث القوارير مكدسة فوق المائدة . . تذكر انه لم يخابر رئيسه . . قصد الباب واتجه نحو مركز البريد . . ماذا يقول له ؟ . . هل يدعى انه مريض ؟ . . انه سيتخلف لقضاء بعض الشؤون العائلية ؟ . . لن يقول له شيئا سيخبره انه سيتغيب فقط .. لن يزيد على ذلك . . رئيسه تسيطر عليه زوجته . . لقد سمع يوما - عن غير قصد - محادثة هاتفية بينهما . . سمعها تأمر وتنهى . . ورئيسه يرد في كل مرة بالايجاب مع ايماءة برأسه تؤكد الموافقة والتأييد فى كل شئ . كان يحترمه . . يها به . . احتقره منذ ذلك اليوم ..

دخل مركز البريد وأخبر رئيسه بغيابه . . الح عليه هذا فى معرفة السبب . . وعده باخباره عندما يعود . . ثم خرج ..

ليس له اتجاه معين . . يريد ان يتخلص من الافكار المزعجة . . من النداءات التى تلاحقه . . تصم آذانه . . من النظرات التى تحولت الى أصابع تشير اليه بالاتهام . . ربما تغيرت نفسيته بتغير المكان . . ايعود الى المنزل ؟ لا .. فهناك أمه ما تنفك تسأله . . اخته الماثلة للزواج تثير فى نفسه الشكوك

سأله أخوه مرة وهو يلعب مع ابنه :

- ما الفرق بينك وانت اعزب ، وقد تخطيت الثلاثين ، وبين من كانوا يئدون اطفالهم في الجاهلية ؟ . . الا تشعر انك بغلة تأكل وتروث . . انك العدم . . لا تنتج غير العدم . . ضحك من سخافة المقارنة وخرج ..

أحس بالبرد . . رفع معطفه حتى اذنيه ودسهما فيه . . ادخل يديه فى جيبيه . . تعثرت يده بالاستدعاء . . فتحة واعاد قراءته :

- يرجى الحضور بالمحكمة صباح يوم . . . على الساعة العاشرة . . استدعاه قبل مدة رئيس مركز الشرطة . . شكوى مقدمة ضده . . الح عليه المسؤول فى حل المشكل وقبر القضية . . قال آنذاك : لن آكل من ماعون ولغ فيه مئات الكلاب . . .

- ماذا تريد مني المحكمة ؟ . . ما تعودت الوقوف امامها . . وينتبه على تزمير حاد . . سيارة كادت تدوسه . . قفز قفزة لولبية على الرصيف .. ضحك منه صاحب السيارة . . تصور ان السيارة هى ايضا تضحك منه .. أصبح محتقرا . . حتى الجماد يهزأ به . . .

الساعة التاسعة :

عنت له فكرة فاتجه الى المحكمة . . لقد كان يمر بها سابقا دون ان يلتفت اليها . . كان يجهل معالمها . . أخذ يتمشى امامها بخطى وئيدة . . تصور نفسه يصعد المدرج . . يقوده شرطيان . . يدخل قاعة المحكمة . . يقف أمام رئيسها . . المتفرجون كثيرون . . والقضية اخلاقية . . انتبه الى نفسه ..

كان واقفا كالابله . . يداه مسبلتان مع قامته . . رأسه منكس . . صرخ فى نفسه : لن أحضر المحاكمة . . . ليفعلوا ما يشاؤون . . لن اتركهم يخططون مستقبلى ؟ . . حكمهم مرفوض مسبقا . . .

ادار ظهره الى المحكمة واسرع . . هرول . . اختفى عن الانظار . . الساعة العاشرة : - حمادى ؟ ٠٠ - حاضر سيدى الرئيس ..

كان الرئيس وعضداه قد وضعوا بعناية فائقة فوق مقاعدهم . . . - هذه الفتاة تدعي انك اعتديت عليها ؟ . .

تذكر اول لقاء بينهما . . تذكر لقاءاته مع الاخريات . . لم يتعب كثيرا فى الحصول عليها . . لقد همت به وهم بها . . لكنه لم يكن يوسف بن يعقوب ليرى برهان ربه . . تعددت لقاءاتهما فى منزله . . تأتيه ليلا . . لم يجبرها على ذلك . . كانت تأتيه بمحض ارادتها . . كم مرة أطردها بلباقة . . هي التى تعلقت به . . احبته . . هكذا تدعى . . من يصدق انها لم تتعلق من قبل بغيره . . لم تقع مع غيره كما وقعت معه . . من سرق مرة هان عليه ان يسرق مرات . . لن تتحصل على حبه بقرارات المحاكم . .

انها تبكى . . لقد جردت سلاحها . . . غرسته فى قلب الحاكم . . فى قلوب الحاضرين . . ما اقبح المراة عندما تبكى . . . تطلعت اليه العيون . . تراءت له ضآلته . . احس بغربته . - مالك لا تجيب ؟ . . هل انت مستعد للزواج بهذه الفتاة التى اعتديت على شرفها ووعدتها بالزواج ثم نكثت وعدك ؟ . . - وكاد يجيبه : هي التى اعتدت على كرامتي سيدى الرئيس . . ان وقوفى امامكم ، وفي هذا المكان اعتداء على كرامتي . .

أنا لم اعتد على أحد . . لقد تآمرتم على . . أمي . . أختى . . أصدقائى . . رئيس مركز الشرطة . . والآن اكتمل الشمل فاضيف اليهم رئيس المحكمة . ما لكم تلاحقونني ؟ ٠٠ ماذا تريدون مني ؟ ٠٠ لكنه آثر الصمت . . صمت ازعج القاضي فقال بصوت ضخم يوحى بسلطة القانون .

- يظهر انك وقح للغاية . . ما لك لا تجيب ؟ . . وحاول ان يعيد الى نفسه طمأنينة ابعدها الموقف ٠٠  - عفوك سيدى الرئيس..

هدأت ثورة القاضي فقال بصوت محمل برجاء حل القضية : - من تزوج فقد ملك نصف دينه . . الا تتعظ بقوله تعالى : " ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون " .

ومرة اخرى يؤثر الصمت . . كان يريد ان يقول : - انا لا ارغب فى الزواج . . اريد ان اعيش حرا . . طليقا . . اتركونى؟ لا أريد نصائح . . أنا راض بوضعى . . لا اريد سلاسل تقيدني . . تكبلني لن اخضع لارادتكم . . لحكمكم الجائر . .

واستمر الحاكم يسأل . . يشرح . . يوجه . . وانقلب المتهم الى حرف نفي . . رفض . . صمت . . احتجاج . . - بعد الاطلاع على القضية المقدمة من طرف . . . وبعد . . . وبعد . وحيث ان . . وحيث ان ٠٠ .

كان لا يهمه شئ من البعديات والحيثيات . . كان يترقب آخر جملة من القرار . . الفضوليون فى القاعة هم أيضا ينتظرون الحكم وكأنه يعنيهم . . . - قررت المحكمة تزويج المتهم حمادى بالفتاة . . وفي حالة رفضه للزواج وامتناعه عن تنفيذ القرار يغرم بمائتين وخمسين دينارا مع سجنه سنتين . . - لقد قتلتموني . .

وكاد يزيد انتم الحكام لكم رائحة حبال المشانق . . - بل قل كنت ميتا فاحييناك . . كان لا بد من ادخالك مخبرا وصياغتك صياغة جديدة . . كنت صفرا . . أصفر . . ميتا . فحولناك رقما شيئا مذكورا . . .

اشترك في نشرتنا البريدية