الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

منعرجات الادب العربي

Share

( 5 ) ان تحديد العصور فى تاريخ الأدب العربى وقع ، وكثيرا ما لا يزال يقع ، لا فحسب باعتبار أحداث ثقافية واجتماعية ، وانما بالاعتماد على أحداث تتصل بحياة الأسر المالكة أو تاريخية . فأدى ذلك الى حدود غريبة ، مثلا كذلك الذى نجده فى العديد من الكتب المدرسية حيث يطلق عنوان " العصر العباسى " على كل ما جد فى عالم الآداب من سنة 750 الى أن استولى هولاكو على بغداد . نعم لقد عارض هذه النزعة المستهجنة المختصون الغربيون غير انهم لم يبرزوا بصورة منتظمة ما يميز " الفترات " تلك التى هى وحدها يمكنها حقا - فى نظر التاريخ الأدبي - أن تصلح لضبط التحول من مرحلة الى أخرى .

وغايتنا أن نحاول فى هذا الفصل أن ندقق تدقيقا أبين ما كانت عليه تلك والفترات " ونأمل هكذا أن نبرز بصورة أوضح عوامل من التى بها سادت - بلا انكسار - اتجاهات كانت من قبل كامنة . نعم قد يصادف أن نلاحظ أحيانا فى هذا البحث ان الوقائع السياسية والأحداث الأدبية تتفق بعض الاتفاق ، غير أنه يتبين أن هذه الاخيرة كانت نتيجة ظواهر أشد تعقدا ، الحياة الاجتماعية ونمو الثقافة والمؤثرات المحلية لها فيها تأثير حاسم . وقد تفاوتت هذه " الفترات طولا وقصرا الا أنها لم تتجاوز نحوا من ثلاثة عقود أو أربعة . وهي نتيجة عوامل تأثيرها على العكس من ذلك قد امتد كما سنلاحظه عهودا ) 6 أطول وهي تمتاز بسير متقطع وسرعة فى توالى الأحداث يشعران بالتحول . فالعصر الأدبى اللاحق يواصل من وجوه كثيرة العصر السابق غير أنه يتميز عنه بخصائص أدت الى مستقبل هو فى بدايته غامض أو قل لم تتصور معالمه بعد شعر القوم به وقد ظهرت تباشير " الفترة " الموالية . ولا يمكن أن يضبط عدد هذه " الفترات " دون أن يعتبر المدى " Tempo " ذاته الذى يميز كل عصر . ويمكننا بنظرة عامة لتطور الأدب فى اللغة العربية أن نتبين خمسا

أولاها تلك التى بعثتها دعوة محمد وانتشار الاسلام فى شبه الجزيرة العربية ثم - وذلك بعيد وفاة محمد سنة 632 - تأصل الدين الجديد بالعراق وبلاد الشام وأما فى ما يخص الأحداث الأدبية فقد بلغت هذه " الفترة " أوجها

حوالى سنة 50 ه / 670 م . فعندها فعلا انقرض الجيل الذى أقام - على أنقاض سلطان الروم والفرس - الامبراطورية الجديدة فى أمصار كان التعرب سبق أن ظهر فيها قبل الدعوة الاسلامية بعهد طويل . ولكن ما يميز هذه الفترة ه الدور الحاسم الذى لعبته الكوفة والبصرة وهما قصبتان نشأتا عن الفتح وبهم تجمع كبار بدو وسط الجزيرة وشرقها ليواصلوا مسيرتهم المظفرة نحو الشرق والشمال ، فهاتان المدينتان - وهما تحييان على ضفاف الصحراء ستة الحيرة حارتهما المضبع مجدها - قد ضمنتا للخلق الفكرى والشعرى منه بصورة خاص اشعاعا وازدهار لم يعرفا من قبل . وهذه " الفترة " تتميز ايضا بحدث لغوى طبع منذ البدء كامل الحضارة العربية الاسلامية فقد تغلبت على اللهجات المستعملة فى كامل المحيط العربى لهجة أدبية ثم ارتفعت بالدعوة القرآن - وقد كانت الى نزول القرآن مقصورة على الشعر - الى درجة لغة دينية تحمل الرسالة الجديدة التى بعث الله الى المؤمنين ) 1 ( ) 7 ( . وان هذا التأصل العميق للتعرب والاسلام بالعراق سيساهم طيلة جيلين تقريبا ليصبح هذا الاقليم منصهرا تندمج فيه تدريجيا النزعة الايرانية بما جاء عن المحيط العربى من تراث

