الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

منهل القصص, السائل المحتال

Share

" نقدم الى قرائنا هذه القصة التاريخية لما حوته من روعة وطراقة "

قال الجويري : ومن ذلك اني كنت فى قونية من بلاد الروم سنة ٦١٦ ه فمررت في بعض الشوارع فرأيت انسانا عليه ثياب خلقة ، وهو ملقي على جنبه وراسه معصب بخرقة وهو يئن انين الضعيف ويقول : من يقضي شهوتى برمانة ؟ فلما نظرت اليه قلت : وعزة الله من بني ساسان ، ولابد ان ابصر بماذا ينتهي اليه امره : فجلست قريبا منه بحيث اراه ولا يراني فصارت الدراهم تتساقط عليه مع القطع والفلوس والخبز وغيره فلم يزل كذلك الى وقت القائلة حتى خف الرائح والجائى . فلما رأى ذلك التفت يمينا وشمالا فلم ير احدا فوثب مثل البعير النشيط إذا حل من عقاله وجعل يخترق الازقة والشوارع ، وانا اخلفه الى ان انتهى الى زقاق غير نافذ امام دار حسنة البنيان بمساطب وفانوس معلق فرقى العتبة وطرق الباب ففتح له وهم بالعبور فادركته وقلت : السلام عليك . فقال : وعليك السلام ، من تكون ؟ فقلت : ضيف فقال : مرحبا بالضيف ثم اخذ بيدى وقال خير مقدم . ادخل . فدخلت قاعة واسعة فيها من البسط والفرش والمساند واللحف ما لا يوجد الا عند الاكابر من ابناء الدنيا : فقال لى إصعد ، فصعدت على طراحة حسنة . واما صاحبى فانه رمي من رقبته مزودا فيه مقدار عشرة ارطال خبز وفيه من الدراهم شىء كثير ثم شد وسطه بفوطة تساوى دينارين

وخلع ذلك الخلق ، فقدمت له الجارية ماءا سخينا وطستا ليغتسل ثم لبس بذلة قماش فاخرة وشم ماء ورد ممسكا وتطيب فرأيت له شعرا طويلا وطلع فجلس الى جانبى وقال لى : والله هذا نهار مبارك برؤيتك فقلت بارك الله فيك واعانك على ما انت بصدده ثم قال : يا خرير ( وهو اسم جاريته ) هاتي ما عندك برسم ضيفنا فما ادري الا والجارية قد احضرت مائدة عليها اربع زبادى صيني في كل واحدة لون فاخر من طعام خاص وخبز خاص ، وبقل من جميع البقول . ثم احضرت سكر دانا عليه حريف ومالح وحامض ، فصار يأكل ويلقمني ويؤانسني بالحديث وانا اعمل باليدين الى ان اكتفينا وغسلنا ايدينا . فقال لى : اليك المعذرة جئتنا على غير وعد ولكن الكريم يسامح . ثم تحدثنا ساعة ونادى : يا خرير هاتي لنا ما نتحلى به ! فاحضرت انواعا من الحلوي لم تحصل الا عند الاغنياء الكبار فأكلنا منها حسب الكفاية

هذا وانا فى غاية التعجب ثم قلت له : لو فتحت لك دكانا بزوكان لكان خيرا لك من هذه الحرفة التى تعانيها . فتبسم . ثم قال لى : كم يكون مكسب التاجر كل يوم لو كان رأس ماله خمسة آلاف دينار ؟ فقلت له : لعله يكسب نصف دينار فقال : انا يقع لي كل يوم خمسة عشر درهما واكثر واقل فائدة بغير رأس مال فماذا اصنع لدكان ؟ مع ان التاجر لا يخلو من الخسارة فى بعض الاوقات وعليه كلف اما انا ربح بلا خسارة فقلت له : ماذا تصنع بالخبز الذي يصل لك كل يوم ؟ قال : نيبسه ونعمله فتيتا فتجئ تجار انطاكية يشترونه لسفر المراكب فى البحر الملح ، فيحصل لنا منه كل سنة مؤنة اهل البيت وكسوتهم فتعجبت من ذلك

فلما  اردنا النوم قال . اليك يا فلانة . فرشى لسيدك في المخدع الفلانى واوقدي له قنديلا . ثم اقتني بطست ومنشفة فاغتسلت ثم نمت ولم ازل نائما الى الصباح فانتبهت فاذا به قد دخل على ، وقال لي : يا سيدي الضيافة ثلاثة ايام فلا تبرح من مكانك حتى اعود اليك ، ثم قال للجارية : هاتي العدة فأتته بذلك المحلق والمزود والعصابة فعصب رأسه وخبأ شعره ولبس ذلك المحلق ثم اتته بمخلاة فيها تراب فجعل ينفض عليه حتى غبر وجهه وثيابه ثم انه ودعني وخرج . ثم عاد ففعل مثل

