افتر فوه عن ابتسامة راضية . . أجل ان كل هذا الغني بين يديه . أجل أن هذه الآلاف من الجنيهات الذهبية لرهن ارادته ، انه يستطيع التصرف فيها كما يشاء . . وفى مقدوره أن يبددها اذا شاء . . لكن رويدا ! .
الحق انه لا يستطيع ذلك ، لأنه مقيد بدفاتر تجارته تقيد عليه كل قرش خارجا كان أو داخلا . لأنه لا يملك هذه الاموال الطائلة ، انما هو حارسها لا أكثر ولا أقل تلقاء أجر بسيط لا يكاد يقوم الا بحاجاته وحاجات أمه الكهلة الضريرة .
كلا كلا ان هذا لظلم جارح أن يستطيع التصرف في هذا الثراء I الواسع . وهو الذى نما بين يديه أكثر هذا الغني . . ثم كرت به الذاكرة القهقري الى حوادث أمس ، فتذكر كيف احاط به الدائنون أولا . ثم لما رأوا انه لا طائل وراء الحاقهم عليه تركوه ساخطين ، وبلغ بهم السخط الى حد انهم رفعوا شكواهم إلى مدير الشرطة يطلبون استيفاء ديونهم من سعيد . سعيد الذي يشغل أهم مركز فى أكبر متجر ، فكيف لا تسدد ديونه .
فكان ما كان فى دار الشرطة من مماطلته اياهم الى الغد ، فاذا لم يف بوعده صباح الغد فسيكون مصيره - حتما - الى السجن الى الفضيحة . الى
العار طافت هذه الخواطر المفزعة بمخيلة الغنى فذرفت عيناء الدموع وتنهد نهدات حرى وغاص قلبه من خوف الفضيحة
لأنه لا يستطيع أن يبوح بسره هذا لمخدومه ، لأنه لا يستطيع أن يبرر له أخذه للدين . فهو بين نارين
ثم طرقت باله فكرة طارئة سريعة . . لكنه سرعان ما نبذها ظهريا ، وابى أن يخون مخدمه المحسن اليه . كلا كلا ان هذا مستحيل لن اقدم على عمل كهذا مهما كانت الظروف قاسية حسبى ما اقترفته من الذنوب ولن أضم الى سجلها خطيئة الخيانة والسرقة .
أجل ! انا اعلم ان مخدمي لا يكاد يتفقد صندوقه الا غرارا اعتمادا على أمانتى واستقامتى . وقد جربنى مرارا خلال هذه السنوات التسع فلم يفلح أن يمسكنى بخيانة أو اضطراب فى الحساب . فأطمأن الى جانبى واستراح الى ضميرى وأمانتى فكيف لى أن أخون هذا الرجل الكريم
تمتم الغني بهذه الكلمات متقطعة سريعة . . ثم رجعت به ذا كرته الى ما يهيئ له الغد من الفضائح والاهانات والسجن وسوء السمعة . .
وما إذا فقد مركزه هذا فيصبح مقترا يعاني الفاقة وراء الفاقة ثم هو فوق كل هذا مسؤول عن أمه الضريرة ، والتي ان لم تجد من يقوم بأكلها وشربها وورعايتها فلا تعيش أكثر من أيام
فماذا يا ترى ! يكون حظها من بؤسه ان هو زج به فى غياهب السجون . رباه انه محتار لا يعى ما يقول وما يفعل . . محتار بين الحياة والضمير هكذا حدثته نفسه ، فأخذته غيبوبة مجموعة وامتدت يده . . الى الصندوق الحديدى . بالخيانة لأول مرة فى عمره
كان سعيد قد فقد اباه ، وهو لم يتعد الحادية عشرة ، وكانت امه قد تجاوزت الخامسة والثلاثين من عمرها حينما توفى ابواها قبل ولادة سعيد بأشهر معدودات ولم يبق لها من الأقرباء أحد سوى خال لها يعاني الفقر والضنك
يعيش مقترا لا يكاد يعنى بحاجات ولده الكثيرين ، ولم يكن اتصالها به وثيقا بعد ان بارحت وطنه فى صحبة زوجها فلما قضى زوجها الفت نفسها فى غربة ووحشة قد احاطت اشباح الفقر والفاقة ، فاسقط في يدها واحتارت من أمرها ولم تدر ما تفعل وما تترك . ولكن كان بجانها فى وسط كل هذه الزعازع المخيفة قبس من الأمل تطمئن اليه ساعة من النهار أو ساعات من الليل . ذلك ابنها الوحيد الذي اضطر أخيرا ان يهجر المدرسة هجرا غير جميل ليساعد أمه فى معيشتها ما استطاع الى ذلك سبيلا .
- نظرت هذه الأم البائسة المنكودة حولها ورأت من الآثاث الرث في الدار ما لا يقوم بنفقة البيت اسابيع ان هي ارادت بيعه وكان بجانب بيتها دار العم عبد الغني البزاز الشهبر صاحب محلات تجارية عدة فى بيع الأقمشة وكان مشهورا بإغاثة البائسين التعسين وبأياديه البيضاء على فقراء المدينة ومؤسساتها الخيرية قرأت هذه البائسة أن تلتجئ إلى العم عبد الغني وترجوه أن يجد محلا لائقا لابنها اليتيم فى احدى متاجره .