وأما " الفترة " الثانية فقد بلغت أوجهها حوالى سنة 725 م . وقد ظهرت العوامل التى اليها خضعت نشأتها وتطورت ببلاد الشام والعراق والحجاز حيث المراكز الحية التى بيدها اذ ذاك أمر الشرق الادنى . أمر غريب : فبلاد الشام وفلسطين على كثرة العوامل المشجعة ورغم حماية السلطة المركزية لم نكن مركز خلق أدبى حقيقى ( 2 ) . فدمشق كانت فحسب مركزا استقطب مجموعة من المداحين المعوزين وفدوا من بعيد من العراق وشرقى البلاد العربية أو من الحجاز ) 3 ) ، أضف الى ذلك ان هذا العصر الأخير كان مهد مدرسة شعرية فيها تقف على محاولة - قد أجهضت لسوء الحظ - يخرج فيها الشاعر

عن السنة الشعرية بالبادية ويرسم هياكل جديدة بل نظاما شعريا مبتكرا قادرا أن ينمى أسلوبا غنائيا مجددا وشخصيا محضا . وهنا أيضا يتضح ويعظم الدور القيادى ، وقد انفردت به من يومها بلا منازع القصبتان العراقيتان البصرة والكوفة ، واليهما يعود الفضل فى الاسراع بالتطور الأدبى أو بصورة أدق فى تشجيع تيار ثقافى أو مناخ فكرى واجتماعى ، اذ الامر لما يكن يعدو هذا - سيتمان القضاء - وهو أمر كان بدأ بالحجاز - على مجد السنة الشعرية بالبادية وتوافق هذه " الفترة " - على انه قد ركز دعائمها صعود نجم العراق صعودا نهائيا - ثورة سياسية رفعت الى الحكم - وهي تنقل مركز الامبراطورية من الشام الى بلاد ما بين النهرين - بنى العباس بمساعدة عناصر من العرب والفرس

ويمثل تأسيس بغداد سنة 145 ه / 762 م النقطة الحاسمة منطلق ) 8 ( عصر سيمتد أكثر من قرن ونصف تفرض فيه سيادة العراق الأدبية مشعة اشعاعا لم يفتأ نطاقه يتسع نحو الشرق ونحو المغرب . ولم يخل هذا العصر الموسوم بالسيادة العراقية - شأنه فى ذلك شأن جميع العصور الذهبية - من فتن سياسية ومظاهر من الحيرة الدينية . وبقدر ما تتعمق معرفتنا بالحركة الأدبية بهذه الجهة من العالم ترتسم لنا تيارات وتتضح لنا مراحل متعاقبات والعامل الأساسى انشاء نثر أدبى . فالأوساط الحضرية بالعراق نتيجة مؤثرات ايرانية ويونانية وبالتقاء هذه بما كان العالم العربى يساهم به من عناصر عاطفية وأخاذة قد صاغت اذ ذاك أداة التعبير التى تلائم حاجات المجتمع الجديدة الفكرية والروحية . وفى نهاية القرن الثانى الهجرى الثامن ميلادى كانت المعجزة : تجاوز النثر الأدبى طور المخاض . وان المنزلة التى يحتلها فى هذا الخلق الايرانى ابن المقفع ) م سنة 139 ه / 757 م ( قد بينها فى تلونها بيانا دقيقا المأسوف عليه ابن غازى ) 4 ( . ونحن نعرف - مع الأسف معرفة ضئيلة جدا ما قام به ايرانى آخر هو سهل بن هارون ) م نحو 215 ه / 830 م ( 5 ) لاتقان

هذه الأداة اللغوية وقد كان أثراها قبله سلفه وطوعها بكيفية عجيبة ، غير أنه يمكننا أن نعتبر أن ما قام به كانت نتائجه غير محدودة وأن العراقى الجاحظ ( م 255 ه / 868 م ( قد أدرك ذلك ادراكا بينا وهو الذى عرف معرفة فائقة كيف يتأثر طريقة كاتب نجمه به فى نهاية الأمر قد أفل ) 6 (

