- ١ -
. . . بلغ - محمود افندى - العشرين من عمره ، بعد وفاة ولده بسنتين . . . فعزمت والدته على نزويجه من فتاة جميلة مؤدبة - يعرفها هو - وهي من بيت احدى الاسر العريقة ؛ التى افنى عليها الدهر ورزأها ، وفاتحت الام ابنها فى الامر ؛ فوافق بعد معارضة بسيطة تغلبت عليها الوالدة بمهارتها . . . وحذقها .
كان - محمود - يشغل وظيفة في احدى الشركات يمكنه راتبها الشهري من الانفاق بسعة على زوجته المقبلة وامه ، وكان يحب والدته حبا عميقا ؛ ولا يستطيع آن يخالف لها أمرا ، أو يعصي لها ارادة - خصوصا وليس له فى الحياة سواها ، وقد أوصاه المرحوم والده أن يطيعها طاعة عمياء ، فنفذ ارادته بدقة واخلاص .
وحل اليوم الموعود . . وجئ ( بالمأذون ) فعقد لمحمود على مخطوبته ( عزيزة ) ابنة الشيخ ( عبد الواحد . . . ) وأقيمت الافراح ، وزف الشاب الى عروسه الجميلة ، فى ليلة اجتمع فيها الاهل والاصدقاء ، وكانت ليلة من الليالي الملاح !؛ أصبح بعدها ( محمود أفندي ) زوجا ( لعزيزة ) واكمل بذلك نصف دينه . .
ومضت الايام - ومحمود - دائب في عمله ، واسعاد والدته وزوجته الشابة . المدبرة ، بكل ما اوتي من قوة ومال . . ودارت الايام دورتها وتنمرت الام لزوجة
ابنتها التى كانت تحبها ، فراحت المسكينة تتحمل الآلام وهي صابرة على أهوال ( حماتها ) الست سعدية . ) الجبارة القاسية التى لا تدع فرصة تمر دون ان تصلى الفتاة بوابل من شتائمها واهانتها اللاذعه ؛ الموجعة . . دون أن يعلم الزوج الغافل بشئ من ذلك . . لان زوجته كانت فتاة صبورا خجولا ؛ ينالها من أمه اصناف العذاب والمكائد اثناء غيابه عن البيت ، وهي صامتة ، تحترق من الالم دون تذمر أو شكوى ، متعزية بحب زوجها وحنانه . . - خصوصا وقد اوشكت أن تضع طفلها الاول في القريب فهى لذلك ورغم كل ما تراه من أم زوجها لا تخبره بشئ . . معللة نفسها بان ( الست سعدية ) ربما ترعوى فى يوم من الايام فنقدر لها صبرها واحتمالها ..
ازداد جور الحماة وتعذيبها لزوجة ابنها ، وأخبرت زوجها تدريجيا ثم راحت توسوس له بانها ترتاب فى سلوك ( عزيزة ) واخذت مع الايام تقوى الشبهة عنده حتى أصبح يشك حقا في سلوك زوجته واخلاصها ، برغم انها كانت تقابله بحبها المعهود ، ولم تظهر أقل شئ ينبئ عما يدعم اقوال امه . . . ولكن حب الام فوق كل شئ ، ومهارتها جعلت ابنها دائم التفكير كثير الحزن ...
اما عزيزة ... عزيزة الطاهرة الوفية .. فلم تكن تدرى شيئا مما يجرى ولم تلاحظ ما يدور فى الخفاء من تدابير حماتها الماكرة ؛ في السعى الحثيث المتواصل للتفريق بين الزوجين ، للتفريق بين القلبين المتحابين ، للتفريق بين الشريكين اللذين ارتبطا برباط الزوجية الوثيق ...
ولاحظت عزيزه قبل ايام وضعها حزن زوجها وانقباضه الدائم ، فسالنه عن السبب ، فاجابها اجابة مبهمة ، رغم الحاحها فى معرفة الباعث الذى حوله من زوج مرح طروب ، الى رجل حزين منقبض النفس ، دائم التفكير والاطراق ، عابس الوجه مكفهره ، بعد أن كانت الابتسامة لا تفارق شفتيه .. تلك الابتسامة الحلوة المنعشة التى تحبها عزيزة وتجد فيها سلوة وراحة وسعادة ما بعدها سعادة !! وكانت تحاول ان ترفه عن زوجها ؛ بين الفينة والفينة، بمداعبتها له وظرفها ولكن
عبثا كانت تحاول ذلك، فقد ذهبت كل محاولاتها فى هذا السبيل ادراج الرياح ..
