الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

منطلقات فى تقييم الاتجاهات الادبية ، العربية الماصرة

Share

لعل المحور الاساسي لعملية تقييم الاتجاهات الادبية العربية المعاصرة ، يكمن فى البحث عن نظرية فى القيمة ، تستمد نفسها من تجربة متكاملة أو شبه متكاملة للادب العربى المعاصر ولست أزعم اننى سأتصدى بهذه السطور لجملة الاشكالات التى تعترض سبيل بلورة مثل هذه النظرية . غير ان عنوان هذا البحث الذى قد يخسر فى العمق ما أراد له القيمون على المؤتمر ان يكسبه فى الاتساع ، يجعل من الضرورى طرح بعض التساؤلات التى تشكل المدخل الى مثل هذه النظرية على الاقل : - هل تعود الاختلافات فى التقسيم الى التيار فى الاهتمامات او المواقف الثقافية لدى النقاد ، ام لان القيم الفنية مزيح من القيم الموضوعية والذاتية يصعب تعيين النسب التى تتألف عناصره منها ؟

هل المبدعات الفنية جيدة لانها تمتلك خصائص فنية مستقلة عن حكمنا عليها ام لانها اعتبرت كذلك لسبب او لآخر ؟

من المؤكد ان الادب مؤسسة اجتماعية ، وظاهرة الفن بشكل عام ، هي جماع ظاهرة الحياة الانسانية والسلوك الانسانى

وبالتالى فهى فعالية واعية تتحقق من خلال حسن استغلال مادة الابداع .

وهذا يعنى وجود عنصر القصد . ولعل فى كلمة " قصيدة " ما يفيد هذا المعنى بيد ان العمل الفنى الناتج عن فعاليتنا ينبغى ان يكون اولا ، غاية مبررة فى حد ذاتها ، حتى يكون وسيلة ناجعة لغاية اخرى . واذا سلمنا بأن غاية الادب هى التأثير على نحو لا يمكن ان تقوم به أداة أخرى ، فان أي نظرية فى القيمة تتصل بالأدب العربى المعاصر ، لابد ان تأخذ فى الاعتبار ضرورة اكتشاف العلاقة الجديدة بين الواقع والاداة التعبيرية - . وبالتالي محاولة بلورة معايير لتلمس حدود القيمة الجمالية على اساس قدرة المبدعات الادبية

على التأثير . ان التأكيد على ان تقييم القيمة الجمالية مرتبط بقدرة العمل الادبى على أداء مهمته ، هو الاساس . وقد أجهد النقاد الغربيون انفسهم فى دراسة كيفية تحويل القيمة الجمالية التى هى فى حقيقتها قيمة وصفية الى قيمة معيارية ( أى أخلاقية ) .

غير ان الارتباط بين الادب والاخلاق فى نظرية الادب العربي القديم ، وثيق الى حد انه يبدو ماثلا فى ابرز مبدعات ادبنا العربى المعاصر . وهذا يعنى ان معيار القيمة الذى نبحث عنه لا يتعلق بالتأكيد على دور الادب فحسب وانما ينطلق اساسا من استقصاء مدى قدرة الاداة الفنية على تحقيق هذا الدور الذى لن نبالغ فى تقدير حجمه فنخلط بين ما نتوقع أن يحدث بالاستناد الى ارتفاع نسبة الامية العامة والامية الثقافية ، وغياب عادات المطالعة الجاد وبين ما نرغب فى أن يتحقق فعلا فى المستقبل

ان كون كلمة أدب تطلق على مبدعات ليست بالضرورة اشد انتشارا من سواها ، يضعنا امام مشكلة اختيار صعبة : فالنقد الادبي يستند عادة الى التراث الادبي لدى الامة ، بالاضافة الى تجربة الأدب الشاملة كنشاط انساني عام تسهم فيه آداب الامم والشعوب الاخرى . واذا اعتبرنا ان التأثير هو القيمة الأساسية ، برز بسؤال حول الزمن الذي سيتم خلاله هذا التأثير :

فمن المعروف ان النقاد يميزون بين نوعين من الادب :

1 - الادب البعيد المدى ، أى الذى يسعى الى تقديم مناطق شاسعة من التجربة الانسانية وان يستخلص من ذلك شيئا من القوانين او القيم العامة .