وأما العامل الثانى الذى طبع هذا العصر الذهبى ووسمه هذه السمة التى هى على ما هى عليه من طرافة فهو تلك الحركة الفكرية التى تعودنا على تسميتها " بعقلية الأدب " ) 9 ] فان هذه العقلية باعتبار أصولها وقد امتزجت فيها عناصر ايرانية وعناصر يونانية وهي من وجوه عديدة تفرض مظاهر من التفتح الفكرى حرية بأن تؤدى الى مذهب انسانى بأتم معنى الكلمة قد نشأت وتطورت بالعراق فى آن واحد ومذهب المتكلمين المعتزلة حتى انه ليمكننا ان نكتشف فى هذا التيار المزدوج لا التقاء عفويا بل مظاهر من الاتقان المقصودة . أفليس الجاحظ وهو نفسه معتزلى وسهل بن هارون أشهر ممثلين من ممثلى عقلية الأدب هذه ؟

ولا شك أن أجسر المفكرين من بين ذلك الجيل قد تراجعوا ذعرا أمام صورة كتلك تفرض الشعور بوجود عوامل لبعث مذهب انسانى لا أثر فيه لله ، غير أن بعضهم لم يتأخروا مع ذلك فى بعض المجالس الأدبية بالكوفة والبصرة وبغداد عن الاقتراب فى بعض المناقشات وبعض المؤلفات من اتخاذ مواقف مذهبية يكون الشك المطرد قد أدى بهم فيها لو فعلوا الى أن يعيدوا النظر فى

الأمور نظرا عميقا صحيحا ولا فحسب الى جهود يائسة للتوفيق بين الشريعة والفلسفة . ولكن جيل الكتاب والشعراء المكتمل حوالى سنة 860 قد أظهر ضربا من التقهقر أمام النتائج التى شعر بنفسه مدفوعا اليها . فابن قتيبة ) م نحو 276 ه / 889 م ( - ونقتصر على مثاله - وهو من جهة اخرى مثال نموذجى لشهد بتلك الحيرة الباطنية . فانه - وهو ينطلق من آراء حظيت بمساندة ذوى السلطان - قد انضم حوالى السنة العشرين من عمره الى التيار الناشىء عن تولى المتوكل الخلافة ) من سنة 232 ه / 847 م إلى 247ه - 861 م ( وأصبح - دون أن ينبذ مع ذلك ما يبدو قابلا للأخذ من عناصر عقلية الأدب ) 7 ( - أحد ائمة الفكر فى كل ما بالعراق يحاول أن يوقف زحف التشيع والاعتزال

ونحن نجد مواقف وسطى تميز هذه الانتقائية عند شعراء من نفس الجيل امثال أبى تمام وابن الرومى وابن المعتز وقد سعوا جاهدين الى المحافظة على سنة الشعراء المتقدمين القدامى عاملين فى نفس الوقت على تجديدها والملاءمة بينها وبين ذوق العصر . ثم ظل الشعراء والكتاب - وقد بلغوا هذه الدرجة مطمئنين غير آبهين للجهود التى بذلها منذ ما يقرب من سبعين سنة خلت بعض الشعراء أمثال أبى العتاهية ) 10 ( أو أبى نواس ليكتشفوا مفرا فى غنائيتهم الذاتية .

وبناهية الربع الاول من القرن الرابع الهجرى / العاشر الميلادي تبدأ فى تاريخ الآداب العراقية هذه " الفترة " الثالثة وهى تختم " العصر الذهبى وسيطر على هذه " الفترة " - وهي تشمل عقودا عديدة - حدثان اثنان فالشعر على ما كان من مجهودات طيبة كالتى بذلتها عبقرية الشاعر المتنبى ) م 355 ه / 659 م ( 8 ) ( العنيفة الساخطة ورغم الغنائية ذات الطابع الشديد الصفاء غنائية أبى فراس ) م 357 ه / 968 ( 8 )( . قد ابتعد أكثر فأكثر عن أصوله الشعبية ليتخذ مظاهر فيها ترفع وفيها تصنع عزيزة على طبقة الأدباء والأرستقراطية . وقد سعت الأثار النثرية - باستثناء التاريخ والجغرافية الوصفية - الى الكمال هي أيضا فى أسلوب متكلف . وتبين بفن المقامة . وقد ابتدعه الايرانى الهمدانى ) م 398 ه / 1007 م ( 8 ) ( أمر بديهي : فعقلية الأدب لم

