الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

منهل القصص, اين البحيرة، ( الفصل الثالث )

Share

بعد ما انتهى رشاد زوج نجاة من التجوال فى مزارعة الفسيحة ، جلس على هضبة صغيرة ؛ وطفق يتأمل الشمس التى أخذت تتستر رويدا رويدا وراء هذه الجبال الشامخة قاصدة مقرها ليحل محل انوارها المشرقة ظلام دامس ، وليأتى بدل حرارتها الممتعة برد قارس ، وكم كان منظرها خلايا حين غروبها ، وقد كان جديرا بان يفتن قلب رشاد الذى يعشق الجمال ويتصوره فى كل شئ ، ولكنه كان مشغول البال بما تكابده زوجه من آلام الحمل ، ولذا لم يعر هذا المنظر أ أدنى التفاتة ، وانما عندما غربت الشمس واختفى قرصها ارتعدت فرائص رشاد واحس بحزن شديد يستولى عليه ، وسارت رجفة باطنية فى سائر أعضائه لم يستطع تحليلها وهو كذلك اذ رآي من بعيد خادمه يهرول قاصدا نحوه فقفز رشاد من مكان وتلقاه مستفسرا وهو مضطرب مختار من هذه الهواجس التى تنذره بكارثة عظيمة ولكن سرعان ما أطمأن قلبه المحتار وهدأت نفسه الثائرة حيث رأى علامات الاستبشار والسرور تلوح على وجه الخادم ؛ ولم تخن رشادا فراسته فالخادم يحمل بين جنبيه خبر المولود الجديد استبشر رشاد ونسي ما يختلج في ضميره من الخواطر المظلمة فامتطى لفوره صهوة جواده وانطلق مسرعا قاصدا بيته ليرى ابنه ويقبل زوجه وهو يبنى صروحا من الاحلام والآمال ؛ ولم يشعر حتى بالشخص الذى كان مختفيا وراء هذه الشجرة القريبة مصوبا بحوه مسدسه ، ولم يترك رشاد

آماله وأحلامه الكاذبة الا حين ما سقط بحث طلقات المسدس العديدة التى أخذت تمطر عليه من يد عدوه المجهول الذى أختفى فيما بين الاشجار الكثيفة كانه شيطان رجيم ؛ تاركا وراءه رشادا يتخبط فى دمائه ، ولم يرحم شبابه ؛ ولا الطفل الصغير الذى ينبغي أن يعيش لأجله ، ولم يهمله على الاقل حتى يقبل طفله ويهنئ زوجه ! آه ! ما أقساك من قلب ! . وما أقلك رأفة ! أيها القاتل ! كانك لم تحب فى حياتك قط ! . . .

وكان الخاطب العم احمد قد سمع من داخل كوخه الذى لا يبعد كثيرا عن مكان الحادثة الطلقات النارية تعقبها صيحات رجل أخذت تضعف شيئا فشيئا وأسرع يستطلع الخبر ، وكم عظم اندهاشه وثار عجبه عند ما رأى رشادا ذلك الرجل الهادئ المحبوب عند الجميع ؛ وذلك الرجل الذى يفيض قلبه عطفا وحنانا على الضعفاء والمساكين ، وكم غمر العم نفسه بكرمه - متخبطا فى مصرعه ، مضرجا بدمائه ، ودنى الحاطب من القتيل ، وكم سر لما وجده لا يزال حيا .

- لاباس عليك يا بني لا بأس ! . . - آه ! ! . لم أدر ياعم احمد اى يد هذه الظالمة المجرمة التى فتكت بي فى هذه الساعة التى كنت اظن اننى أسعد البشر فيها ، آه ! ! ما أظلمك أيها الانسان لم يستطع الحاطب المسكين حبس عبراته التى أخذت تهطل على لحيته الكثيفة كانها مطر غزير - عندما سمع هذه الجملة التى بكى لها قلبه دما قبل عينيه ، ولكنه رغم ، هذا كله لم ييأس من روح الله بل اخذ يشجع الشاب بعبارات مقطعة بالبكاء الذى يخنقه ما بين لحظة واخرى ، ولكن رشادا الذى كان لايشك فى مصيره ولا يرتاب فى امره قاطعه قائلا : -

لا اظن يا عم أحمد اني سأصبح الى الغد ؛ وانما أرجوك ان تحملنى إلى كوخك لأسلم هناك الروح الى بارئها بهدوء ؛ وتذهب انت الى الشرطة تخبرها بالامر وبعد ما حمل الحاطب الصريع الى كوخه ووضعه على فراشه المكون من اوراق الشجر اليابسة ، قصد المدينة ليوصل الخبر ، وبعد ما بعد الحاطب - وكان الليل قد ارخى سدوله - وبقى رشاد وحده خطر بباله ان يخط كلمة لزوجه قبل ان يفارق

هذه الحياة ، وبرغم ضعفه الشديد اخرج من جيبه دفتر مذكراته ، وبعد ما اشعل مصباحه الكهربائى الصغير اخذ على نوره الضئيل يسجل خواطره الاخيرة .

(( نجاتى العزيزة !

(( الله وحده يعلم كم احببتك يا نجاة ! أهو وحده يعلم مقدار عظمة هذا الحب فهل تبادلينى الحب يا نرى ولو بمقدار ذرة منه ؟ . فان كان كذلك فانى سأبقى اذن حيا سعيدا ما دام ذلك الجزء البسيط من عطفك يشملني ، ولا يهمنى هذا الذى يسميه الناس موتا ، فمماتى الحقيقى يا نجاة هو اذا لم يبق لى فى قلبك ذكرى ! . . . نجاتي العزيزة !

(( جاءني نبأ وضعك وانا فى مزارعى ، فاسرعت نحوك لأقبلك وأقبل طفلنا العزيز وكانت ساعتئذ خواطر حزينة يختلج فى ضميرى ؛ وكم اكدت لى بأننى لن اراكما ابدا ولم اعتبر غراب البين الذى كان ينعق فوق رأسى ، بل اسرعت نحوكما يا عزيزتى ، ولكن المنية ابت الا ان يختطفني قبل وصولى اليكما ، ولم اشعر الا والسماء تمطر على رصاصا ، ولما كنت تستقينى يا نجاة اننى مظلوم فلأ كن فداءكما ، انت وطفلك من كل اذى قد يلحقكما ، . .

(( أشياء كثيرة يا (( نجاة )) اريد ان اقولها لك غير انى احسست بيدى ثقلت ، وقوتي خارت  . . والذي أوصيك به فى هذه اللحظة الأخيرة هو ان لا تضنى على بزيارتك قبرى ، .

(( وفى الختام اصرح بانى لا اتهم احدا . واما العم احمد فلم ينقلنى من مصرعى الا بمحض رغبتى ، فالوداع ! الوداع ! - ايها العزيزان ، والله هو المنتقم !

وما كان رشاد يختم خطابه حتى احس بسهام الموت تخترق قلبه ! وما هى الا لحظة حتى فارق هذه الحياة الدنيا واسلم الروح الى بارئها . . .                                        ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية