لمن طلل بين ( رانوناء ) ( ١ ) و ( الجماء ) ( ٢ ) ؟ ! لمن هذه الرواسم فى كتف عير ، وسفوح الحرار ، ويفاع عروة ؟ !
لمن هذه الدوارس على جنبات العقيق المضطجع فى أحضان الجبال بين الحقب والحقب ؟ !
لمن هذا الآثار الماثلة على حواشى المسيل الفضى ، وكأنها فيما تبدو من شموخ وكبر بعض جبابرة الحياة تتحدى أفاعيل الحياة ، وتهزأ بعواديها ؟ ! لمن طلل بين ( رانوناء ) و ( الجماء ) ؟
أعلى هذه الحواشى من ضفاف المسيل ، وفي هاتيك اليفاع على منعرجات الوادى ، وبين يدى هذه الحرار على جنبات العقيق ، كانت تقوم مدينة الاحلام فى وشيها البديع الصافى ؟ !
أفى هذه السفوح المتكئة على سطح الوادى وبين ليات هذه التلال المطلة على مواضع مروجه ؛ وفى المنعطفات المسالك المارة بين آثاره ؛ قصور كانت تضج فيها الحياة بالفن والغنى والجمال ؟ !
تالله انه لطريف ! فلمن كل هذا ؟ لمن طلل بين رانوناء والجماء ؟ ! لمن هذه الرواسم فى كتف عير ؟ ! لمن هذه الدوارس على جنبات العقيق ؟ !
أفى أشخاص هذه المثل كانت تقوم منازل بنى الحكم ، وقصور أولاد العاص ، وحدائق ابناء الزبير ، وعرصات أحفاد عثمان ؟
أفى هذه الآفاق الشاسعة ، كانت تعبق المروج الخضراء بالسوسن والعوسج ، والنرجس والبنفسج ، وتزخر الافناء والاندية بالمترفين من وجوه الامويين ، وأصحاب الطول من الحجازيين تشجيهم الميلاء ويسكر أرواحهم معبد ؟
أعلى هذه الحواشى التي تعانق العقيق فى مسيله كان يرفل فتيان قريش في ثرائهم ؛ وتتهادى صبايا الحى فى جمال ودلال يشيع السرور فى جنبات الوادى ، وتضفى على مناظرها فتنة الحب والجلال ؟
تالله انه لطريف ! فلمن كل هذا ؟ لمن طلل بين رانوناء والجماء ؟ ! لمن هذه الرواسم فى كتف عير ؟ ! لمن هذه الدوارس على جنبات العقيق ؟ !
كان الاصيل جميلا يرسل فيه الشفق قبل المغيب أمواجا تتلاطم فى الافق فى لمعان ذهبي يجلل أعالى الجبال ، ويضفى بريقه على الهضاب الصغيرة المتناثرة فى الطريق بين طيبة والعقيق !
وكانت مركبتنا تنحدر إلى العقيق في قيعان هادئة - كأنها بنات اليتامى اضطجعن فى جلال واسى حول المسيل الناضب ، يندبن الحياة الزائلة في جسم كان يزخر بالحياة !
وكانت ليات الوادي تسيخ تحت عجلتنا فتمر المنظر أمام أعيننا متسارعة فى روعة وصمت ؛ لولا شخشخة الحصى تحت عجلاتنا تحملها النسمات الرقيقة إلى آذاننا انغاما فى ألحان الموسيقى التى تشجى محافل التائبين فتبعث بالذكريات والاسى
ولولا صوت الاستاذ الانصاري وقد أهاب بنا أن انزلوا فهذه بئر عروة ؛ وتلك منازله على شرف من العقيق !
فيا للجلال والروعة ، ويا للفن بهذه الآثار - لمن كل هذا يا ترى ؟ ؟ لمن طال بين رانوناء والجماء ؟ ! لمن هذه الرواسم فى كتف عير ؟ ! لمن هذه الدوارس على جنبات العقيق ؟ !
