" ننشر هذه القطعة الفنية من الشعر المنثور
والشعر المنثور وهو شعر العاطفة السامية والفن الرائع ويسرنا أن يكون من ادبائنا المبرزين من يتعاطى هذا اللون الجديد من الشعر العاطني الجميل
١
يا صاحبي :
هل كان من رأيك اصطناع هذا الجنون ؟ أم هو اصطفاء القدر الألهى واختياره ؟
لئن كنت صاحب الرأي والصنعة فانت متقن ، وانت في اتقانك نابغة عرفت كيف تنر الناس .
عرفت كيف تعبث وتضحك ، وعرفت كيف تهزا وتسخر . عرفت كيف تتندر بأوضاع الناس ، وعرفت كيف تتحرر منهم
عرفت كيف تسمو على أفكارهم ، وعرفت كيف تعطى نفسك مدى شاسعا لا يغلك فيه قيد : ولا تقيدك اغلال
اما ان كان القدر الالهى هو الذي شاء لك دون ما اختيار منك او كسب كانت إذا محظوظ ، وانت سعيد ، وانت تستحق الغبطة والحسد .
يا صاحبي المجنون
شهدتك الف مرة فى الف موقف من المواقف التى ترهقنا اوضاعها ، فكنت فوق جميع الأوضاع لا تعبأ بما يقننون ، ولا تبالي بما يعتادون ، أما هم من ناحيتهم فقد فهموا فيك انسانا لا تضي عليك مصطلحاتهم فتركوك طليقا تمرح هون يحاسبوك او يطالبوك فكنت بهذا محظوظا . وكنت سعيدا تستحق الغبطة والحسد .
قالوا عن امك انها ماتت فانثال أهل البر عليك بين معز ومشيع . حتى إذا نام الجسد الطاهر في حفيرته عادوا ادراجهم لا يسألونك عرفا ولا يطلبونك قاعدة .
هكذا مر الحادث فى طريقه الساذج دون ان تضفي عليه التقاليد شيئا من أوشابها .
وهكذا مضيت في سبيلك لابغلك قيد ولا متصرك عادة من عادات أهلك . وذهبت اسأل عن تلك ) الصرج ( عشية الايام الأول للمأتم فلم أجدها ولكن وجدتك مكانها شامخا كأبى قبيس لا تعنى بشيء ولا تحفل . فقلت هذا محل الغبطة وهذه احدى مميزات الجنون
وقالت جارة لنا عجوز : هذا يوم الوجبة الاولى لميتتنا المريرة وبعد غد يصادف الوجبة الثانية فماذا يعد صاحبك المجنون لهما ، ثم ماذا يعد للثالثة بعدهما قلت من يدر بنا - لعله يتواطا الجزار والطباخ ومائتا امرأة لا يخفن الله على
سحق صاحب المأتم ويستأنف السحق والدمار بعد غدوتين ثم يستأنف ثالثة لقطع العزاء حتى يأتي على البيت بالفناء ، ويعني على البقية الباقية من حطام الدنيا فيه . . اكراما لآل فلان ، واحتراما لآل علان وسقوطا عند أمر هذه العادة الفاضله
قلت لعل هذا ، أو شيئا من هذا يكون ونسيت انك مجنون . نسيت عبثك ، ونسيت هزاك . نسيت سخربتك بهذه الاوضاع ، ونسيت سموك عن هذه القيود .
نسيت الناس وقد عجزوا دونك فتركوك طليقا تمرح . وتركوك دون مطالبة او حساب .
نسيت انك هانئ تستحق الغبطة والحسد ، نسيت انك مجنون .
يا صاحبي :
اتشعر هذا النعيم الذي يضفيه عليك جهلك الفذ ؟ اتدرى انك ترتع فى بحبوحة لا يهنا بها عاقل ؟ اتدرى انك فى جنونك نابغه ، وانه ليس فى نبوغك جنون .
فى رسائلي الآتية احدثك بالكثير الذي لا تدريه فابق مجنونا كما انت والى اللقاء .
٢
يا صاحبى المجنون
اتدرى انك ممنوع من ان تمضي ساذجا في طريقك ، وان ترسل نفسك على سجيتها فى مجالسك ومعارفك وخاصة اصحابك
اتدرى انه لابد لك لتكون عاقلا من ان تتكلف كل شي وتتلون لكل شئ
لابد ان تضحك ملء شدقيك لتخدع بغيضا قفلت نفسك دونه !
لابد ان تومئ برأسك ايجابا لتوافق مهرجا انت تعرف عينه وكذبه لابد لك ان تعتبر الجبن طيبة نفسية ! والغباء امعانا فى الحذق ! والختل واجادة الدس مهارة وشجاعة
فاهنا يا صاحبى بجنونك . وامض في سبيلك جاهلا هذه الألوان . وعش ساذجا تعش محظوظا وتمت سعيدا . كن يا صاحبى مجنونا . اتربا بنفسك عن التزييف . اترفع عن سماع الحقائق موشاة بغير الوانها .
اتسمو بنفسك عن ان تضفى القاب الفخامة والقوة والمجد ، وتعطى نعوت الكرامة والمروءة والنيل ، لأبعد الناس عن هذه الألقاب وتلك النعوت .
إلا تفعل - ولن تفعل - فانت المجنون حقا وصدقا وانت المجنون لا كذبا ولا ريبا . وانت البعيد عن مجاراة الحياة ومماشاة الناس فيها . فعش كما انت . عش يا صاحبى مجنونا .
ولا بد لحياتك في هذا الخضم العاقل من ان تقف للعاطس والماخط ، والمتثائب والنائم ، والأكل والشارب ، والقائم والقاعد ، والمقيم والظاعن لتعطى كل حركة هزتها ، وتجيب على كل هزة بحركتها ، فى اشكال محدود . وتراكيب منصوصة لا وقص فيها ولا نقص او تظل سخيفا وتعيش غبيا .
لا تقول للمستحم : من الزرقاء ، ولا للمتوضئ تقبل الله فلكل فصل وضعه ولكل وضع تركيبه ولكل تركيب حروفه كانها جداول الضرب
يتوارثها الاحفاد فى أوضاعها المرهقة لا يملكون دونها تحويرا حتى يورثوها بدورهم احفادهم محفوظة مقدسه .
لا يكفى فى رأي الشارب اننا نحببه وان نسينات تهنئته واعطاءه جرسها الخاص . افهام لا تدري كيف رضوا تحديدها وكيف قبلوا ان يمنعوا التفكير عمله فيها .
قال لى انسان وقد رانى اشرب . هنيئا . قلت : بارك الله فيكم . فحمل فى وجهى كما تحملق مشدوها فى وجه عالم تساله عن ركن فى الصلاة فيجيبك عن شرط من شروط الزكاة ، صغر شأني كأديب لسن فى نظره يحير فى ابسط كلمة فى اللغة
يا عوج الله هذه الافهام .
هؤلاء اقوام يسيئون الى الحياة من اساسها ويريدونها ضيقة لا تساوى اكثر من مجموعة تراكيب يفنى المرء عمره ليستظهرها ، ويتخلى لها وحدها يسردها لمناسباتها مهندسة مجلوة لا يعتورها وقص ولا نقص .
عش يا صاحبى مجنونا لتبق محظوظا لتبق سعيدا تستحق الغبطه
لتظل مرفوعا عن هذه الاوشاب ، ساميا عن هذه الاوضاع ، محررا من هذه القيود .
عش يا صاحبي مجنونا والى الملتقي .