كانت ليلة ليلاء على سعيد تنهبه الوساوس والشكوك ، فيتمثل العم عبد الغني هاجما يريد أن يسحقه بعصاه المتينة . . ثم يرى العم عبد الغني وقد أخذ بخناقه يريد أن يسحبه الى دار الشرطة وهو يبكى وينشج نشيجا يفتت الاكباد
ثم يتلاشى المنظر السابق فيخيل اليه انه انه واقف فوق جبل شاهق في سفحة هاوية هائلة لا تقر العين عليها من هيبة منظرها ، فيفاجئه العم عبد الغنى يريد القاءه من ذلك الشاهق . فكان فى تلك الحالة من الآلام النفسانية لا يطرق النوم جفنه مهما حاول ذلك . وقد أخذته حمى حامية من جراء الخوف والفزع فلم يستطع الذهاب فى الصباح الباكر الى المتجر وهو يهذى هذيانا مستمرا غير مفهوم وكان المطر يتهاطل بغزارة وبغتة طرق باب بيته طرقا متواصلا شديدا ، فصحا سعيد من غمرة حماه
فزعا مذعورا وطرق سمعه صوت الطارق ، فاذا به صوت العم عبد الغني يصيح " افتحوا الباب .
فغاص قلبه من الخوف وانعقد لسانه فسكت عن الهذيان واراد القيام فترنح وسقط على سريره مرة أخرى . لا بد وان العم عبد الغني قد اطلع على كل شىء وجاء يعاقبه . ويلومه . . سيلقي ويواجه ما كان يكره ان يلقاه ليت أمه لم تلده لكن مهلا : لا يمكن أن يكون العم عبد الغني علم بفعلته ولم يمر عليها سوى عشرين ساعة قتماسك قليلا وقام الى الباب يعالج فتحه ، لكنه ما كاد ينفتح الباب على مصراعه حتى شاهد رجلين احدهما كان العم عبد الغني والآخر كان شرطيا
صاح سعيد صيحة مفزعة وولى ادباره يجرى الى داخل البيت ، فدخل في أثره العم عبد الغني بصحبة الشرطي ، ثم اهتدى الاثنان الى سريره فالفياه غارقا فى الحمى ينقلب على السرير مضطربا كالسمكة على اليابسة ، ويئن انينا خافتا فصاح العم عبد الغني قائلا : - " أجل ستلقى جزاءك حتما أيها الابله وما كاد العم عبد الغني ينطق بهذا حتى تماسك سعيد بنفسه . مستوى على السرير مقاطعا اياه باكيا : عمى أتوب . أجل أتوب لا اعود اليها مرة ثانية كنت مضطرا " فتابع العم عبد الغني كلامه غير ملتفت الى بكائه قائلا : " أجل ! أنت تستحق هذا . ألم اقل لك اكثر من مرة . أن لا ترهق نفسك بالعمل حتى تمرض والآن أرجو لك الصحة والشفاء وهذا جارك الشيخ عبد المعين جاء يعودك أيضا " وما أن اتم العم عبد الغني هذا الكلام حتى تولى هو ورفيقه راجعين
بهت سعيد ووقف عقله عن التفكير بغتة وشل كل عضو فى جسده لكن لم تطل غيبوبته هذه الا لحظات قلائل صاح في اثرها صيحة الظفر : " رباه ! ! لازلت احتفظ بشرفي . . إذن أنا لم افقد شرفى رباه ! أنت كريم ما كنت اخال ان العم عبد الغني لم يطلع على خطيئتى . إذن ففي يدي ان أعود
الى حياة الشرف والضمير . أجل سأعود سأعود . رغم أنفي وانف الدائنين . فليفعلوا بي ما يشاؤون ولاكن ضحية ضميرى الحر رباه ! ! انك لكريم " كانت هذه الضجة قد ايقظت الأم الضريرة فسعت على سريره متلمسة طريقها بعصاها ، وكانت قد حسبت ان ابنها يهذى تحت ضغط الحمى الشديدة ، فتحسست يدها جسمه واستقرت على جبينه المنضوح بالعرق الغزير من جزاء الحركات أثناء صياحه فطبعت الضريرة فبلة حنان على جبين وقالت بصوت خافت :
" ان هذا العرق الغزير يبشر بزوال الحمى قريبا . فاطمئن - يا بني - ولا تقلق فأجابها سعيد مقاطعا : " أجل أماه . . مرضى قد زال ولله الحمد . " ثم تماسك فقام متعثرا كمن فقد وعيه يقصد المتجر . الى حيث يسترد شرفه فيرضى ربه ثم ضميره . الى حيث تننظره الطمأنينة والرضى عن الحياة . الى حيث يجد سعادتة وهناءه المفقودتين . انه ليحس بهذا المبلغ فى جيبه كقطعة حجر لاصقة ببدنه مباشرة فيريد نزعها والتخلص منها . لأنه يريد أن يتخلص من هذا الكابوس الذي يهدده كل وقت وان . فلتمت امه جوعا . فليس من شأنه أن يشترى حياتها ضياع شرفه . . وان رزقها على الله. اما شرفه فهو المسؤول عنه أمام الله . وتأنيب الضمير يفوق لديه عذاب السجون ولو انه يعلم علم اليقين أنه ان رد هذا المبلغ لموضعه . فلن يتركه الدائنون يتمتع بالحياة والسمعة الحسنة وان شرفه سيلطخ . حتما بالأوحال عاجلا ام آجلا . لكنه يستاهل ذلك لأنه أخطأ وسيلقى جزاءه راضيا مطمئنا رابط الجاش أجل يا سعيد الى السجن . الى حيث ارادك الدائنون . لكنك لن تخون محسنك . ولن تخون ضميرك قال هذا وهو يغلق الصندوق الحديدي بيد مرتعشة كما فتحه من قبل بيد مرتعشة وكان ينفض كريمته فى مهب الريح من جراء الحمى الشديدة الوطاة . " رباه ! أحمدك فقد عاد سعيد الى السعادة . الى الشرف . " هكذا تكلم سعيد ثم ترنح وكانت هذه آخر كلمة فاه بها
