الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

منهل القصص، -٣ -، الانتقام، ( ٥ )

Share

انتهى العم صلاح الدين من حكاية اكتشاف سعد من اولها الى آخرها . وبعد ما شكر سعد منقذيه من ذلك الموت المحقق مرة ثانية ،على كل ما فعلوا معه من عطف واكرام ، وقف موقف المختار ، ولم يدر ماذا يفعل وما ذا يقول ? ! أيحكي هو الآخر قصته من أولها الى آخرها تفصيلا ولا يترك منها شيئا ، حتى غرضه الوحيد وفكرته المقدسة التى كاد يموت من أجلها ، ألا وهى انتقامه من عدوه الاوحد الذى وقف فى طريقه الى النجاح وهدم حجر اساس مجده ورقيه ذلك الاستاذ الذى كلما تذكره سعد احترق قلبه ، وطار لبه غضبا وحنقا ? ! أم يكتم هذا السر وينتحل قصة من عالم الخيال يستتر وراءها ?! .. ثقل الصمت وخاف سعد من الوقوع فى كلام متناقض يفضحه ويثير شك مضيفيه فى شرفه اذا ما جرب أن يرتجل هذه القصة الخيالية

وعزم أخيرا على أن يقول الحقيقة مجردة عن كل شيء ، وليفعل الله ما يشاء وماذا يهمه اذا كان بريئا ? أليس انه فر من الكلية ليدافع عن عزته وكرامته ? وما ذا فعل سوى انه لم يرض بالبذل والخنوع لشخص يريد أن ينتقم فى شخصه الضعيف من بأس ابيه وعظمته ، هنا تذكر سعد تلك الايام السعيدة التى قضاها فى ظل رعاية أبيه وحنو أمه ، وأدرك أن الانسان لا يدوم له أحد سوى نفسه ؛ فينبغى أن لا يعتمد على أحد سواها، ولما صار لسان حال الموقف يلح على سعد بان يترك هذا السكون الثقيل ويختار احد الطريقين : طريق الحقيقة او طريق

الخيال ، ابتدأ فى حكاية قصته الحقيقية تاركا امره للمقادير تفعل به ما تشاء فقال :

أما قصتى الى حين انعم الله علي بانقاذكم فهى، وقص عليهم سبب فراره من المدرسة ، وعن أبويه المرحومين ، وكيف اصبح فقيرا فريدا فى هذه الحياة بعد ما كان فى عز وأي عز؛ غير أنه لم يصرح باسم عدوه وعدواسرته الذى لا يهدأ لسعد خاطر الا بعد أن يتخلص منه ؛ ولم يخطر ببال أحد أن يسأله عن اسمه ، الا ان لميس همت أن تسأله عن ذلك الظرف الذى وجد معه يوم اكتشافه ؛ والذى وضع باسراره فى أحد جيوبه ، بيد أن سعدا اخرج ذلك الظرف نفسه من جيبه وأخرج منه رسما صغيرا يضم رسم شخصين فى دائرة واحدة ؛ رسم رجل وامرأة وهما ابو سعد وأمه ، وبعد ما تامله سعد ناوله العم صلاحا ، فمسكه هذا بدون أن يلاحظ تلك العبرة التى سقطت على خد سعد ؛ رغم محاولته الشديدة لحبسها، وبعد ما تأمل الجميع هذا الرسم الذى يعده سعد تراثا عظيما، نطق العم صلاح الدين مخاطبا سعدا قائلا :

- والآن يا ولدى لك فى اختيار مصيرك امران ؛ فان شئت أقمت عندنا فاننا محتاجون الى من يقوم بأعمال المكاتبة والمحاسبة ، واننا نخصص لك جنيهين شهريا ، ما عدا معاشك وسكناك ؛ وان يك لك غرض آخر فانا مستعدون لكل مساعدة نستطيعها !