تظل تفتحا على انسانية لا دينية وليست هى من يومها الا لعبة أدبية أو طرفة بتهافت عليها المتبحرون فى العلم وأصحاب المختارات أو برهانا على المقدرة اللغوية الفائقة . غير أنه مهما تكن حدة الكارثة الناجمة عن انهزام " عقلية الأدب " فقد ظهرت ظاهرة اخرى أو خاصية بارزة من خصائص " الفترة المعنية بالامر لتعويض آثارها . وهذه " الفترة " الثالثة فى تاريخ الآداب العربية تأثرت فعلا لتفتت خلافة بغداد - والتناقض فى الامر ظاهرى أكثر مما هو واقعى - تأثرا حسنا .

فهذه الأخيرة - وقد نخرتها منذ البداية قوى الانحلال والانفصال الداخلية - نخلت عن مكانتها لامآرات تتفاوت عظمة سعت كل عاصمة من عواصمها الى ان نصبح منافسة لبغداد ولم تعد سيادة العراق الفكرية وقفا على اقليم واحد . وقد تأصلت الحضارة العربية الاسلامية على صورها التى صيغت ببغداد وأشعت حيث ما كانت حماية المسانتين ) أ ( والأمراء والملوك . وقد قوى تكوين شبه الاتحاد الابراني العراقي باشراف البويهيين الشيعة بداية من سنة 945 هذه الانفصالية السياسية والدينية والفكرية وحين انتصبت بمصر خلافة الفاطميين ، وقد امتدت من افريقية ) 11 ( الى الشام ، استكملت هذه الظاهرة الجارى تطورها مميزاتها . فالقاهرة - وقد تأسست سنة 969 - قامت من يومها منافسة لبغداد فى حين أن قرطبة باشراف الأمويين بالاندلس قد أصبحت هى الاخرى عاصمة فى الغرب للحضارة العربية الاسلامية . غير أن هذه المراكز الادبية وقد خضعت للمؤثرات العراقية سرعان ما ظهرت بها طيلة هذه " الفترة " الثالثة محاولات كانت فى البداية محتشمة ثم قويت شيئا ما للخروج عن النمط المعهود ولكننا سريعا ما نشعر أن هذه الآثار تتطور مفرطة الاتصال لسئة فكرية واحدة ويعوامل واحدة وأساليب واحدة . افراطا لا يمكن معه أل يقف فى نهاية الامر مداها . ثم انه قد ظهرت فى جهات عديدة عوامل كانت تكون وحدها كافية للقضاء على محاولات الاحياء الأدبي تلك لو أنها وجدت مصرا لها فى بيئات أنسب ولم يكن هذا المنعرج الثالث فاتحة عصر ذهبي ان . فالأدباء كتابا وشعراء اتبعوا وتيرة الرواد العراقيين وقد برعوا فى فنلفوا باداة تعسرهم وانهم لأئمة اللغة العربية غير مدافع وتشهد المختارات التى نراها تبرز منذ القرن الحادى عشر الى الثالث عشر بالمشرق

والمغرب على حد سواء على طغيان الظاهرة الادبية كما تشهد على تخوفها من التجديد بالنهل من مشارب أصفى . وقد كانت المسائل المتصلة بمفهوم الانحطاط تنوقشت طويلا ومن زوايا مختلفة خلال مؤتمر انعقد ببوردو

