نشرت دار الكتب الشرقية هذه الايام الاطروحة التى قدمها السيد الحبيب بلخوجه لجامعة الصوربون ونال بها درجة الدكتوراه الجامعية. وموضوع هذه الاطروحة تحقيق لنص منهاج البلغاء وسراج الادباء لابى الحسن حازم القرطاجنى وتقديم للنص والمؤلف. صفحات الكتاب ثمان وستون واربعمائة من الحجم الكبير حظ التقديم والتحليل منها ثمانى عشرة ومائة صفحة. وحظ النص الاصلى اثنتان وستون ومائتان والبقية للفهارس وتتخلل الكتاب صور من المخطوطة التى حققها الدكتور الحبيب بلخوجة وهى اربع لوحات.
وقد تولى الشيخ محمد الفاضل بن عاشور تقديم الكتاب فابتهج بظهور المنهاج للناس، وهى امنية له غالية ورأى فى عمل الدكتور الحسب بلخوجة تحقيق امنية له ثانية هى تمكن اتصال الدراسات الاسلامية بالاساليب الحديثة التى تسير عليها جامعات اوروبا، فخرج الكتاب فى ((حلة سيراء))، حسب تعبير الشيخ - زيتونية باريسية)).
ويستعرض الشيخ محمد الفاضل بن عاشور امهات الكتب البلاغية باحثا عن مكان المنهاج منها فيرى ان منزلته كمنزلة رسالة الشافعى من علم الفقه ومقدمه ابن خلدون، للتاريخ، قد ترك فيه صاحبه ما تناوله الآخرون وتناول هو ما تركوه، ألم يقل: ((قد سلكت فى التكلم فى جميع ذلك، مسلكا لم يسلكه احد قبلى من ارباب هذه الصناعة لصعوبة مرامه وتوعر الوصول اليه، على انه روح الصنعه وعمدة البلاغة)). ففى اى شىء يتفق حازم مع البلاغيين وفى اى شىء يختلف عنهم كان هم الجرجانى وابن رشيق والسكاكى وغيرهم تكوين الملكة البلاغية او ملكة ادراك الاعجاز فى القرآن، اما حازم فلم يقصد الى تعريف البلاغة فى ذاتها بل الى فهم روحها، ولذلك كان الشيخ الفاضل اميل الى تسميته فلسفة البلاغة او روح الصناعة.
ثم يتساءل عن السبب الذي زهد فى الكتاب حتى جاء ناقصا مبتورا. ويرى ان ذلك لم يكن الا لان حازم خرج عن جادة البلاغيين ولم يصل يده بيد السابقين من اصحابه بل وقف منهم موقف المهيمن المتعالى فلم يقدر على الثبات
فى المدار الاوسع، ويدعو فى نهاية المقدمة الى دراسة مزدوجة تقيم جسرا منيعا بين حازم القرطاجنى والبلاغيين. ثم يمهد الدكتور الحسب بلخوجة بمدخل تبرز فيه اهمية المنهاج من حيث اماطة اللثام عن التأثيرات اليونانية فى صناعة النقد عند العرب اذ كان حازم القرطاجنى من بين القلائل الذين قصدوا الى استخدام الطريقة الهيلينية فى نقد الشعر وتأثروا خاصة بكتاب الشعر لأرسطو.
فمن هو حازم القرطاجنى؟، ثبت للمحقق ان اهم مصادر ترجمته لا تعدو ابن رشيد صاحب ((ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة فى الوجهة الوجيهة الى مكة وطبية)) والمقرى صاحب نفح الطيب، اما الدراسات فمقال لاميليو غارسيا قومز عن حياة حازم القرطاجنى ودراسة للمقصورة بقلم محمد المهدى علام واطروحة لروبرت برنشفيق Robert Brunshvig)) عن شرقى بلاد البربر في العصر الحفصى واخيرا مقال لعبد الرحمن بدوى عن حازم القرطاجنى ونظريات ارسطو فى البلاغة والشعر.