ما كاد سعد يصدق سمعه ! جنيهين شهريا ما عدا معيشته ? لا شك ان المستقبل باسم له ، فان الحياة في هذا الريف الهادىء الجميل وبين هذه الاسرة الطيبة الكريمة ، نعيم ؛ وكيف اذا كان تلحقه وراء ذلك فائدة اخرى ? وطفق سعد يفكر فى أجمل عبارات الشكر والثناء التى تبرر موقفه امام هذا الرجل الذى بعد ما أنقذه من الموت هيأ له مستقبلا عظيما وهو أن يستطيع التهيؤ لانتقامه من دون أن تشاغبه مشاغب الحياة التى اصبحت من اعظم اسباب الاخفاق فى هذه الحياة . وبعد ما جمع قواه قال :

- ليس لى احد ولا ملجأ يا سيدى فى هذه الحياة سوى الله ؛ ولهذا فانى أقبل وظيفتكم هذه ، ولم أدر والله ماذا أقول لاشكركم على عطفكم وكرمكم .

- لم نفعل يا ولدى معك الا بعض ما يجب على كل مسلم نحو أخيه ، ومن اعظم امراضنا الاجتماعية أن يعمل الشخص لمصلحته خاصة ولا ينظر الى جانب أخيه الذى تربطه به روابط شتى .

وما كاد سعد يتم عبارات الشكر والتقدير التى اخذ يكيلها للعم صلاح الدين على غيرته وعطفه حتى ظهرت الخادم على الباب مخاطبة سيدها:

- قد اعددت الغرقة يا سيدى ! وقام الجميع قاصدين (( التفرج )) على الغرفة الجديدة التى اعدت لسعد فى اسرته الجديدة .

ابتدأ سعد عمله بهدوء ؛ وكان فى كل يوم يلاحظ عطفا جديدا واراما زائدا من صلاح الدين وابنه ، غير انه اصبح يشعر بعاطفة جديدة نجوالفتاة عاطفة لم يستطع سعد تحليلها ؛ بل ان وجهه يحمر خجلا عندما يريد كشف امر هذه العاطفة الغريبة التى لم يسبق لها مثيل فى حياته والعجب انه اصبح خيال لميس لا يفارقه لحظة واحدة ، وبينما يكون تاره منهمكا فى شغله بين مكاتبته ومحاسبته. لا يشعر الا وقلمه ملقى امامه فوق منضدته وهو غارق فى بحور من الافكار والخيالات ؛ ففى كل شئ يري رسم لميس ، مبتسمة تارة تلك الابتسامة العذبة وهادئة صامتة اخرى ذلك الصمت الذى تخفى غالبا وراءه الف حكمة ،فيبتسم سعد لابتسامها ويصمت لسكونها وحين يستيقظ من سباته العميق يجد نفسه مبتسما او متألما على لاشئ ،فيستأنف عمله متعجبا من هذ الضرب من الجنون الذى اعتراه حديثا، وهل كل المجانين ياترى يستأنسون بجنونهم ويودون ان لا يفارقهم ابدا كما يحس هو فى نفسه ام لا ? فان كان كذلك فصحيح قولهم : )) مالذة العيش الا للمجانين )) ولكن هل يبيح سعد لنفسه ان توجس مثل هذه الخواطر فيتخيل فتاة

بعيدة عنه كل البعد ، فتاة تعد سيدته وهو خادمها ? ولكن اى شئ يفعل ? فانه كلما حاول طرد هذه الافكار من مخيلته ، وكلما حاول هجر هذا الخيال الذى اصبح ملازما له اخذ قلبه يخفق بقوة عظيمة ،حتى يتخيل لسعد انه يستطيع عد دقاته ، واحس بانقباض شديد يكاد يذهب روحه ولا يستريح الا اذا اطلق العنان لفكره يسرح فى هذه الرياض الزاهرة التى ادرك سعد اخيرا انها رياض الحب ، حيث اصبح لايشك فى انه وقع فى شرك الحب الفتاك ولا يرتاب فى انه صار يحب لميس وبقاء هذا الحب ونبذه ليسا بمشيئته بل ما هو الا عبده يفعل به ما يشاء فما يسعه اذن الا الصبر والكمان حتى يأتى فرج الله .