Bordeaux منذ ما يقرب من عشر سنوات . ولا يمكننا وقد وصلنا الى هذه النقطة من تاريخ العرب الادبى ألا نثير من جديد هذه المسألة . ولعله يحسن بادىء ذى بدء أن نضبط مدى كلمة " انحطاط " . فهذا اللفظ ما عساه ان يشمل كما كان الاستاذ بول لى مارل Paul Lemerle نبه الى ذلك مدة انعقاد ذلك المؤتمر ذاتها اذا تعلق الامر بالنسبة لبيزنطة مثلا بانحطاط امتد قرابة الألف سنة ؟ وكذلك فهذا اللفظ ما عساه يمثل على وجه التحديد فى ما يتعلق بالآداب العربية فى القرون الخمسة الممتدة من انقراض الاتحاد البويهى سنة 1055 الى تركز السلطة العثمانية فى حوض البحر الابيض المتوسط الشرقى وحتى الى المغرب فى القرن السادس عشر . ففي هذه المرحلة الطويلة وفى مناسبات عديدة طبع بعض الشعراء والكتاب بطابعهم ) 12 ( خلود سنن أدبية رضيها العالم العربى الاسلامى بأجمعه ، ففي اسبانيا خلف لنا ابن زيدون ) م 1071/463 م ( أشعارا فيها ترتسم بعمق خلجات تجربة عاطفية قاسية ، وكذلك فان الصقل ابن حمديس ) م 527 ه / 1132 م (9) ( قد وجد هو الآخر - وقد أجلاه غزو النرمان عن وطنه الى اسبانيا - نبرات مؤثرات ليتغنى بحنينه وخيباته ، وقد عرف بهاء الدين زهير ) م 656 ه / 1258 م ( 9 ) ( كيف يوفق بين قيود المدح ونبضات شاعر غنائى هو أهل للمزيد من التقدير . وقد ظهرت طيلة هذا العهد محاولات لاطلاق العنان لغنائية أكثر تلقائية وأقل حدة لغتها وسط بين الفصحى والعامية . ونحن ندرك . فى هذا المجال كامل العناية التى يحسن أن نوليها آثار الاسبانى ابن قزمان ) م 555 ه / 1160 م ( 9 )  والعراقى صفى الدين الحلى ) م نحو 750 ه / 1349 م (

وان القرون الخمسة التى تهمنا على ما أبداه كتاب النثر الأدبى من ميل خطير الى الوقوع فى تكلف أسلوب ما انفك يزداد تكلفا قد شهدت كذلك نشأة كتاب لا نزاع فى قيمتهم . وانك لواجد عند المتكلم الغزالى ) م 505 ه / 111 1112 م ( صفحات أسلوبها والروح يذكران بسكال Pascal (10) بل

قد عرف كاتب كالوزير الغرناطى ابن الخطيب ) م 767 ه / 1374 م ( على ما هو عليه من التصنع كيف يعرض متى اقتضى الأمر ذلك - عن الكتابة مفرطا فى الصنعة حسب ذوق عصره ليعود الى بساطة كبار الناثرين ) 11 ( ولنفكر أيضا فى القيود التى فرضتها على أشد الكتاب تعطشا الى البلاغة الحركة الانسانية التى تميز أى تميز الثقافة فى عهد مماليك مصر طيلة القرن الرابع عشر والتى يمثلها أيما تمثيل ابن فضل الله العمرى (12) م 748 ه / 1348 م ( والنويرى ) 12 ( م 732 ه / 1332 م ( واليهما يجب ) 13 ( أن نضيف - كما هو الواجب - التونسى ابن خلدون ) م 808 ه / 1406 م ( وقد امتاز بثقافته الموسعية كما امتاز على حد سواء بقدرته فى مقدمة تاريخه على خلق أداة لغوية تتلاءم وتنوع المواضيع التي طرق . وبالتالي - وهذا واضح - فان لفظ " الانحطاط " بالنسبة لنصف الألف سنة الذى يهمنا هنا لا يبدو موافقا واقع الأحداث الأدبية تمام الموافقة

وغاية ما فى الامر أنه علينا أن نلاحظ أن هذه الاخيرة قد ظهر عليها فحسب فتور وضعف فى الخلق الابداعى عند الشعراء والكتاب فلم يستقم لهم أى فن جديد فان الكتاب ناظمين وناثرين وقد حصلت لهم ثروة عظيمة من النماذج وفرها لهم أئمة فرضهم عليهم الاعجاب بهم مدة قرون قد اقتصروا على اعادة روائع الماضى على أن كل واحد منهم كان - ان كثيرا وان قليلا - ضحية براعته وسعة علمه وكذلك حاجته الى ان لا يعيد البتة النظر فى الاحكام التقييمية المتوارثة جيلا فجيلا عبر العالم العربى الاسلامى وان كل أدب ، يكون وضعه هذا الوضع ، يتأثر تأثرا مؤلم النتائج للتقلبات الاجتماعية والسياسية التى هى من طبع التاريخ . نعم لقد بولغ - لا شك - فى تقييم ما كان لنكبة المغول بغداد على عهد هولاكو سنة 1258