2 - الادب القريب المدى والذى يستهدف تحقيق عملية التأثير على نحو مباشر .

فمن اى المحورين يمكن ان تنطلق نظرية القيمة فى الادب العربى المعاصر ؟

إن كلمة ( تأثير ) تبدو مبهمة الملامح الى حد كبير ، عندما نحاول تحديدها على الصعيد العملي . واذا اعتبرنا جمهور القراء اساسا ضابطا للمعايير التى بحث عنها لقياس مقدار التأثير فان من المحقق ان افضل المبدعات فى الادب العربى المعاصر ، لن تكون بالضرورة فى رأس قائمة الاعمال الادبية التى اصطلح النقد العربى المعاصر ( بميله الى الاخذ بمقاييس مستمدة من نظرية الادب الاوروبى ) على الاعتراف بها . قد ينجو من هذا الحكم عدد محدود من

الاعمال . ولكن هذا الاستثناء لا يمكن ان يرسم القاعدة . ان اى نظرية القيمة يتعين ان تأخذ بعين الاعتبار ان فترة الستينات التى سنحاول دراستها كمؤشر رئيسى من مؤشرات الاتجاهات فى الادب العربى المعاصر قد كانت اشبه شئ ببؤرة المخاض فى تاريخنا العربى الحديث ، وحملت بالتالى كل ما ينطوى عليه المخاض من عنف واضطراب وربما فقدان لحس الاتجاه

وبعبارة اخرى فان التطابق المفترض بين حساسية البث لدى الكاتب وحساسية الاستقبال لدى القارىء ، قد اختل لاسباب منها ان القارىء العربى فى فترة الستينات قد ضعفت صلته بالادب ، ولبس لان الادب هو الذي فقد الصلة بالقارئ .

قد يقال أن اداة التعبير التى جنحت الى ( التركيب ) بدلا من ( التحليل ) ، و ( التعبير ) بدلا من ( التقرير ) هى العامل الرئيسى الذى يمكن ان يفسر بعضا من ظاهرة الاعراض النسبى عن أدب الستينات .

ولكى لا نغالى فى التبسيط فاننا نكتفى بالقول ازاء ذلك ان ادب هذه الفترة قد تميز - من جانب الكتاب - بادراك عاطفى وعقلانى بالغ الحساسية للظاهرة الجمالية فى صلتها بواقع مضطرب . وكانت الانجازات التعبيرية فى مضامير البناء الفنى تستهدف دائما التغلغل الى هذا الواقع الكامن وراء التجرية ويبدو ان هذا التطور لدى الكاتب لم يقابله تطور تلقائى بالقدر نفسه لدى القارىء العربى . ولذلك اسباب ليس من مهمة هذا البحث الخوض فيها على نحو مباشر .

ان الحديث عن اتجاه أدبي انما يعنى الاعتراف بأن ثمة اكتشافا جماعيا بطريقة متميزة فى التعبير . واذا كان نقد فترة الخمسينات قد استحوذ على اهتمامه الموضوع الادبى بدلا من العمل الادبى فربما كان مرد ذلك الى حقيقة مفادها ان الاعمال الادبية هى التى تحد مناهج نقدها . لقد ازدهر نقد( الموضوع ) فى فترة الخمسينات ، لان المبدعات كانت إذاك أقرب Themtic Criticism الى البساطة من حيث معمارها الفنى . ولم يكن فى هذه المبدعات ما هو اشد تميزا من الموضوع . ان الموضوع Theme  هو المفهوم المجرد الذي يصبح متجسدا من خلال التعبير عنه من قبل البطل او الحدث او الصورة في العمل الفنى . ولما كان هذا المفهوم المجرد قد ظل ( مجردا ) لضعف في ( تجسيده الفنى ) احيانا ، فان النقد الادبي لم يجد مادة يتناولها تناولا ايجابيا

غير المفهومات المجردة التى كانت تأخذ شكل شعارات مباشرة ، وتنطلق من المجرد الى الحسي .