لاحظ صلاح الدين منذ ايام انقباض سعد الشديد وتأثره وحزنه ولم يستطع تعليل هذه التأثرات الجديدة التى ظهرت منذ امد قريب فى حياة سعد الهادئة واستحي ان يسأله خوفا من ان يؤثر عليه . وفي ذات يوم قام سعد من نومه مفكك الاعصاب مضطرب الافكاو حيث لم تغمض عيناه تلك الليلة الاقليلا ،بل قضاها ساهرا في حرب عنيفة مع نفسه ، او مع حبه الذى كلما اراد كتمانه ألح عليه بان يصدع بامره ؛ويبوح بسره ، وهذا شئ لا يطيق سعد تحمله قطا ، وما كاد سعد ينتهي من ارتداء ملابسه ، حتى وقفت الخادم امام غرفته تدعوه الى سيدها ، فأسرع سعد للملاقاة متعجبا فى نفسه ،سائلا ماذا يريد منه ياترى فى هذا الصباح الباكر خلاف عادته ?!

دخل سعد على الشيخ صلاح الدين وكم زاد تعجبه عندما ماظهرت له لميس بجانب ابيها مرتدية افخر ملابسها، ولكن الاب لم يترك له مجالا للتفكير والاستنتاج بل ابتدره قائلا :

- سعد !.. سيصل اخي اليوم فى قطار الصباح، وقد ابرق الى البارحة

فارجوك ان ترافق لميس فى الذهاب الى المحطة لمقابلة عمها ،..

فزع سعد من هذا الخبر الذى سيكون سببا فى انفراده مع لميس التى يحاول بكل جهوده الابتعاد عنها ((ولكن مكره اخاك لابطل )) . ولم يقل سعد كلمة سوى انه خرج فلحقته لميس ، واخد الاثنان طريق المحطة التى تبعد عن المسكن بمسافة ميل واحد تقريبا ؛ وكلما ابتعدا ازداد خفقان قلب سعد وتضاعف تألمه وتضجره ؛ وكانت لميس طروبا كعادتها ، فلا تفتر من محادثته عن انواع الزهور واشكال الطيور ؛ غير ملاحظة ما يعانيه من الالم العنيف والعذاب القاسى فى سبيل حبها !.. ومرابالنهر فتخيل لسعد ان يلقي بنفسه فى هذه الهاوية ويستريح من هذا العذاب الاليم ؛ غير انه تذكر انتقامه الذي يجب ان يعيش لاجله ...وما كانت الا دقائق حتى وصلا المحطة فوجدا القطار واقفا ؛ فنزل منه شخص طويل القامة اسرعت لميس لملاقاته والقت بنفسها فى احضانه فعلم سعد أنه عمهارهم ان يتقدم اليه هو الآخر غير انه عندما تأمله ارتعدت فرائصه ؛واصفر وجهه حتى كاد ان يغمى عليه ؛ وعرف فى عم لميس التى يحبها والتى هو مدين لها بالحياة ذلك الاستاذ الذى ما يعيش سعد الا الانتقام منه ؛ خانت سعد قواه ؛ وكاد محمد يسقط على الارض مغشيا عليه ثم رجع القهقرى وهو يردد هذه الجملة :

- هذا عمها! ! . . رحماك ربى ماذا أفعل ? ! . وبعدما خرج من المحطة اخذ يجرى ويبكى ويصح بكلمات غير مفهومة وفارقه ذلك العقل الرزين الذى كان يقوده وفقد أحساسه وشعوره واستولت عليه نوبة عصبية حادة من الالم النفسي العميق ولم ينتبه الاحين سقط فى النهر ، والقى نظرة اخيرة فبدت له لميس من بعيد وهى تمشى بجانب عمها بهدوه وسكون ، فاغمض عينيه واختضنته تلك المياه المتلاطمة سائرة به الى مهد الراحة الدائمه . . .

( تمت )               المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية