اجتمعت (زمرة الاصدقاء) كعادتهم في مركزهم المخصوص "بالمقهي البلدى" يتجاذبون انواع الأحاديث واشهاها، ويتبادلون اظرف النكات والطفها، ورغم مرحهم وسرورهم كانت تعلو وجوه الجميع مسحة من الكآبة والأسى، فكان سرورهم وابتهاجهم يبدوان متكلفين، وفجأة تغلبت عليهم الكآبة وشملهم الصمت وغاص جميعهم فى بحور التفكير والاحلام ...
ثم تنهد احدهم وهو الذي يدعونه "خالدا" كبير الجماعة سنا وارجحهم عقلا وكلهم يحترمونه ويقدرونه ، فارسل زفرة حارة من اعماق قلبه وقال :
حقا يا إخوانى ان انقطاع فاتح عنا اصبح امراً لا يطاق!.. واصبح مجلسنا والله اشبه بمأتم منه بمجلس سمر وسرور ! . وما كاد خالد يتلفظ بهذه الكلمات حتى صاح الجميع :
اي والله يا خالد!. غياب فاتح عنا بسبب مرضه أحزننا حقا واثر علينا اي تأثير ... ثم فتل خالد شاربه الكثيف وهتف قائلا :
آه ما الطفك من رجل يا فاتح!. وما اوفاك من صديق ، وما اخلصك من خل امين، وما اظرفك من جليس !. فانت العاطفة بعينها اذا تأثرت !
والظرف كله اذا فكهت ! والحكمة متجسمة إذا جددت!. فتفيض تارة بالمرح فنترك المجلس كله ابتساما وسرورا ، وتتدفق اخرى بالجد فتترك المجلس كله جدا وحزما ... تملكت زمام البلاغة والنباهة، وسيطرت على الادب والحكمة فملكت بذلك قلوبنا وعقولنا .. واستوليت على مكارم الأخلاق والفضائل الجمة فاصبحت رمزا للفضيلة الحقة وكنت مثالا كاملا للمودة والاخلاص والمحبة والوفاء فملكت بذلك ارواحنا وأفئدتنا .. حتى اصبحنا لانطيق الحياة بدونك، ولا نعرف السعادة الا في مجلسك، فعسي المصائب ان لا تفجعنا فيك ! وعسى ان لا تبدل ايام سرورنا حزنا وكآبة وان لا تذيقنا مرير فراقك!
تأثرت الجماعة كلها وحلقت فوقهم سحابة كثيفة من الحزن والألم، وارتجفت قلوبهم لمجرد تصور فراق فاتح فأخذت الزفرات تترى بدل تلك الابتسامات القديمة، وكان اشد الجماعة تأثرا "على" المسكين وهو شاب فى العقد الثالث من العمر كله لطف وكياسة أخذ يرتاد مجلسهم منذ سنة مع اخيه الكبير فكان أخاهم الصغير يعطفون عليه للطفه وادبه مع صغر سنه، وكان اشد الجماعة اتصالا بفاتح، فما تكاد تجتمع الجماعة الا وجدته بجانبه يستمع لاحاديثه الشهية بأمعان واهتمام، وفاتح لا يفتر من تسليته بقصصه الطريقة وتزويده بنصائحه الثمينة.
ومنذ ألم بفاتح هذا المرض الذي الزمه الفراش وعلى فى حزن عميق وتفكير متواصل وقد فارقته ابتساماته العذبة وفكاهته النادرة ، تفكيره فى صديقه الكبير ومربية المخلص حرم عليه السرور ومنعه الابتسام ! مسح هذا الفتى دمعة طاهرة نقية لم يستطع حبسها وهتف بصوت ينم على شدة تأسفه وكثرة حزنه :
- أما نستطيع ان نفعل شيئا لأجله ؟ . فاجابه اخوه على الفور ولم يكن باقل منه حزنا وألما :
- واي شيء نستطيعه يا أخي !. سوى التضرع الى الله بان يشفيه ويرجعه الينا !. فاجابه الآخر : - ولكننا نستطيع ان نستدعي طبيبا على الأقل لعيادته!.. لأنه على
ما بلغني لم يسمح لوالدته العجوز ان تحضر له أي طبيب.!. - أحقا ما تقول ؟ !. صاح كبيرهم بتعجب .. - هكذا بلغني ..
مادام الأمر كذلك يجب علينا أن نحضر له طبيبا ولا نأخذ رأيه فى ذلك فأنه أشد الناس تحاملا على الطب والاطباء ، وهذه هفوته الوحيدة.. ونهض جميعهم قاصدين عيادة احد الاطباء والناس ترمقهم بنظرات مختلفة متعجبين من اهتمامهم وتحيرهم..
"زمرة الاصدقاء" كما يسمون أنفسهم هم عبارة عن نفر من الشبان من أوساط الشعب، وحدت بينهم فضائلهم لان الفضائل هي التى توحد ما بين القلوب توحيدا لا يقبل الانفصام ... وجمعهم اتحاد مشاربهم ونبل مقاصدهم، وآخي بينهم صفاء قلوبهم ورقة عواطفهم، فأصبحوا مثالا كاملا للاخوة الصادقة والصداقة المخلصة ورمزا حيا للمحبة والوفاء، فتجمعهم كل يوم بعد انتهاء اعمالهم مجالس الانس والسرور ولا يكاد يغيب واحد منهم حتى يفتقدوه، وكان فاتح الذي لا يفارقهم ابدا ولا يعرفونه يوما تخلف عن مجلسهم رجلا غريب الديار يعرفون أنه نزح الى هذه البلاد منذ سنين طوال هو ووالدته العجوز ، وكل ما يعلمون عنه انه أعزب جاء من بلاد بعيدة ، ولم يخطر على بال احد يوما، أن يسأله عن تاريخ حياته، فقد ملك الرجل عليهم مشاعرهم بلطفه وأدبه وسحرهم بعطفه وكرمه ، وأي شيء يريدون منه غير ذلك ؟! ويعلمون انه عامل مثلهم يشتغل بالكتابة عند بعض التجار بمرتب زهيد رغم سعة معلوماته وكرم اخلاقه، ويحسبون كلهم بتألمه من حقارة مركزه وضآلة مرتبه الذي يوزع جله على الفقراء والمساكين، ولم يعرفوه يوما رد سائلا واشتكى لهم الفاقة والاحتياج فالابتسامة لا تكاد تفارق شفتيه فهو دائما فى
مرح وسرور، يمازح هذا ويحادث هذا، يسأل ذا ويجاوب ذا، وهكذا كان نزهة مجلسهم وأنس حياتهم يلتفون يوميا حوله فيتصدر مجلسهم ويغدو يحادثهم ويباسطهم وكان الناس ينظرون اليهم نظرات مختلفة فمنهم المتعجب من هذا الائتلاف ومنهم المغتبط لهذه الاخوة ومنهم الحاسد على هذا الصفاء وكم حاولت جيوش الحسد بغاراتها الشعواء ان تفكك عرى صداقتهم. وكم حاولت السنة السوء ان تشتت جمعهم ولكن بدون جدوى حيث خابت مساعيهم وفشلت محاولاتهم وهيهات ان تنتصر الرذيلة على الفضيلة ... ولم يزدهم كلام الناس الا اتصالا، ولم تزدهم محاولات الحساد إلا توطيدا لدعائم صداقتهم .
فاتح شاب فى العقد الثالث من العمر تثقف ثقافة عالية فأخذ من كل فن حظا واقرا، سليم الطبع حلو الفكاهة كريم النفس، ذو همة عالية واخلاق نبيلة تعلو شفتيه ابتسامة عذبة لا تكاد تفارقه الا إذا خلا الى نفسه وتعمق فى بحور احلامه حلقت فوقه سحابة من الكآبة والحزن، وكثيرا ما تجده في اشد حالاته سرورا ينتقل بغتة الى حالة حزن وضنى، ويغيب بفكره عن جماعته، فينتبهون لذلك ويصيح جميعهم مازحين :
كم باخرة غرقت لك في ظرف هذا الاسبوع يا فاتح ؟! علها كانت تحمل بضاعة كثيرة ؟!.. فينتبه حينذاك من غفوته ويرد على النكتة بأحسن منها وتسمع سعلته الخفيفة المعتادة التى يسميها جماعته "صفارة الانذار" يرسلها كلما اراد الخوض فى امرهم، فينتقل المجلس بغتة من المزاح الى الجد ويفتح الجميع قلوبهم وآذانهم كأنهم تلامذة سذج فى قاعة الدراسة فيبتدرهم حينذاك
- فأنى لا اكاد افكر في نفسي يا اخواني واهتم ياموري الخاصة بقدر ما افكر فى مصائب الغير واحوالهم التعسة فكل شيء في هذه الدنيا ينسينى احزانى وآلامى... والذي يحزننى حقا هى هذه الفضيلة المسكينة التى حكم عليها بالإعدام!.. فأصبحت قشورا بدون لب ، ومظهرا لا حقيقة!.. أصبحت
زيا يتزيي به الناس أمام بعضهم البعض، اصبحت رداءا ظاهريا يلبسه الانسان حينما يبدو فى الشارع ويتستر به امام الناس وينزعه إذا ما خلا له الجو .... أصبحت لقبا يباع ويشترى بثمن زهيد، اصبحت اثاثا ماديا يرثه الابن عن أبيه والأخ عن أخيه من جملة المخلفات! ..
اصبح التظاهر بها من جملة التقاليد لا من جملة الأخلاق ... فلم تكن الفضيلة شعارا ساميا يرتديه كل من حفظه الله من الرذائل وحباه الله هذا الشعار !! .. فمسخت الفضيلة غير الفضيلة، وانتزع روحها ولم يبق جثمانها سوى جثة هامدة لا روح لها ولا احساس ... ثم أرسل فاتح زفرة حارة وصاح :
- رحماك اللهم بالفضيلة فأنها حياة المجتمع وروح الانسانية وزينة الحياة الدنيا وذخر الحياة الأخرى فابعثها اللهم من جديد وقوها بروح من عندك انك سميع مجيب!..
يتبع