وبالطبع فان هذا التفسير لظاهرة سيطرة نقد الموضوع في فترة الخمسينات تفسير تكنيكى بحت له ابعاده السياسية بكل تأكيد . غير ان من المهم الاشارة الى ان سيطرة هذا النوع من النقد لم تكن بالحدث الذى يحمل شيئا من التغيير وانما كانت بشكل او بآخر امتدادا لعادات النقد العربى القديم فى تصنيف الشعر حسب الاغراض وليس حسب طرق تناول هذه الاغراض . غير ان فترة الستينات بما انطوت عليه من ثورة فى اتجاهات التعبير ، تجعل من المتعذر الاخذ بمنهج نقد ( الموضوع ) كأساس ضابط لعملية البحث عن معالم للاتجاهات الادبية العربية المعاصرة فالاعمال الادبية هي التى تحدد - بقدر أو بآخر - مناهج نقدها كما اسلفت . وامامى ثلاثة نماذج قد تعبر - بمقادير متفاوتة . عن عدم ملاءمة هذا المنهج النقدى فى التعامل مع ادب - الستينات :

- ( بكائية الى شمس حزيران ) لعبد الوهاب البياني - قصة ( اللحى ) لزكريا ثامر - مسرحية ( حفلة سمر ) لسعد الله ونوس

ان من المتعذر تصنيف البكائية تصنيفا ( حسب الموضوع ) فى اى اتجاه من ( اتجاهات الموضوع ) - السائدة فى النقد العربى . فهل هى من الشعر الاجتماعى أم القومى أم الانساني أم السياسي ؟

ان هذه الاسئلة ساذجة ومتعسفة الى حد انها تفترض مسبقا ان القصيدة الحديثة يمكن ان تسلس القياد الى مثل هذه المعايير فى التصنيف . ولكن البكائية تشتمل على جميع هذه الاغراض اذا صح التعبير . وكذلك الامر بالنسبة لقصة ( اللحى ) هل تصنف فى عداد الاتجاه التاريخي ام الاجتماعي ام القومى ام الانسانى ؟

وماذا عن ( حفلة سمر ) لسعد الله ونوس هل هى من نوع المسرح السياسى ؟ . . ولماذا لا تكون نموذجا من نماذج المسرح القومى او الانسانى ؟

تلك هي بعض الحدود التى تعترض سبيل اى نظرية تتبع من منهج نقد الموضوع فى تصنيف الاتجاهات الغالبة على فترة أدب الستينات بشكل خاص

لقد تميز ادب الستينات بطموح جارف نحو اكتشاف علاقات جديدة بين الواقع وبين الاداة التعبيرية . ذلك انه كان يمثل انقلابا شبه جذرى فى تطور الحساسية العربية المعاصرة ، ربما أمكن تعقبه بالتحليل التاريخي التاريخي ، باعتباره يشكل مرحلة فى عملية نمو لغة جديدة لواقع متغير . هذه اللغة الجديدة هى التى ستكون القاعدة فى محاولتنا التعرف على منطلقات في الاتجاهات الادبية المعاصرة ، كما تتمثل فى فترة الستينات . ومن الطبيعي ان تقسيم الادب وفق عقود زمنية ينطوى على قدر غير ضئيل من التعسف . غير ان هدفنا على أية حال لا يتعدى فى طموحه الاشارة إلى محاور فى البحث . ولا ريب ان فترة الستينات تحمل معظم ملامح الحداثة والمعاصرة فى تجربة الادب العربى وهى فى عنفها التعبيرى تطرح مسألة الاداة التعبيرية باعتبارها اساسا يصلح لمحاولة تقريبية فى التصنيف النقدى . لقد كان من الطبيعي ان يلجأ النقد الى منهج ( نقد الموضوع ) حين كان يتناول قصيدة ( يا قوم لا تتكلموا ) لمعروف الرصافى . اما هذا المنهج فانه غير مؤهل تماما لمعالجة قصيدة من الشعر الحديث . .