امتاز العصر الذي عاش فيه حازم بانكسار شوكة المسلمين فى جنوب اسبانيا واتحاد النصارى وتحالفهم على الموحدين هناك وقد انتهز فرديناد الثالث فرصه خروج ابن هود على الموحدين ونشوب الفتن بين هذا الثائر والموحدين وبنى الاحمر ليستولى على قرطبه سنه 633 ه. فكان لسقوط قرطبة اثر كبير فى الحياة الفكرية ظهر بالخصوص فى هجرة اهل العلم والادب مثل ابن عربى وابن الابار وابن سعيد وغيرهم رغم استمرار بعض النشاط الفكرى فى مراكز ثقافية مشهورة مثال قرطبة ومالقة وغرناطة وبلنسية ومرسية واشبيلية.
فى هذا الوضع السياسى والثقافى ولد حازم بن محمد بن الحسين الاوسى سنة 632 ه. بمدينة قرطاجنة الواقعة بالجنوب الشرقى من بلاد الاندلس قرب مرسيه واشتهر بنسبته اليها فعرف بالقرطاجنى. قضى طفولته وشبابه فى يسر بين قرطاجنة ومرسية طالبا للعلم ثم انتقل الى غرناطة حيث اتصل بعلامة العصر أبى على الشلوبين فوجهه الى العلوم اليونانية والى مصنفات ابن رشد والفارابى وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة. وعرف حازم نكبتين متواليتين، الاولى وفاة والده سنة 632 والثانية سقوط قرطبة الذى اثار فزع المسلمين، فهاجر الى المغرب، ويرجح الدكتور الحبيب بلخوجة ان اقامته بمراكش كانت خلال سنة 633. ولم يكن المغرب الاقصى اذ ذاك يفضل الاندلس بوجه من الوجوه، فقد تقلص ظل الدولة الموحدية وكثر الاضطراب والشغب ولكن الحياة الثقافية كانت مزدهرة بعض الشئ، فكان حازم شديد الصلة بالادباء المهاجرين من الاندلس يحضر سهراتهم ويغشى مثلهم بلاط الرشيد لينشده مدائحه.
ويبدو ان حازم لم يصبر على الاضطرابات السياسية فارتحل الى تونس وهو
لم يتجاوز الثلاثين ومثل بين يدى أبى زكرياء الاول الحفصى وانشده الشعر. وكانت تونس كعبة القصاد من بلنسيه واشبيلية ومالقة وغيرها من مدن الاندلس يأتونها ليمدحوا اميرها فزعين من النصارى مستصرخين، فرمى عصا الترحال بالعاصمة الحفصية وكان المهاجرون الاندلسيون قد كونوا بتونس عصبة نشيطه فى مجال الادب والعلم اصبحت تحاك لها دسائس المنافسين الا ان حازم استطلاح كسب ثقة الامير فدخل ديوان الانشاء وتخرج عليه الكثرون مثل لبن الرشيد والكتانى وابن راشد القفصى. واتصل حازم ببعض الحفصيين بعد المستنصر ابن أبى زكرياء وتوفى بتونس عن ستة وسبعين عاما سنة 684 ه. الموافق سنة 1285 م.
ويقسم الدكتور الحبيب بلخوجه مصنفات حازم الى ثلاثة اقسام، قسم أدبى وقسمين علميين أولهما فى النحو وثانيهما فى البلاغة والنقد.
اما آثاره الادبية فمنها قصائد لم تجمع فى ديوان ولكن عثر على قسم منها بمكتبه الاسكوريال واغراضها متنوعة يحتل فيها وصف الطبيعة مكانة هامة.
من مدائحه قصيدته الشهيرة: المقصورة وهي ارجوزة تشتمل على ستة والف بيت عارض بها مقصورة ابن دريد ومدح بها المستنصر الحفصى على تجديده الحنايا الرومانية التى تحمل قنوات الماء من زغوان الى تونس وقد حظيت مقصورة حازم بشروح ودراسات كثيرة فى القديم والحديث مثل شرح التجانى وشرح الغرناطى ودراسة محمد مهدى علام وغارسيا قومز الاسبانى. اما آثاره الاخرى فله فى النحو مؤلفان.
1) رساله فى الرد على كتاب المقرب لابن عصفور واسم الرسالة: شد الزنار على جحفلة الحمار. وهي مفقودة.
2) قصيدة نحوية ما زالت محفوظة بنصها الكامل فى مجموع مخطوط بالمكتبة الاحمدية بتونس.
وله فى البلاغة كتاب (التجنيس) مفقود وله تأليف فى العروض والقوافى لا يعرف ايضا وانما اشار اليه حازم فى المنهاج وله كتابه الخطير: منهاج البلغاء وسراج الادباء.
