عطاء - هو خادم لدى احدى الاسرة البارزة ، سلب عقله وانتابه ضرب من الجنون اللامتناهى فهو يخلط فى انواع الكلام ويتمازج بين ضروبها بدون ترتيب ، وهو فوق ذلك لا يميز الخبيث من الطيب ولا النافع من الضار ، لانه لا يمتلك الا مسكة بسيطة من العقل يتميز بها بين الاشخاص ويعرف بها الاماكن فقط .
قامت سيدته تلك الليلة تجر أذيالها وتتعثر فى تلك اللجة من الحلك لتتفقد ذلك المجنون المسكين الذي تشفق عليه وتهبه القسط الاوفى من عطفها ورعايتها ، لاسيما وانها قامت مذعورة من ذلك الخاطر الغريب الذى أطار لبها وسلبها راحتها ونومها ، وهو أن بعلها قد قال لها : أبعدى عن " علي " الزجاجة التى فيها ( حامض الفنيك ) فقد أصر على شربها ، وثقى أننا سنتورط في مسئولية عظيمة اذا أغفلنا مراقبته ، ولكن هل تنفع الحيطة بعد انفلات الفرصة وضياع الوقت ...
فلقد وجدت ( ... ) الصبى المجنون هامد الحركة جامد الحس ، ملقى على فراشه الى ناحية القبلة ويداه مجموعتان الى صدره لا ينبض له عرق ، ولا تختلج له عضلة ، وقد غمر حامض الفنيك برائحته الكريهة النتنة كل الاشياء التى حوله ؛ وجدته على هذه الحالة فدب دبيب الارتباك في جسدها ، وسرى الخوف فى
داخلها سريان الكهرباء ، وغدت تدور حول نفسها كالمأخوذة من هول الصدمة لم تهتد الى غاية ، ولم تتوصل الى حل يخلصها من هذه الورطة ، كيف يكون موقفها أمام العائلة اذا أصبح الصباح ؟ وماذا سيكون جوابها إذا سئلت لماذا اهملت الزجاجة ؟ وما هى الطرق السديدة التى تخلص العائلة باسرها تجاه مسئولية الحكومة ؟ هى الجانية ، وهى المتسببة ! فماذا عليها الا أن تذوق وبال أمرها نكالا من جراء اهمالها وتتكدر قبل أوان الكدر وقبل كل أحد !
عادت الى سرير نومها ، يخزها الالم ، فتنقلب على فراشها ، وتتلفت في طبقات الظلمة الحالكة ، يمنة ويسرة ، وأخيرا تنتصب واقفة يغربها حب التأكد من الحادث كما وقع الى فراش الصبى المجنون ، فتترآى لها الاشياء الملفاة بجوار الفراش عضلات قد تناثرت من الجسم الذى مزقه حامض الفنيك ، ويبعدها الخوف من هذه الخيالات المفزعة التى تظهر لها مجسمة هائلة كالمردة والعفاريت . وأخيرا عادت الى سريرها تنتظر طلوع الفجر قدوم موكب الصباح ، لان فى هذه الليلة المشئومة سرا مكتوما سيكشفه الصباح ولكن انى لهذه النفس الخافقة المضطربة أن ترى نور الصباح الا بعد لبل طويل ماله نهاية
وأخيرا وقبل طلوع الفجر أححبت أن تعيد النظر على فراش المجنون فاذا هو يغط فى نومة عميقة يشخر كرغاء البعير ، فدق قلبها فرحا كدقات المعول ، وانكبت عليه تسأله ماذا جرى له فاذا هو يمازج بين الضحك والبكاء والكلام الصحيح والهزل باسلوب كسلوب المجانين المعتاد ، كلام لا يدرك آخره ولا يعرف أوله ، وانما ملخصه انه اغتسل بحامض الفنيك فرارا من الناموس وفعلا وفق الى غايته ، ولقد حمدت السيدة مولاها الفا وأخذت الزجاجة ورمتها من النافذة وأصرت على عدم اقتناء أية قارورة فيها حامض الفنيك بعد ذلك اليوم ، مكة المكرمة