ان محاولة مسح منطلقات للاتجاهات الادبية المعاصرة يمكن ان تتم انطلاقا من الفكرة القائلة ان الاتجاه الادبى فى فترة من الفترات هو بمعنى من المعاني حصيلة للتطور التاريخي والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية . وفي هذا الحكم صبوة لتوحيد المنهجين التاريخي والفنى .

وقد كان طموح رحلة الستينات الى اكتشاف نمط جديد من العلاقة بين الواقع والاداة التعبيرية معبرا عن سعى سافر لرؤية الظواهر في ضوء جديد ، وتوق الى النظام جديد فى الآراء ، ومحاولة للتعبير عما لا يعبر عنه .

واذا كانت الاعتبارات السائدة فى تطور الافكار تتجلى على نحو ما في تطور الفنون ايضا ، فان فترة الستينات قد عبرت عن مرحلة من المخاض تحلت فى غياب اتجاه مسيطر سيطرة حاسمة . وهذا يحدث عادة فى فترات الفوضى الخلاقة التى تؤدى الى حدود جديدة تعقبها فترات من الجمود كما هو الامر فى الكلاسيكية .

واذا كانت فترة الخمسينات قد شهدت انتصار فكرة الواقعية بمعناها العام فان فترة الستينات قد تميزت بظهور تنويعات مختلفة على هذه الواقعية وذلك تبعا لنوعية العلاقة بين الاداة التعبيرية وبين الواقع . لقد ترسخت تقاليد الواقعية فى اواخر القرن التاسع عشر . وترسخ هذا الاتجاه في بلادنا مع

تنامى الاشكال الفنية باتجاه النضج فى فترة الخمسينات . غير ان المصطلح ظل غائما لسبب بسيط هو ان الكاتب فى اى عمل ابداعى يريد نقل الواقع فيه انما يتضمن عمله عنصرا محتما من الاختيار او التأكيد على جانب من الواقع دون جانب آخر . وحتى فى الحالات التى كان الكاتب العربى يلجأ فيها الى  لغة تستمد عنفها التعبيري من لغة الكوابيس ، فانه كان يقدم بذلك محاولة للتعبير عما لا يعبر عنه من تجارب الهزيمة التى نهضت على قاعدة من النصر وتجارب القهر السياسى والشعور بالملاحقة والاضطهاد وقصور الادوات عن تحقيق التطلعات

ومن البديهى ان الواقع المركب يتطلب اداة فنية مركبة للتعبير عنه . عندما كان  الواقع يبدو بسيطا تحددت فيه اطراف الصراع وكان الصراع نفسه يدور حول مفاهيم عامة ومحددة ، كانت واقعية الخمسينات عامة ومحددة . وعندما ظهر فى الستينات واقع مركب يتميز بغياب اتجاه فكرى مسيطر كما يحدث عادة فى فترات الانهيار او المخاض الذي يسبق التغيير ظهرت ملامح الاتجاهات الرئيسية الثلاثة فى الواقعية وهي

الواقعية التعبيرية - الواقعية التأثرية - الواقعية الطبيعية .

واذا كانت معركة الشعر القديم والحديث قد حسمت فى اواخر الخمسينات فقد تميزت فترة الستينات باتجاه هذه التجربة نحو الرسوخ وبظهور الامراض التقنية التى قد يتوقع ظهورها فى شكل ادبى لما يتبلور بعد . . وهي ) من خلال مثال الشعر الحديث ( :

1 - النمطية وليس الشكلية 2 - سيطرة المنطق السبب الترابطى على المنطق الشعرى 3 - التهويل والمبالغة على نحو يطرح مسألة الصدق الفنى احيانا . 4 - الجنوح الى الابهام ) اى استغلاق المعنى ( بدلا من الغموض ( اى التوصيل على نحو غير مباشر ( .