جاء فى وصف المخطوطة التى اعتمدها الدكتور الحبيب بلخوجة، لتحقيق منهاج البلغاء وسراج الادباء انها ترجع تقريبا الى القرن السابع والثامن وقد تملكها الشيخ بيرم الرابع ثم انتقلت بالشراء إلى خير الدين فى رمضان سنة 1285 ه. الذى حبس كل المجموع على المكتبة الصادقية اما بقية المجموع، فمخطوطتان مكتوبتان بخطين مختلفين، كتاب القوافى ورسائل العزفى. ومجموعات من شعر حازم القرطاجنى وقصيدته النحوية.
وخلاصة البحث ان نسخة المنهاج ناقصة، ولكن لا سبيل الى تسديد النقص اذ ان النسخة التونسية هى اليوم النسخة الوحيدة وقد كان الكتاب خلال العصور عرضة للتغيير بالاختصار والتبديل حتى لعنوانه، فالمخطوط التونسى يحمل اسم المناهج الادبية ويرجح الدكتور الحبيب بلخوجة ان هذه التسمية من وضع بعض الناسخين اما اصل التسمية فقد جاء ذكره فى كتاب السبكى ((عروس الافراح)) اذ عده اولا فى مصادر تصنيفه واحال عليه بنفس التسمية فى التفريق بين التشبيه والاستعارة. اما التسميات التى جاءت عن الصفدى فى ((الوافى بالوفيات)) وعند السيوطى فى كتاب ((المزهر)) وكتاب الاتقان فى علوم القرآن)) وكتاب ((الاقتراح)) وعند المقرى فى كتاب ((الازهار)) فيتجاوزها محقق المنهاج ويعدها مختصرة قصد تسهيل الاحالة، فكانت تسمية السبكى أصحها عنده هي التى اعتمدها عند نشر الكتاب.
اما صحة نسبة منهاج الادباء وسراج البلغاء الى حازم القرطاجنى، فقد ثبتت بمقارنة اوردها الزركشى صاحب البرهان فى علوم القرآن فى الفصلين المسميين الالتفات ونفى الشئ رأسا فهما يتفقان تمام الاتفاق مع ما جاء فى المنهاج، وقد ذكرت فقرات اخرى من المنهاج فى غير هذا الكتاب الا انه تستحيل الآن مقابلته بنص حازم نظرا لفقدان القسم الاول من الكتاب. ويرى الدكتور الحبيب بلخوجة انها مطابقة من حيث موضوعها لقسم المنهاج المفقود.
ما هى الاقسام المفقودة؟ اعتمد المحقق للجواب عن هذا السؤال الى اشارات المؤلف وعلى الشواهد المذكورة فى كتاب السبكى ((عروس الافراح)) وكتاب الزركشى ((البرهان))، ومن كل هذا نسنتج ان حازما شغل فى هذا القسم المفقود ((بالبحث عن الضرائر وبما قصر او طال من العبارات والالفاظ ... والابتذال والغرابة والتشبيه وشروطه، والسجع والحكم والامثال وتقدير استعمال بعض الالفاظ والزيادة والقلب، والالتفات والترتب فى المعانى والاغراض.
اما القطعة المنثورة فهى تتركب من اقسام ثلاثة تبحث كلها فى صناعة الشعر، وفى كل واحد من هذه الاقسام اربعة ابواب وقد سمى حازم كل باب منهجا والمنهج يتألف من فصول دعاها بمعلم او معرف، يتبعها غالبا بملاحظات بلاغية فى فصول ختامية سماها مأم او مآم، حسب الافراد والجمع، وميز حازم بين الفقر فى كل فصل، فعنون لها بلفظين على التعاقب: اضاءة وتنوير مثال ذلك ما نجده فى قسم المعانى، تبدأ الفقرة التى بين ايدينا بمنهج او باب كما اسلفنا هو:
((المنهج الثانى فى الابانة عن طرق اجتلاب المعانى وكيفيات التئامها وبناء بعضها على بعض وما نعتبر به احوالها فى جميع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس او منافرة لها)) ويندرج تحت هذا المنهج.
أ) معلم هو المعلم الدال على طرق العلم باقتباس المعاني وكيفية اجتلابها وتأليف بعضها الى بعض.
