أرستقراط الاسرة ! ... ولذا كان فى المدرسة على الرغم من توقد ذكائه ، وشدة حساسيته ، لا يمتاز كما يمتاز أمثاله من ذوى الحساسية والذكاء ! بل كان - شأنه شأن اكثر ابناء الذوات أو أبناء الاسر الارستقراطية - تلميذا متوسطا ، لا هو بالمتفوق النشيط ، ولا هو بالمتأخر الكسول . ويشاء الله أن ينتهى هذا التلميذ المتوسط من سنى دراسته المقررة فى تلك المدرسة ، ويفوز بشهادة النجاح ؛ ويخرج لكى يبدأ من جديد حياة الدراسة الاخري : حياة الدراسة العملية فى مدرسة الحياة .
ولكنه لم يكن من اولئك الممتازين الاوائل ، اولئك الذين تخطبهم وظائف الحكومة في بعض الاحيان ، ولسوء حظه كان المتفوقون عليه كثيرين ، وكانت النتيجة أن زاد العرض على الطلب - كما يقول الاقتصاديون - ولم يبق لاخينا محل شاغر يعمل فيه ، وكانت النتيجة الاخري أن تقدم عليه زملاؤه فى تلك الوظائف وتأخر هو . . . أو بعبارة أخرى بقى حيث كان ... لقد كان ارستقراطى الاسرة
واذن فليس هو فى كبير حاجة الى أن يبحث له عن عمل آخر ؛ وليس هو فى كبير حاجة الى ان يغامر فى ذلك الميدان الرحيب الفسيح : ميدان الاعمال الحرة ، ويجاهد مع سواه ممن غامروا فى ذلك الميدان .
واذن فهو يظل قابعا فى دار أبيه ، مكبا فى بعض الوقت على مطالعاته فى الادب وفى غير الادب ، ومنشغلا ، أو على الاصح شاغلا نفسه فى الاوقات الاخرى باستقبال من يرتادون تلك الدار من ضيوف أبيه ، وضيوفه هو أيضا والقيام بما يجب فى مثل هذه الاحوال من المجاملات ، وتبادل الاحاديث والنكات مع اولئك الضيوف . ولكنه شديد الحساسية كما علمت
ولكنه يرى زملاءه الكثيرين ، يسيرون ويسيرون ، ويتقدمون ويتقدمون واذا بهم وقد أصبحوا أصحاب أعمال يشار اليهم بالبنان ، واذا بالبعض منهم وقد أصبحوا ماذا ؟ ! أصبحوا فى قائمة الشخصيات التى يسميها الناس ( الشخصيات البارزة ) ومعنى ذلك أنهم أصبحوا من اولئك الرجال المشهورين فى ذلك البلد الذي يعيش واياهم فيه !
الشهرة ! الشهرة ! ذلك السراب الخداع ! الشهرة على اختلاف انواعها ، ذلك ما كان بحلم به فنانا ، هذا الغض الاهاب ، شهرة العلم ، شهرة الادب ، شهرة السياسة ، شهرة العمل الناجح فى ميدان الاقتصاديات ، شهرة التقدم على الاقران فى معترك العمل الحكومى ، الى آخر هذه الانواع .
وصاحبنا لغرارته وسذاجته ، أو لذكائه وحساسيته ، لا أدر صاحبنا هذا مفتون جد مفتون بذلك البريق الكثير اللمعان ، ذلك البريق الذي يتلألأ دواما أو على التحقيق يبدو انه يتلألأ فى رأى الاكثرين حول هذه الانواع من الشهرة ، هو مفتون جد مفتون بان يكون شهيرا ، شهيرا فى الادب ، أو شهيرا فى العلم ، أو شهيرا فى السياسة أو شهيدا فى أي شئ ، مفتون جدا بالشهرة ومحر وم منها ، مفتون جدا بان يلحق باولئك الزملاء السعداء ، أو الذين يظن في قرارة نفسه انهم سعداء !