من الواضح ان ما يهمنا من الاتجاهات الثلاثة فى الواقعية التى سيطرت على المشهد الادبى العربى خلال السنوات العشر الماضية ، هو انها تمثل ثلاث نماط فى التعامل مع الواقع . وبالتالي التأثير على جمهور القراء . وهذه الاتجاهات ليست مقتصرة اصلا على العصور التاريخية التى ظهرت فيها باعتبار

انها تمثل عناصر دائمة فى الطبيعة البشرية ويشهد عصرنا الراهن بعثا لها بمقادير متفاوتة بين تجربة وأخرى . اننا هنا نستقرى أبعادها الراهنة في الادب العربى المعاصر ونوردها على اساس انها ربما تشكل علامات فى طريق بلورة نظرية فى تصنيف الادب العربى الحديث

أ - ملامح من الواقعية الطبيعية :

تتمثل بعض عناصر الواقعية الطبيعية فى تجارب عدد من الكتاب الشبان امثال ( جمال الغيطانى ( و ) يوسف القعيد ) ، فتجارب الغيطانى تمتح من التاريخ وتعتمد على الشكل التسجيلى وتنهج نهجا استقصائيا باردا فى دراسة القضايا المعروضة مع الايحاء بانتفاء عنصر الاختيار

وفى قصص ) يوسف احمد القعيد ( صاحب رواية ) الحداد ( محاولة لنقل ايقاع الحياة البطئ فى القرية المصرية دون تعديل . ويصل هذا التكنيك في قصته القصيرة ) الشتاء يأتى الى الظهرية ( حد اثارة الملل بسبب بطء ايقاع الحياة والايحاء بفقدان الاحساس بهدف قصصى انه يقدم القرية المصرية على مستوى من الوعى يبدو وكأنه لا يتجاوز وعى الشخصيات فى القصة

وتتجلى بعض ملامح الواقعية الطبيعية فى عدد من تجارب المسرح التسجيلي وعلى رأسها ) حفلة سمر من أجل 5 حزيران ( لسعد الله ونوس . ان الواقعية الطبيعية فى احد معانيها تعبير متطرف عن الواقعية التسجيلية التى تشتمل على الكثير من خصائص ) الريبورتاج الصحفى ( .

ألم تكن رواية ) ذكريات عام الطاعون ( لدانييل ديفو رفع أساسها تقريرا؟

ان ) حفلة سمر ( التى تقدم واقع الهزيمة دون تصميم شكلى او تدخل من قبل الكاتب ) وهي توحى بذلك ( قد اتهمت بسبب عنصر ) الطبيعة ( فيها بأنها لا تحل شيئا من القضية المعروضة على بساط البحث ، وقد رد ) سعد الله ونوس ( على ذلك بقوله :

( . . القول بأنني لم أحل شيئا لا معنى له . بالتأكيد لم أحل شيئا ولا اعتقد ان بوسع احد ان يحل شيئا . ومن نافل القول ان مشكلة كمشكلة حزيران لا تحل بمسرحية والا لما استحقت ان يكتب عنها مسرحية . ان فهم المشكلة هو جزء كبير من الحل : ان ننظر الى انفسنا جزء كبير من الحل

ان نعتاد التفكير ان نعتاد التفكير بصوت عال . وتدرج الامور فى المسرحية واستطرادها هو عملية اثارة التفكير وتأمل المشكلة وايجاد حلول لها وتبنيها . فما لم تتبن الجماهير قضيتها وتفهمها وتعرف أسبابها فمن الصعب ان تخرج منها وهذا هو الجانب الايجابي في المسرحية التى ليست عملا متشائما على الاطلاق (

) بحث اجراه بدر الدين عرودكي - الطليعة السورية العدد 233 ( .

لقد كان تدرج الامور واستطرادها لدى الواقعيين الطبيعيين جزء جزءا من عملية اثارة التفكير وتأمل المشكلة . وقد سبق ل ) زولا ( ان ضمن بعض رواياته صفحات طويلة فى الاقتصاد والمناقشات ذات الطابع الاجتماعى

ولعل رواية ) العصاة ) لصدقى اسماعيل تمثل احد نماذج الستينات التى نمتح الكثير من تقنية الواقعيين الطبيعيين . فعلى الرغم من انها ليست رواية تاريخية ، فقد اشتملت على وثائق حرفية تقريبا عن الثورة السورية

ب - ملامح من الواقعية الانطباعية :