من تأثير فى الآداب العربية فقد توقفت هذه العاصمة فعلا منذ ما يزيد عن قرن عن مد العالم العربى الاسلامى بأى كاتب أو شاعر من طراز الذين كانوا لمعوا فى " العصر الذهبى " ولم يكن هذا الافول فى ما يخص النشاط الادبى لا اثباتا لتحول السيادة الادبية الى القاهرة تحولا كاملا وقد كانت الى ذلك الحين تتنازعها الاقاليم والاغلب انه كان لحدثين آخرين جدا بالطرف الآخر من العالم الاسلامي وفصل بينهما ما يقرب من عشر سنوات تأثير فى الحضارة العربية الاسلامية له على الاقل أهمية تأثير ما سبق . وفي سنة 236/634 دخل ملك قشتالة فردينان الثالث قرطبة منتصرا وفى سنة 1248/٦ عادت شسلية هي الأخرى الى ما كانت عليه من نصرانية وقد تميزت هذه النكبة المزدوحة فى هجرة جميع من كان بذينك المركزين الفكريين العظيمين من علماء وفاسفة وكتاب وشعراء هجرة جماعية كثيفة غير أن هذه عادت بالنفع على مدن المغرب التى كان سبق أن أشعت بنشاطها فى شؤون الفكر . وقد شهدت فاس استقرار عدد كبير من هؤلاء المهاجرين وكذلك كان شأن تلمسان وبجاية ) 14 ( وخاصة تونيس حيث عرف سلاطين مستنيرون من دولة الحفصيين لحكمتهم كيف يون ممثل الثقافة العربية الاسلامية هؤلاء عناية خاصة ) 13 ( وقد كانت فى الظاهر نتيجة مجموعة الاحداث هذه بالنسبة للمغرب كما هو الشأن بالنسبة لمصر تحول الثقافة ، غير أنه علينا ان نقر أن هذه وجدت نفسها خلال القرن الموالى تهددها عديد المرات فتن داخلية أو أخطار كبرى خارجية من ذلك النزاعات بين المرينيين والحفصيين بشمال افريقيا وحرب الشرق الادنى للدفاع ع نفسه ضد المغول ثم ضد الترك . وفي نهاية القرن التاسع الهجرى الخامس عشر الميلادي جد الحدث العظيم الذى سيعلن فى حوض البحر الابيض المتوسط بعد سقوط القسطنطينية عن عهد جديد : سيادة السلطة العثمانية السيادة العظمى .

وإذا وجب علينا استجابة لمقضيات الفكر - أن نذكر تاريخا مضبوطا لما يمثل المنعرج الرابع فى تاريخ الآداب العربية فعلينا دون تردد أن نقف فى

سنة 1517 فان دخول السلطان العثمانى سليم الأول الى القاهرة واستقراره بها نهائيا خلال تلك السنة يمثلان فعلا حدثا لم يكن من قبل يتصور فقد تأصلت بالشرق وذلك لاول مرة منذ بدء الاسلام ثم امتدت شيئا فشيئا حتى الجزائر الحالية سلطة مطلقة جالبة معها مفاهيم وهياكل ادارية من طبيعتها أن تؤول الى كبت نزعة التعرب . ولا شك أنه من الافراط أن نحمل الامبريالية العثمانية وحدها حالة الركود التى سيتردى فيها طيلة ما يزيد على ثلاثة قرون الأدب العربى اللغة . ولنقر مع ذلك أنه بالنسبة لضرب من الحضارة تجعل فيه وصاية الدولة والطبقة الارستقراطية من الميسانية مؤسسة بأتم معنى الكلمة فان زوال الحكام المهتمين اهتماما مباشرا بالمحافظة على الثقافة فى اللغة العربية قد مثل خطرا قاضيا بالنسبة لتطور النشاط الادبى