ولكنه حيل بينه وبين ما يتمناه لشد ما حاول أن يعمل لكى يكون كأصحابه أولئك ، لشد ما حاول أن يعمل
لكى يغدو رجلا ناجحا فى الحياة كما كان يقول - لشد ما حاول أن يعمل لكى يغدو من أولئك الاشخاص البارزين ، ولكى يفوز بقلادة الشهرة ! ! ومن ثم لكى يكون انسانا سعيدا فى عداد السعداء !.. ولكنه ارستقراطى !
وأرستقراطيته هذه كانت يحول على الدوام بينه وبين بتحقيق ما يريد أرستقراطيته هذه كانت توحى اليه في كل وقت بان ليس سوى ( الوظيفة ) طريق اصلح للوصول الى ما يطمح اليه من شهرة ومجد ..
ويحس احساسا شديدا جدا بما هو عليه من سوء الحال وسوء المصير ويزداد احساسه هذا شدة بتوالى الايام ؛ وتنتابه الهموم والآلام ، ويتابه المرض ايضا بل المرض الوبيل الفتاك ، المرض الذى يصاحبه الاهمال وعدم الاكتراث وعدم العمل على استئصاله والقضاء عليه في درجاته الاولى ! واذن فهو فريسة هذا المرض العضال ، واذن فليس به من أن يتحمل هموما اخرى ، وآلاما أخرى ، أشد فتكا به من تلك الهموم الاولى ، وتلك الآلام الاولى !
وكانت نوبات المرض العضال تشتد عليه تارة وتشتد حتى يمكث الاسابيع تلو الاسابيع بل الشهور تلو الشهور وهو حليف الوسادة ، طريح الفراش - ثم تخف عنه طورا اخر وتخف حتى ليوشك أن تزول كل أعراض ذلك المرض الويبل ، ويشعر هو بذلك ، يشعر بانه قد أصبح سليما معافى ، فحدث ماشئت عن السعادة الكبرى التى تملأ فؤاده على أثر هذا الشعور !
فى تلك الليلة ، تلك الليلة التى لا يمكن أن يزول ما ابقته فى النفس من اثر اليم ومن شعور حزين ، فى تلك الليلة جاءنى هذا الفتى المريض الصحيح ! جاءنى يزف الى فى تلك البشرى ، بشرى قبوله موظفا ، وتعيينه في احدى البلدان النائية و اعتزامه السفر على الفور الى مقر عمله ، لكى يباشر القيام بما أسند اليه من مهام
! . ولكى يستأنف منذ الآن حياة اخري ، حياة فيها جد وعمل ، لاحياة كلها كسل وفراغ ؛ ولكى يبدأ منذ الان فى تكوين نفسه ، وفي تحقيق احلامه الذهبية الكثيرة ! احلامه الطويلة العريضة فى الشهرة والسعادة والنجاح !
فى تلك الليلة كان صاحبنا سعيدا جد سعيد ، كان نشيطا بكل معنى النشاط صحيحا بكل معنى الصحة ، متفائلا بكل معنى التفاؤل ، وناظرا الى الحياة - لأول مرة - بمنظار اخر جديد ، خلاف ذلك المنظار الحالك السواد الذى تعود كثيرا ان ينظر به اليها فى تلك الليلة كان صاحبنا سعيدا كل السعادة ، والى جانب ذلك كان ايضا متألما كل الالم ، ولعلك ستعجب من هذا التناقض الغريب لعلك ستعجب كيف يتألم صاحبنا بعد أن بسمت له السعادة ، وبسم له الحظ ، وفتح له باب تحقيق اماله الواسعة واحلامه الكثيرة على مصراعيه !