فى قصص ) غادة السمان ( يتجلى الاهتمام بالحواس . وهى تخضع العقدة والسياق القصصى للمزاج وتهمل العلاقة السببية بين الحوادث لتطرح بدلا منها العلاقة الداخلية الذاتية كما تتجلى فى عقل الكاتب

ان غادة السمان كثيرا ما تعمد الى تجزئة المنظر الى اقسام صغيرة ثم تعمد الى اعادة بناء علاقة جديدة وفق ترتيب ذاتى . . وهى تقدم الواقع ليس حسب ما تعرفه ، وانما حسب ما تراه وتشعر به الشخصيات . والكشف عن الدوافع ليس هاما قدر اهمية الكشف عن الشعور كما فى قصائد ) نزار قبانى ( التى نقترب من الواقعية الطبيعية فى بعض ملامحها : فهو يتجه الى الحواس ويلجأ الى لغة عاطفية مباشرة ومفعمة بالألوان ، وتستهدف ايصال انطباع عن الواقع دون ان تقدم الواقع نفسه

ج - ملامح من الواقعية التعبيرية :

من المؤكد ان اهم الانجازات في التطور الحاسم الذي طرأ على العلاقة بين الواقع وبين الاداة التعبيرية فى الادب العربى المعاصر ، قد تحقق من خلال الاعمال التى تقترب من اتجاه الواقعية التعبيرية .

وفي قصص ) زكريا تامر ( وقصائد ) عبد الوهاب البياتى ( ) فى مرحلته المتأخرة بشكل خاص ( تتجلى ملامح من هذا الاتجاه الى حد كبير

ان الواقع فى ) التعبيرية ) هو واقع الضمير . انه واقع ذاتي محتج بالضرورة . . وقد يكون اشد تعبيرا عن الواقع الموضوعي من الواقع الموضوعي نفسه . يقول ) زكريا تامر ( فى قصيده ) الذي أحرق السفن (

" فى اليوم الاول خلق الجوع فى اليوم الثاني خلقت الموسيقى فى اليوم الثالث خلقت الكتب والقطط فى اليوم الرابع خلقت السجائر فى اليوم الخامس خلقت المقاهي فى اليوم السادس خلق الغضب فى اليوم السابع خلقت العصافير واعشاشها المخبأة فى الاشجار

فى اليوم الثامن خلق المحققون ، فانحدروا وأتوا الى المدن ، برفقتهم رجال الشرطة والسجون والقيود الحديدية

ويقول ) عبد الوهاب البياتى ( فى ) قصائد حب على بوابات العالم السبع ( تبدلت أقنعة الممثلين وقع العالم فى براثن الملقن القابع فى الظل وتحت رحمة المهرجين : بائعى الانقاض فقتلونا قبل ان نحب يا حبيبتى ، وصبغوا المسرح بالدماء (

نبدأ الواقعية التعبيرية من الواقع ولكنها تقدم انعكاسات من هذا الواقع كما يتبدى فى مخيلة المؤلف من خلال ما يشبه الرؤية الشعرية :

- يقول ) زكريا تامر ( فى مطلع قصته ) اللحى ( :

" هربت الطيور من سمائنا وكف الاولاد عن اللعب فى الحارات وتحول عناء العصافير السجينه فى الاقفاص الى شهيق خافت مرتجف وبدأ القطن المعقم يختفى من الصيدليات

فها هى ايها السادة جيوش تيمورلنك تطوق مدينتنا غير ان الشمس لم بصبها الذعر وظلت تشرق كل صباح "

- من أبرز ملامح التعبيرية السخط على السلطة والمجتمع :

" ومن اجل أن يظل الوطن حرا سعيدا عشتم ايها المواطنون الشرفاء مئات السنين بلا خبز عشتم بلا حرية ، عشتم بلا كرامة ، نسيتم الابتسامة ، كرهتم الورود والقمر وأغاني الحب ، فحمى الله اليوم وطننا الغالي من افكار الخونه المتآمرين مع العدو

) الذي أحرق السفن زكريا تامر (

- ولعل خيبة الامل تجاه الامر الواقع بشكل عام هى التى تجعل الكاتب التعبيرى يبحث عن عالم جديد يخلقه كما هو الامر فى تجربة الرعد و ) قصائد حب على بوابات العالم السبع ) .