ما فعل بالأمس فاقمت عنده الى يوم الجمعة . وقال للجارية : خذي سيدك الى الحمام وقولي لفلان البلان سيدي يسلم عليك ويقول لك : اخدم هذا الرجل . ثم قال لي : اريد منك ان لا تصلي اليوم الا عند المنبر فان لى فى ذلك غرضا ثم تعود بعد الصلاة الى هاهنا ثم لبس آلته وخرج . فقامت الجارية واخذت بساطا اقصرابيا وطاسات نحاس ومئزرا ملطيا ومناشف رومية فى نهاية الحسن ومبخرة مطبقة وهيأت آلة الحمام كما ينبغي وراحت بها الى الحمام ثم عادت الى وقالت لي بسم الله يا سيدي اسرع فان البلان في انتظارك . فقمت الى الحمام وخلعت قماشى ودخلت والبلان قدامي الى المقصورة ثم جاءني بالمناشف وخرج خلفي بالطاسة فصعدت وجلست وصب الماء على رجلي . ثم جاءتني الجارية بقدح شراب رمان فشربته ورجعت الى الدار والجارية قدامي ثم جاءتني بمسلوق فاكلت :

فلما جاء وقت الصلاة قالت لى الجارية : بسم الله : الى الجامع . ثم حملت معي سجادتى كما قال لى صاحبى وفى اثناء ذلك أذن المؤذن وخرج الخطيب ورقي المنبر فلم اشعر الا وصاحبي قد اقبل يخترق الصفوف وهو بذلك اللباس الخلق ثم صعد الى الخطيب على المنبر واخرج من عبه كيسا من الحرير الأطلس العدنى . فقال للخطيب : يا سيدي انا رجل فقير ولى عائلة ، ووالله لنا مدة بومين ما  أكلنا شيئا وقد امضنا الفقر . فلما كان اليوم قالت لي العائلة : اليوم يوم الجمعة قم الى الجامع لعل الله يفتح لك بشىء فقد هلكنا من الجوع . فخرجت قاصدا الى الجامع ، وانا فى الشارع الفلانى وقد تضررت من الجوع فعثرت رجلي بهذا الكيس ولا اعلم ما فيه فسولت لى نفسى أن آخذه وارجع الى منزلي فقلت : يا نفس .

يا امارة بالسوء تريدين ان تجرئيني على أكل الحرام ، والله لا وافقتك في ذلك ابدأ ولو مت جوعا وما عند الله خير وابقى . وقد حملته اليك فاقبل به ما ترى . ثم رفع الكيس للخطيب ففتحة واذا على تساوي ( ٥٠٠ ) دينار ، فتعجب الخطيب من أمانته مع ما هو فيه من الفقر والحاجة ثم أشار إلى الناس وقال : يا قوم هل يكون فى الناس مثل هذا فى دينه وامانته وعفته مع فقره ؟ فكيف يكون لو كان غنيا غير محتاج فوالله مثل هذا لا يصلح أن يكون فقيرا بين ظهور

المسلمين . فالواجب على كل مسلم اعانته وبره فليعطه كل واحد منكم شيئا واغنوه من فقره ، كل على قدره . فصارت الدواهم والذهب تنهال عليه من كل جهة الى أن قدرت انه حصل له مائتا دينار . هذا وانا ألومه في نفسى أقول : قد حصل له شىء يساوي ألفا دينار فباعه بهذا القدر

فلما انقضت الصلاة ونحن فى السنة سمعت الضجة قد قامت فى الجامع فنظرت واذا بامرأة عجوز وهي تصيح وتقول : أيها المسلمون والله ما أملك قوتى فى هذا اليوم وقد ضاع لى حلى حملته من ناس الى ناس فوقع منى ، فبلغني انه وصل الى الخطيب وانا مستجيرة بالله تعالى . فجعل الناس يقولون لها : طيبي خاطرك فقد رده الله اليك . ولم تزل تخترق الصفوف حتى وصلت الى الخطيب فخرت مغشيا عليها ثم افاقت ، فقالت : يا مولاى العفو لا تؤاخذني وارحمني لله تعالى . فقال لها الخطيب : على مهلك ما الذي عدم منك ؟ فقالت : كيس صفته كذا وشرابته كذا وفيه كيت وكيت من الحلي وكذا قطعة بلخش واسورة كذا وخواتيم كذا . ولم تزل تعدد الأعيان التى ضمته بحضور الملأ ، وقدم جماعة من العدول وكلما ذكرت شيئا اخرجه الخطيب الى أن وصفت جميع ما فيه وصح ما قالت ، فسلم اليها الكيس فأخذته وانصرفت ، والخلق يدعون لصاحبي ويتعجبون من دينه وأمانته

ثم اني جئت الى الدار كما اوصانى صاحبى ، فوجدته جالسا يزف ما تحصل له ، واذا مقدار ما قدرته فى خاطري فلما دخلت وجلست قال  لى  : هل رأيت ما فعلت اليوم ؟ قلت : نعم وانا ألومك على ذلك . قال لما قلت : لأنه كان قد حصل لك شىء يساوى ( ٥٠٠ ) دينار فبدلته بهذا القدر . فقال : هل تعرف الكيس والمرأة التى أخذته ؟ قلت : إذا ابصرتها عرفتها ! فقال : يا خرير خلى العجوز تجيء بالكيس فنزلت والكيس في يدها . فقال : هذا الكيس وهذه العجوز حماتي والحلى لابنتها وان الذي سيرتها بهذه الحيلة فكم كان يحصل لى لو اقمت طول النهار ؟ ! فلما ان وجدت ذلك تعجبت من كل العجب  ثم انصرفت من عنده.

اشترك في نشرتنا البريدية