ب) ومعرف دال على طرق المعرفة بانحاء وجود المعاني.
ج) ومعلم آخر دال على طرق العلم بكيفيات مواقع المعاني من النفوس من جهه ما تكون قوية الانتساب الى طرق الشعر المألوفة والاغراض المعروفة عند جمهور من له علم بالطبع، او ضعيفة الانتساب الى ذلك.
د) ومعرف دال على طرق المعرفة بكيفات تركيب المعاني وتضاعفها.
ه) معلم دال على طرق العلم باستشارة المعانى من مكامنها واستنباطها من معادنها.
و) معرف دال على طرق المعرفة بما توجد المعاني معه حاضرة منتظمة فى الذهن على ما يجب ان يكون من بعض عائد الى بعض، وما به يكون كمال التصرف فيها وفي سائر اركان هذه الصناعة على المذهب المختار.
ز) معلم دال على طرق العلم بالمناسبة بين بعض المعاني والمقارنة بين ما تناظر منها.
وفي كل معلم او معرف، نجد فقرات كما اسلفنا تسمى على التعاقب: اضاءة تنوير ففي اضاءة المعلم الاول من هذا المنهج الذي ذكرنا اقسامه ذكر للدوافع المحركة للشعر وصلتها باغراضه، وفي التنوير الذى يلى الاضاءة ذكر للاغراض الشعرية كالمدح والنسيب والرثاء فبينما نجد فى الاضاءة تحليلا للحالة النفسية الحاملة على الشعر لا الارتياح الذى يحرك الى المدح والارتماض الذي يحرك الى الذم، نتبين فى التنوير اغراض الشعر وابوابه كالمدت والنسب والرثاء.
وفى خاتمة هذا المنهج، يجمع حازم ملاحظاته فى مآم اولها "مأم من مذاهب البلاغه المستشرفة بهذا المعلم، ويعني به المعلم الاخير، وما تقدم فى المعلم المفتتح به هذا المنهج الذى فيه القول، وهو المذهب الذي تقصد فيه المطابقة" وفى هذا المأم كذلك فقرات تسمى اما اضاءة او تنويرا.
والقطعة التى حققها الدكتور الحبيب بلخوجة كلها فى المعاني ويقول المحقق: "وليس المقصود بالمعنى عند حازم العلم الذى تعرف به احوال اللفظ العربي التى يطابق بها مقتضى الحال، ولكن المراد بها لديه البحث فى حقائق المعاني ذاتها واحوالها وطرق استحضارها وانتظامها فى الذهن واساليب عرضها وصور التعبير عنها" اما اقسام هذه القطعة فهي اربعة مناهج او ابواب:
المنهج الاول فى الابانة عن ماهيات المعانى، وليس فيه الا فقرتان من المعلم الاول نظرا للنقص الذى ذهب بقسم من الكتاب.
المنهج الثاني فى طرق اجتلاب المعاني.
المنهج الثالث فى فن الاستدلالات وانواعها فى الشعر وقد اكثر حازم فى هذا القسم الاستشهاد بفن الشعر لارسطو مما يدل على تأثره بالطريقة الهيلينية.
المنهج الرابع الابانة عن المنازع الشعرية ففى الاول يبحث عن الطبع والملكة الشعرية وفى المنهج الثاني عن قواعد الشعر، وفي المنهج الثالث عن مراحل تأليف القصيد وفى المنهج الرابع والاخير عن الاسلوب.
اما مميزات الكتاب فهى فى نظر الدكتور الحبيب بلخوجة ترتيبه وتفرده ببعض التسميات مثل معلم ومعرف ولغته المستعصية المتسمة بروح المنطق والحكمة اما منزلة المنهاج بين كتب النقد، فهو فى نظر الزركشي، مع مقدمة التفسير لابن النقيب اتم ما صنف العلماء فى علمى البيان والبديع ومن طريف ما فى المنهاج خروجه عن طريقة القدماء فى النقد واعتماده على اصول البلاغة والمنطق فاستدرك بذلك على ما فاته هذا الباب، واعتقد ان سرور المثقفين في تونس سيكون كبيرا بظهور هذا الكتاب النفيس ونرجو ان نرى العديد من محققينا يعجلون بانهاء اطروحاتهم ونشرها بين قراء العربية حتى يزدهر العلم ويعود سالف المجد فى الميدان الثقافي.
ج. م.

