كان يوم الاحد اول يوم من فصل الربيع ، وكانت جميع هذه المخلوقات التى تعمر هذه الارياف من جبال ووديان واشجار وازهار وحيوانات من وحوش وطيور كلها تنتظر بفراغ صبرها طلوع الشمس من مخبئها ، وتتطلع باشتياق الى انكشافها من ستائرها ، ليتمتعوا بحرارتها النافعة ويحتفلوا باشعتها الجميلة بعد ما احتجبت عليهم فصل الشتاء كله ، وحلت محلها تلك السحب الكثيفة والغيوم الثقيلة و كم زهت الطبيعة ! ، وتحسنت مناظرها عندما بزغت الشمس وظهر لأول مرة منذ اشهر طوال اول شعاعها يلمع كانه قضيب ذهبي مرصع بلآل درية ، فازدهرت الازهار واخذت العصافير تغنى اجمل الحانها وخرجت الوحوش من ادغالها لتشاهد هذا المنظر الفذ البديع ، أو لتحتفل بهذا البشير الذى جاء يبشرهم بدخول فصل الربيع الزاهر الذى هو غرامهم الوحيد مشوقهم الفريد ؛ ولم تكن هذه الحيوانات وهذه النباتات وهذه الجمادات وحدها محتفلة بهذا اليوم الجميل ، بل كان بينهم من النوع الانسانى من يشاركهم في افراحهم ، وهو على الشاب الريفى الذى كان جالسا على هضبة يشاهد من بعيد غنمه ترعى وهو يعزف بكل قواه على مزماره فتردد له الجبال من وراء البحيرة صدى المزمار فتزيدة طربا وسرورا ، وفى تلك اللحظة نفسها بدا شخص من بعيد يسعى بخطوات سريعة قاصدا البحيرة ، ثم صار
يقرب شيئا فشيئا الى ان تجلى ، فظهر انه امرأة فى العقد الثالث من عمرها تحمل بين يديها طفلا صغيرا ، وهي مصفرة الوجه مضطربة الفكر باكية العين فتتأمل تارة طفلها وتلتفت اخرى وراءها كأن احدا يراقب حركاتها وسكناتها من بعيد ولاشك ان عليا ، راعي الغنم شاهدها حيث وضع مزماره وطفق يلاحظ هذه المرأة من دون ان تراة ، ويتعجب من الباعث الذى اتى بها فى هذا الصباح الباكر ، ولاشك انها مشت جزءا كبيرا من الليل حتى وصلت هذا الموضع النائى فى هذه الساعة المتقدمة من النهار، والمرأة حضرية على ما يبدو من لباسها وهيئتها ، واقرب مدينة الى هذا الريف لا تقل مسافتها عن ثلاث ساعات بالعدو السريع ، وما هى الا برهة قصيرة حتى وصلت المرأة الى ضفاف البحيرة ووضعت حملها على الرملة الناعمة ، وهو ولد صغير (لا يتجاوز عمره بضعة اشهر) جميل الصورة ، أخذ يشاهد جمال الطبيعة الساحر بعينه السوداوين ؛ ويبتسم لهذه الحياة كأنها كلها سعادة وسرور ، غير مشاعر بما تحمله من متاعب واكدار وبؤس وشقاء وحزن والم ، واخذت هذه الام العجيبة تتأمله آيا ، والبحيرة اخرى ، كانها تريد ان تقارن ما بين جماليهما الفطرى الباهر ثم انحنت على الطفل وطبعت على خديه قبلتين حارتين وعيناها تسحان بالعبرات ، ثم انتصبت قائمة ، وبعد ما القت عليه نظرة اخيرة كلها عطف وحنان خاطبته قائلة : -
- الوداع ! يا عزيزى ! انت فى كنف الله يا بنى ورعايته ! فتبسم هو لها ظانا انها تداعبه ، ثم قفلت راجعة من حيث اتت ، وقلبها يقطر دما ؛ ولكن عليا الذى كان يشاهد من اعلى الهضبة هذا الحادث المؤلم قفز من مكانه منطلقا كالبرق يريد ادراك هذه المرأة الغريبة الاطوار التى تركت صغيرها فى هذه البادية الخالية وبمجرد ما احست هذه به خرجت عن شعورها والتفتت نحوه صارخة فى وجهه : - دعونى !! ؛ اتركونى !! ؛ خذوه ان شئتم ؛ واعطفوا عليه انه برييء