ولا شك أن وطأة هذا الخطر لم تكن قط ذات مستوى واحد فى مجموع المحيط الناطق بالعربية . فاذا كان ممثلو الثقافة فى اللغة العربية قد لزمهم نصيب كبير من العزم ) 15 ( بل من البطولة لصيانة التراث ببغداد وحلب ودمشق وبيروت والقاهرة والاسكندرية ، فان وطأة السلطة العثمانية لم تكن على هذا القدر من الشدة بتونس وتلمسان . ويمكن أن نقول ان المغرب الاقصى استطاع أن يبقى خارجا عن هذه السلطة الخانقة وان الانتاج الفكرى الغزير مدينة مثل فاس حتى القرن التاسع عشر ) 14 ( على ذلك لشهيد . ولا ينفي هذا أن تكون السلطة العثمانية عامل كبت بالنسبة للآداب العربية غير أن الموضوعية تقتضى أن نلاحظ أن جمودها نتج أيضا عن عوامل أخرى . ويبين تحليل الانتاج المكتوب طيلة القرون الثلاثة المعنية بالامر تحليلا سريعا وجود عوامل أعمق اذ هى تتصل بانماط النشاط الفكرى ذاتها . وقد صنعت الامة الاسلامية - وقد هددها بشمال افريقيا التوسع اليرتغالي والاسبانى - وسائل دفاع بها أمكنها أن تصون ذاتيتها فى الميدانين السياسى والروحى على حد سواء . وقد انغمس تلقائيا بعض ذوى العقول الراغبة فى الانعتاق فى دراسة المذاهب الصوفية فى حين اتجه آخرون تحدوهم الرغبة فى المحافظة على معرفة الآثار الكبرى التى خلفها التعرب نحو النحو والبلاغة والتفسير والعلوم الفقهية .

هنا وهناك وخاصة بالمغرب الاقصى واقتداء بأمثلة أقدم قد دون بعض المؤرخين تاريخ الدول المحلية والجمعيات الدينية أو تاريخ المدن المشتهرة بالعلم مثل فاس وتلمسان والقاهرة ودمشق . بل قد نجد بقايا مذهب انسانى يذكر بعصور الحضارة العربية الاسلامية الكبرى ، على أنه تؤثر فينا نوايا أصحابه أكثر مما تؤثر قيمته الحقيقية ) 15 ( . فما عسى أن يكون فى مثل هذا المناخ مصير الشعر والآثار الادبية المحض ؟ .

فأى حظوظ كانت لها وان تعاطاها بعض الفنانين وبعض الكتاب ذوو النوايا الحسنة فى أن تلقى بشمال افريقيا وبالشرق الادنى مشجعا يمكن أن يبعث انطلاقة تجديد وان يضمنها ؟ .

) 16 ( وان الاقوام الذين كانوا يحافظون على الرغبة فى الفصاحة بل التعلق الشديد بها لم يجدوا طيلة قرون الجمود الثلاثة هذه من سند لهم غير اعجابهم الشديد بآثار الماضى وهم يعرفونها فحسب فى أغلب الاحيان بفضل المختارات وقد أصبحت من بعض الوجوه كلاسيكية ، وأن يؤدى بهم هذا التقديس الى الاعادة بل أحيانا الى صور من المحاكاة الضعيفة فذاك لم يكن منه بد ، الا أن نتيجة ذلك كانت الاحتفاظ بعز هذه اللغة العربية عاليا . نعم لقد كانت هذه الحالة - لا شك - ذات شأن كبير غير أنه كان يتحتم ان تتحقق مسبقا بعض الظروف حتى يؤول تفاعل العوامل الى بعث واعادة تنشيط الحركة الادبية ولم بعد هذا العالم العربى الاسلامى وقد تقلص الى حدوده يمثل آنذاك بالبحر الابيض المتوسط مناطق التفاعل الواسعة تلك حيث تتجدد الحياة الفكرية وان بمناسبة اصطدامات عنيفة كما كانت القرون الوسطى من التاريخ الاسلامى عرفت ذلك باسبانيا وبالشرق الادنى ولم يعد هذا الميدان حيث انكمش الادب العربى تقريبا فى جميع الجهات يجد إلى فجر القرن الثامن عشر ولصدفة لم يبين بيانا كافيا جانبها المؤثر وصبغتها اليائسة - نوافذ على الخارج كان يمكن أن تدخل منها مؤثرات تولد تجديدا اساسيا . غير أننا نشعر لبعض العلامات أن هذا الانطواء على النفس قد لاقى فى بعض الجهات من الشرق الادنى قبيل