وقال أصيحابى : لابد من التغلغل بين الاكم والامعان في استقصاء كل ما فى سفوحها وأفنائها من أطم او اثر ! فقلت : هلموا ! نعمت الفكرة واصحابها . ستجدونى فى المقدمه شيخا طويل ما بين الخطى يغالب الفدافد ويجالد هامات الصخور ، ويناطح الآثار فى اعلا ذراها لا يبالى بساقيه بترتا منه، او صابرتا معه الى نهاية الهدف !
وكان الاستاذ الانصارى يمضى فى طليعتنا ؛ اما متسلكا او هابطا لا يقف الا ليدلنا على اطم شامخ يطل على ضفاف العقيق حيث كان معبد يحفي الليالى القمراء ، او عزة الميلاء تحيها ليالى سامرة يفيض على جوانبها السرور !
او ليحاضرنا عن سراى الامارة ايام مروان ، وافاق الغني والترف والجاه العريض فى املاك بني عفان ؛ او يحدثنا عن مسالك
الشوارع الواسعة التى كان يختال فيها فتيان الوجهاء بين المحافل والقصور ، فيعارضهم ( اشعب ) فى روحه المرحة ؛ ليزجي لهم ملحة نادرة او يتبعهم بنكتة فكهة ، يميد لها تزانهم فيهوون بعض على بعض فى طرب ونشوة وتتعالى ضحكاتهم ، فلا يرد صداها الا هدير المسيل يدوى فى قاع العقيق !
تالله انها ذكريات لا تدرى كيف درست ايامها ، وانها رواسم لا تدرى كيف تستقصى بناة معالمها - لا تدرى لمن طلل بين رانوناء والجماء ؟ ! لمن هذه الرواسم فى كتف عير ؟ ! لمن هذه الدوارس على جنبات العقيق ؟ !
ومضى أصيحابى ومضيت بين اكوام الجص و آطام الحجارة وآثار البناء الفاخر بافنيته واقسام غرفه الواضحة معالمها برغم اكداس الحجارة الطامية بين تقاسيم البناء !
وكان أصحابى يعثرون بالقطعة بعد الاخرى من سجاف الاوانى الملون ، فنتناولها بالتقليب والفحص ويحملنا الخيال منها ، عبر هامات الاجيال الممعنة فى القدم ؛ قبل الالف ، فنتخيل اصحابها وقد زينوا بانواعها واشكال أخرى اكثر دهشا منها فى عيش ناعم مترف يدل على مبلغ النعمة والرقى العمرانى !
وطال بنا المضى حتى وقفنا مدة على ما يدل على مواضع الحدائق الفتانة التى كان القوم يعنون بزهورها ، ويصطبحون بعبيق أزهارها يدل على ذلك هذه الدائرة المغمورة بالحجارة
والحصى فى شكل الابار وهذا الحوض المتصل بها من انواع البرك التى تروى الحدائق مما يجتمع فيها من البئر !
فيالبهائك ايهذا الوادى ، ويالجمالك ايتها المدينة الفيحاء المطمورة - ترى لمن كل هذا ؟ لمن طلل بين رانوناء والجماء ؟ ! لمن هذه الرواسم فى كنف عير ؟ ! لمن هذه الدوارس على جنبات العقيق ؟ !
ودلج أصيحابى عائدين الى عروة ، وكان البدر قد شمل البادية ، وأرسل أشعته الفضية على الروابى والتلاع ، فبدأ الافق كأنه الغادة الحسناء يشتملها ثوب حريرى رقيق ناصع البياض !
وقضيناها سويعات فى فناء ابن الزبير كانت مليئة بالجمال ، مليئة بالذكريات
كانت الآثار ماثلة على مرآى منا فى أصفى ما تكون من جمال القمر ، وكانت أحلامنا بعد الهدأة والاخرى تطوف بنا فى مدينة الفن القديمة بين محافلهم وعرصاتهم ، ومجامع أنسهم ، ثم تقف واجمة عند كل أثر لتناجى التاريخ الحافل باخبارهم - لمن هذا الفناء الباقية جدته ؟ لمن طلل بين رانوناء والجماء ؟ ! لمن هذه الرواسم في كتف عبر ؟ ! لمن هذه الدوارس في جنبات العقيق ؟ !