هذه الاتجاهات فى التعامل مع الواقع والتى قدمنا بعض الاشارات ) وليس البراهين ( عليها قد تحققت في اطار من الوعى بالحداثة والمعاصرة . ولم نقصد بهذه الاشارات الا التعبير عن بعض الأمثلة القصوى فى تجربة الستينات لذي تميز بتبدل جذرى فى حساسية البث لدى الكاتب دون ان يرافق ذلك تبدل مماثل فى حساسية الاستقبال لدى القارىء . ولعل من اهم عناصر الحداثة والمعاصرة فى هذه التجربة

أ - العلاقة بالتاريخ : ) زكريا تامر - عبد الوهاب البياتى - سعد الله ونوس - فايز خضور - ممدوح عدوان - جمال الغيظانى . . وآخرون ( .

ب - استعادة التراث استعادة أخلاقية : ( زكريا تامر : - طارق ابن زياد - يوسف العظمة - سليمان الحلبي - الخ (

( محمد الماغوط : - صقر قريش ) مسرحية المهرج ) .

ج - التعبير عن تجربة الحاضر بشكل كامل عن طريق اللجوء الى رموز من الماضى :

) عبد الوهاب البياتى : قصائد حب على بوابات العالم السبع ( .

ولا ريب ان عناصر الصورة تظل ناقصة فى محاولتنا بلورة مؤشرات تطبيقية نستدل بها على معايير لتقييم الاتجاهات فى الادب العربى المعاصر ان اية عملية تقييم للمبدعات الفنية ، ينبغى ان تنطلق من دراسة مدى سيطرة الشاعر او القاص على

الموقف - الافكار - الصور - الموسيقى فتلك هى العناصر التى يمكن بواسطتها الحصول على اكبر قدر من التأثير إن العمل الفنى الامثل قمين بأن يعطى التأثير الامثل على القارىء الامثل . ولكن المشكلة هنا ان ) الانتشار ( قد لا يعنى ) التأثير (

والعمل الفنى ( الامثل ) ليس بالضرورة العمل المؤثر اكثر من سواه و ( اتساع ) التأثير مفهوم مختلف بالمرة عن ) عمق ( التأثير وقد سبق ان اشرت فى مطلع البحث الى ان ثمة نوعين من الادب

- الادب القريب المدى والادب البعيد المدى . ومن المحقق ان النماذج الدالة على أدب الستينات قد دشنت مرحلة جديدة من عملية انقلاب اساسي فى الحساسية .

غير ان هذا هو حكم النقد الادبى الصادر عن نظرية الادب العالمي . وقد يكون معزولا انعزالا نسبيا عن المجال الحيوى للتأثير ) اى القارىء ( المحلى واذا أردنا دراسة خصائص العمل الفني المؤثر من خلال عملية معكوسة اى من خلال دراسة القارىء المتأثر ، فلا شك ان المشكلة الاساسية التى تعترض سبيل ذلك هي تحديد هذا القارىء موضوع الدراسة

هل يمكن ان نحدد ملامح هذا القارىء فى فترة من الفترات على اساس ما بقرأه الآن فى هذه المرحلة من الوعى ام على اساس ما تظن انه يقرأه ؟ ام على اساس ما ينبغى ان يقرأه . ؟ .

ثم ما هى نسبة القراء الذين يتذوقون الادب يؤكد النقد الادبي بالاستناد الى تجارب الادب العالمى انه يتميز بقيم ايجابية على الصعيد الفنى ؟

وهل هذه القيم الفنية الايجابية السبيل ( العملي ( الوحيد الى التأثير الايجابى المطلوب ؟

لقد كتب ) يوسف الشارونى ( فى الاربعينات ، و ) ادوار الخراط ( فى الخمسينات قصصا تنتمى فى حساسيتها الى حساسية فترة الستينات . ولكن تأثير هذه القصص على القراء كان محدودا . فهل ندخل قيمة القارىء فى نظريه التقييم النقدى ؟ واذا كنا سنهمل هذه القيمة فكيف نريد ان نقيم العمل الادبى دون ان نأخذ بعين الاعتبار محك القيمة الفنية وهو التأثير العملي . .