منتصف القرن الثامن عشر مراكز أقل صمودا . وقد انطلقت اذ ذاك محتشمة محدودة النطاق بعض الاصوات كهذا الاديب المارونى الكبير قيس حلب جرمانوس فرحات ) م 1732 ( ونزلت معجزة الكتاب بلبنان حيث تكاثرت المطابع اليدوية لتسديد حاجات الطوائف المسيحية ) 16 ( خاصة

وفى سنة 1798 كان الامر الجلل نزول بونابرت Bonpportle بمصر ومشهد هؤلاء العلماء الفرنسيين وقد جاؤوا معهم بطرق بحث سجل الشيخ الجبرتى ) 17 ( لمواطنيه صبغتها المدهشة .

وقد أظهر انشاء مطبعة رسمية ببولاق سنة 1821)17 ( ان الحاكم " محمد علي " قد شعر بكل ما يمكن ان يجنيه من تجديد الثقافة العربية فى كفاحه ضد القسطنطينية وقد بين من جهة أخرى ارسال البعثات الى فرنسا - على انها متواضعة جدا مثل بعثة رفاعة الطهطاوى سنة 1826 - ان تجديد الثقافة العربية الاسلامية لن يتم بدون مساعدة أروبا الغربية . نعم لم يفكر نحو سنة 1840 أى أديب من الادباء الذين تكونوا تكونا عربيا - مسيحيين كانوا أو مسلمين سوريين أو لبنانيين أو مصريين - أن يقطع الصلة بالسنة الادبية الموروثة عن الماضى . فمارون النقاش ) م 1852 ( نفسه وهو أحد الممثلين الاشد تحمسا للنزعة الجديدة الداعية الى التجديد عن طريق الثقافة الفرنسية ظل عبد سنة " العصر الذهبى " الغيور . واننا لنشعر أن كل شئ قد هيء لانطلاقة جديدة غير ان هذه لم تكن تنكرا لتراث الماضى

أما " المنعرج " الخامس والاخير فى تاريخ الآداب العربية فيقع بين 1860 - 1881 وفي هذه المدة فعلا كانت عوامل البعث قد أعطت نتائجها الاولى وقد كانت المناطق الحبة بالشرق الادنى - سوريا ولبنان ومصر خرجت نهائيا فى تلك المدة من عزلتها وان معجزة الكتاب قد عمت ولم تفتأ الصحافة اليومية والدورية تحظى يوما فيوما لدى جمهور كان لما يزل محدودا غير انه متحمس بما نعرفه لها من أهمية . وقد بدأت ديمقراطية التعليم - وان كانت لما تزل نسبية حدا - وتنوعه ينتجان جمهورا من القراء . وقد كانت أولى مظاهر القومية المصرية ضد التوسع الاستعمارى الآتى من الغرب نعنى بذلك ثورة عرابى باشا ) 18 ( قادحا لاتجاهات كتاب وشعراء أفلتوا حتما من ربقة القيد الوحيد للماضى

( 18 ( وها نحن وصلنا عصر النهضة وقد أراد بعضهم أن يرى فيها انبعاثا فحسب غير أنها تحمل فى ذاتها قوى اخرى عديدة أدب العالم العربى يعكس تأثيراتها ولا يمكن لأى انسان أمام كثرة الاحداث وهي تنبثق وتتزاحم الا يأبه لها وألا يتفهمها وهناك فنون لم يعرفها " العصر الذهبى " كالمسرح والمذكرات والترجمة الذاتية وخاصة القصة والأقصوصة هى تشهد لكل ذى بصيرة بثورة فكرية وأخلاقية عميقة ومؤثرة بقدر ما كانت عليه بالنسبة لاوروبا الغربية ثورة عصر النهضة .

( باريس )

اشترك في نشرتنا البريدية