لاذنب له . واخذت تلطم وجهها وتصيح الى ان خرت مغشيا عليها ؛ واسرع الي كوخه ( الذى يبعد عن هذا المكان بقدر نصف ميل ) ليستنجد بامه العجوز واخيه الصغير لاسعاف هذه المرأة المصابة ، واخذ معه الطفل لانه لم يأمن عليه اغتيال الوحوش الضوارى ، وفى تلك الساعة سمع رجل من بعيد صراخ المرأة فاسرع نحوها مستبشرا مبتسما وهو يردد هذه العبارة : -
- رمته والله وقد حقق الامل ! غير أنه لما رآى عليا تراجع واختفى ما بين الاشجار الملتفة ولما بدا له على من بعيد ، يعدو ؛ قاصدا منزله اسرع نحو المرأة وأفاقها بعقار كان معه وفر بها ! وكم عظم اندهاش على حين رجع ووجد المرأة التى تركها مغشيا عليها قد اختفت ؛ تاركة ولدها عند هذه الاسرة الريفية المفطورة على الرحمة والانسانية : -
( الفصل الثانى )
بينما كانت سلمى العجوز ام على ؛ ترضع الطفل من البان غنمها ، وولداها الريفيان الغليظان يفيض قلباهما رأفة وحنانا على هذا الطفل الغريب الطاهر البرييء كانت امه ( نجاة ) منطلقة بها سيارة تنهب الارض نهبا ، ويجوارها رجل يهددها بمسدس قائلا : -
- قول حالا ! ايتها الخبيثة ، والا قتلتك !! هل حقا قتلتيه ؟ ! .. فاجابته ، وهى تحاول اخفاء الحقيقة بعبارات مقطعة بالبكاء ! - اجل !! اجل !! قتلته رميته فى البحيرة حسب امرك ! ولما اطمأن الرجل ادخل سلاحه وكف عن تهديدها وانتقل من تلك الحالة الشديدة الى حالة لطف ورفق ، وتحول ذلك الشيطان ملكا واخذ يشجعها واعدا اياها بالسعادة الدائمة بجواره ؛ سكنت نجاة من روعنها ، واطمأن خاطرها قليلا على ابنها وانزوت فى ركن
السيارة واخذت تصغى لذاكرتها وهي تملى عليها جميع ادوار حياتها ، حادثة حادثة وشرعت تطورات حياتها المنصرمة تمر بين عينيها ، مفصلة كانها على شريط سينمائي ؛ فتبتسم تارة وتعبس أخرى ؛ وتذكرت ايام الصبا ، وكيف كانت فى زمن الطفولة مكسوة بعطف ابيها وحنو امها ودلال جميع افراد اسرتها الى ان شبت وتزوجت بابن عمها الذي كان متيما بحبها ، وقد كان شابا جميلا ثريا ، الا انه كان هادئا خمولا ؛ لا يتكلم الا عند الحاجة : ولهذا كان قلب نجاة مشغولا عنه بحب رجل آخر وهو ( عزة ) الشاب المرح الطروب ؛ وكانت ( نجاة ) قد تعرفت به قبل اقترانها بابن عمها واحبته الى حد الافراط ، ولكن هل يجدى حبها شيئا ويجنى ثمارا مع اوامر ابيها الصارمة الذى قرر ان تتزوج بابن عمها ويجب ان يطاع ؛ وكانت تظن هي انها ستستطيع ان تضحي بالف غرام فى سبيل ارضاء ابيها وانها تقدر على التغلب على حبها ، ولكن عبثا حاولت اخماد نار قلبها ، ففي كل لحظة تتصور عزة وابتسامته العذبة ، وكلما طردت خيالاتها عن افكارها تكاثرت هذه وتعاظمت ، وقد كان عزة لا يجهل عاطفة نجاة نحوه بل كان هو الآخر يقاسمها من بعد حبها وآلامها .
وفوجئت نجاة ذات يوم بوفاة ابويها فازدادت آلاما على آلامها ؛ وشجونا على شجونها ، فبكتهما وبكت غرامها معهما ولكن ما يسعها الا الصبر والكتمان ولا سيما انها ستصبح والدة بعد ايام قلائل ، ولاحظ زوج نجاة تأثرها واضطرابها والآلام الشديدة التى كانت تحاول اخفاءها وكتمانها ؛ وكان يعلل ذلك بفراق أبويها ( الذين كانت تتفانا فى حبهما ) وثقل حملها ؛ آملا انها سوف تضع حملها وتتسلى بطفلها عن احزانها وسوف ترجع لها تلك الابتسامة العذبة التى كانت لا تفتر ان تعلو شفتيها والتى فقدتها منذ زمان غير قصير . المدينة المنورة [ يتبع ]