.. تعالت الزغاريد من انحاء البيت الذى يقطنه محمود ، وتقاطر الاهل والاصدقاء يهنئونه على هذا المولود الجديد الذى ظهر فى افق حياته ، وكل منهم يدعو له - وخصوصا قريباته - ان يجعله الله سعيدا ويقر به عينه ، ويزيده به هناءا وغبطة . واقيمت الافراح ، وحضر ( الفقي ) وأضيئت الشموع ، ووضع الطفل فى مهده المزدان المزخرف ؛ واقترب ( الشيخ صالح الفقى ) وبعد ان اذن فى اذنى الطفل ، همس في اذنه اليمنى - سماك الله سعيد ! - ثم فعل مثل ذلك فى اليسرى ؛ ثم تسابق الاهل والاصدقاء إلى رمى النقطة (١) فوق صدر المولود . كل ذلك ... والزوجة المسكينة فوق فراش المرض تعانى آلام النفس القاتلة ويحتضن طفلها بين الحين والحين ، وتقبله قبلات عنيفة حارة تودعها كل حبها وحنانها ، وهي حزينة محطمة القوى لا تستطيع الحراك ..!
أما زوجها الذي بدأ فى تصديق وشايات والدته ، فقد تحركت فى قلبه عاطفة الابوة ، وشعر بان عليه واجبا يحتم مواسة زوجه فى احرج ساعاتها ؛ فدخل عليها ورفع الطفل ، ثم قبله فى جبينه ، وانثنى الى زوجته فهنأها بالسلامة ، وجلس بجانبها يحدق فيها تارة ، وفي الطفل اخري ، ويجيل عينيه فى اثاث الغرفة ، واخيرا خرج بعد أن أوصاها بعدم مبارحة الفراش حتى يأذن لها الطبيب بذلك ! .
ومضت سنة ؛ وسعيد ينمو ، و الداه سعيدان به ، يدللانه ويغمرانه بعطفهما وحنانهما ، وقد كان محمود كل تلك المدة ، حائرا بين زوجه وأمه !؟ يفكر تارة فى البعد عن أمه والانتقال الى منزل آخر ، فتثور فيه عاطفة البنوة فتهن قواه ؛ ثم يفكر في هجر زوجه ، فتجيش فى قلبه عاطفة الابوة ويتخيل صورة ابنه الوحيد ( سعيد ) وهو يربى بعيدا عنه ...
وأخيرا ... تطور الموقف ، وازداد مركز ( محمود ) خطورة وحرجا ، واصبح من اللازم عليه ان يقول كلمته الفاصلة . . اصبح لزاما على الشاب المسكين أن يقرر أما هجر زوجته وارسالها الى بيت أبيها ، وأما فراق أمه ، صاحبة الفضل عليه اولا وآخرا . وفي ذات يوم جاءته والدته تذكره بعطفها عليه وحنوها وتربيتها له وسهرها الليالي على صحته الى غير ذلك من العوامل المؤثرة ؛ جاءته زوجته ( عزيزة ) التعييسة ثائرة مهتاجة ، على اثر مشادة حامية ، قامت بينها وبين حماتها ، اشتدت فيها الحماة وقست عليها واغلظت لها فى القول وارتفع صوتها ؛ فانفجر بركان الزوجة المضغوط - وكثرة الضغط يولد الانفجار - نعم انفجرت الزوجة فصبت جام غضبها على حماتها التى طالما اتهمتها بالسقوط والتهور ، واندلع لسانها بعدد افعال ( الست السعدية ) واهاناتها العديدة لها ... انتظر محمود حكم أمه ، فحكمت ، هذه ، وكان حكمها قاسيا مجردا من العواطف ، وهنا قال محمود كلمته الأخيرة ، وهو يخفى وجهه بين يديه - قال لزوجته : اذهبى يا عزيزة الى بيت ابيك وخذي معك ( سعيدا ) واذكرى اننى مقيم على حبك محافظ على عهودك !
خرجت الفتاة تجر اذيال الخيبة والفشل ، وتتعثر في مشيتها ، وهي تحمل طفلها بين ذراعيها ، واليأس يحطم قلبها وينهك قواها ، حتى وصلت الى بيت والدها ، لاهثة واجفة ، ففوجئ بابنته وهى ترتمى بين احضانها تبكى وتنتحب ، وتقبله قبلات الغريق وجد منقذه ؛ نعم ! أن والدها نصيرها ومنقذها ، وهو موئلها فلتسرد عليه قصتها البائسة !
راحت تسرد القصة المؤلة من مبدئها ، وهى تقف عند بعض النقط وتتأوه ؛ و والدها ذاهل مشرد القلب ، يصغى الى حديثها المرير فى حسرة ، امتعاض ، يهز رأسه بين المرة والأخرى ؛ وما انتهت من سرد كل شئ على مسمعيه حتى قادها الى زوجته ، قادها الى أمها وتركها وخرج ...