لقد سبق ان المحت الى العوائق التى تحول دون تأثير القصيدة الحديثة فى حساسيتها - الجديدة فى فترة الستينات على القارىء المثالي . غير ان هذه العوائق لا تظهر فى ابرز النماذج الابداعية لدى ابرز شعرائنا المعاصرين . وهذا يوضح ان الاشارة الى اتجاه ادبى انما يتعين ان تحمل شيئا من الاقرار بأن ثمة اكتشافا جماعيا لطريقة متميزة فى التعبير

وبعبارة اخرى فان هذا الاكتشاف لطريقة متميزة ، قد أخذ يتجلى فى نماذج متفرقة ولم يصبح اكتشافا جماعيا معززا بأساس نقدى معترف به وعلى ذلك فان بوسع الناقد ان يجد الاشارات ولكنه ربما كان عاجزا عن ايجا الادلة والبراهين

ومن المحقق ان الحداثة التى تميزت بها فترة الستينات قد اسهمت اسهاما فاعلا فى تمهيد الطريق نحو تبلور تقنيات وأشكال جديدة . غير ان التعايش بين الاتجاهات المتباينة ما يزال سائدا . ومع ذلك فثمة ملامح عامة للتغيير فى حساسية ادوات الايصال :

- فى مجال الرواية حدث ازدهار نسبى وبحث مستمر عن اشكال جديدة . ومن ابرز نتائج هذا البحث ان ) الرواية ( اصبحت ) قصة طويلة ) - يحتل المستوى الواقعى الرمزى فيها الاساس فى رؤية العالم .

- فى مجال الشعر الحديث دخلت تجربة القصيدة الحديثة طريقا مسدودة تجلت فى سيطرة النمطية ، والمنطق النثرى - والتهويل والمبالغة ، والجنوح الى الابهام الذى هو مرحلة مرضية من الغموض

فى مجال القصة القصيرة التى ربما كانت ارسخ من سائر الاشكال الادبية فى الادب العربى المعاصر ، قطعت التجريبية شوطا بعيدا ودخلت فى تقنيات المونولوغ الداخلى ، واستخدام التقنية السينمائية ، والاعتماد على ( الموتيف ( ، والابتعاد عن المنطق النثرى ) السببى الترابطى ( ، واستلهام الرؤية الشعرية

وبالطبع فان هذه مجرد محاور او اشارات الى محاور فى تجربة الادب العربى فى فترة الستينات . وهى تلمح الى ان الاتجاهات المعاصرة لما تتمخض عن نيارات بعد . فالتيار هو : ) الاتجاه + الحركة ( . وما زالت الاتجاهات في مرحلتها البطيئة الحركة حتى الآن . هذا على الرغم من ان ملامح حساسية جديدة قد بدأت تتشكل ضمن اطار استعادة أخلاقية للتاريخ . . استعادة تنطوى على سعى سافر لخلق حلم المدينة الفاضلة مقابل كابوس مكيف الهواء . وهذا ليس عزوفا عن مجابهة الواقع وانما هو خلق للمثال الذى يفند الامر الواقع واذا كانت هذه التجربة العربية المعاصرة فى طور التكوين ، فان الحديث عن تأثيرها على المستويات الوطنية والقومية والعالمية ينطوى على مغالاة خطيرة فى التبسيط ، ثم هل الادب الذى يؤثر على الصعيد الوطني يرتفع دائما وبالضرورة الى المستويين القومى فالعالى . . وهل تأثير انتشار ) الكمية ( هو نفسه تأثير ) النوعية ) . ؟

ان بالامكان دراسة الظروف الحضارية والاجتماعية والاقتصادية التى يمكن ان تؤثر فيها تجربة ما او تؤول الى الاخفاق . اما التنبؤ بتأثير الادب فى المستقبل ( على ثلاثة اصعدة ( ، فضرب من الكهانة لا اعتقد انه يدخل فى المجال الحيوى لهذا البحث

اشترك في نشرتنا البريدية