أما ان صاحبنا سعيد كل السعادة ، فلن نقول عن ذلك شيئا بالطبع ، واما انه متألم فلأنه سيسافر للمرة الاولى من بلده مرتع صباه ، سيغادر للمرة الاولى دار أسرته التى نشأ فيها وترعرع بين جنباتها ، وعاش فيها طفلا وصبيا ثم شابا ، ثم ماذا ؟ . . انه سيترك للمرة الاولى امه واباه ، وهما أقدس من يحمل لهم فى قلبه الحساس عواطف الحب والاحترام والوفاء ؛ وسيترك ايضا اختيه الصغيرتين ، وهما هما من كانتا خير أنيس له فى تلك الدار ، وسيترك للمرة الأولى أيضا اصدقاءه الكثيرين ، أولئك الذين كان يودهم ويودونه ، وكان يخلص اليهم ويخلصون اليه لقد كان صاحبنا متألما جد الالم لكل هذه الاسباب ، ولقد كان كما علمت حساسا حساسا مفرطا فى الاحساس ، وهذا هو دائما سر ألمه ، وهذا هو سر عذابه وهذا هو سر شقائه المستديم
فى تلك الليلة كان صباحنا ؛ ماذا ؟ ! لقد كان يبكى امامي أشد البكاء ، ولقد كان هذا منه امامى لاول مرة ، بل لقد كان هذا منه - كما علمت فيما بعد لأول مرة فى حياته الماضية ، تلك الحياة المفعمة كلها بأشد انواع الالم والشقاء ! ما أروع تلك الليلة النابغية ، وما أروع ذكراها ، لقد كانت ليلة بشرى
وليلة صفاء وليلة وداع ، وكانت ليلة امال طوال عراض ، وفي الوقت نفسه كانت ليلة الم وبؤس وشقاء !
وسافر صاحبنا على بركات الله ، وباشر عمله بمنتهي الرغبة والشوق والامل والنشاط ، وكانت رسائله طيلة السنوات الثلاث التى امضاها هذك مستمرة لاصدقائه العديدين مبشرة لهم على الدوام باستمراره صحيحا معافى ؛ سليما من اعراض دائه الاول ، ذلك الداء الخبيث الذي تاكدوا فى النهاية بان زواله الاخير كان زوالا نهائيا الى حيث لن يعود !
قال محدثي : - وفى ذات يوم ، بينما كنا نتسلى بقراءة احدى الجرائد المحلية ، ولم يكن يخطر فى بال أى أحد منا أى شئ يتعلق بذلك الصديق الحميم النائي لأنا كنا فى أحسن حالات الاطمئنان عليه ، وكانت أخرى رسائله لصديقه ( ف ) وردت منه فى صباح ذلك اليوم !
بينما كنا نتلهي بقراءة اخبار تلك الصحيفة اذ ابنا وقد اعترانا جميعا شئ من الوجوم ، لم نتعرف فى تلك اللحظة الرهيبة مــــــداه . . يالها من لحظة رهيبة رائعة قاسية ، بل يالها من صدمة عنيفه ارتجت لها القلوب لانها تكن على استعداد لمواجهتها ، اجل لقد كانت مفاجأة مؤلمة ، ممعنة فى الايلام ، حينما تلونا فى تلك الصحيفة نعي ذلك الصديق النائى الذى كان قبل يومين اثنين يكتب كعادته احدى رسائله لاحد اصدقائه ولم يكن يعلم أنها ستكون رسالته الاخيرة ،
لقد مات ذلك الصديق النائى بعد ان عاد اليه داؤه الاول ، ولم يرحم له شبابا غضا ولم يرحم له اهلا واصدقاء فجعوا جميعهم بموته العاجل على غير انتظار وختم محدثى كلامه قائلا
لا ازال - يا عزيزى - كلما استعرضت ذلك الماضى الحي لذلك الصديق النادر المثال بين الاصدقاء ، تمر بخاطري في مقدمة ذكريات ذلك الماضى ، بتلك الذكرى الاليمة ؛ تلك الذكري الرائعة . ذكرى ليلة الوداع , مكة : ( س )

