الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

منهل القصص, من القصص الممتع, قصة فى قصة

Share

كنا ثلاثة نفر لا نكاد فى أوقات الفراغ نفترق عن بعضنا وقد اتخذنا لنا فى أيام الصيف نديا فى سفح جبل خارج عن العمران حيث الخلاء المنبسط والهواء الطلق والهدوء الشامل . فكنا نأوى اليه فى امسية كل يوم فنمكث فيه الى هزيع من الليل نخوض فى شتى الاحاديث مستمتعين برؤية القمر إذا طلع والنجم إذا سطع . نرسل الطرف الى ابعد حدوده فيهيم بجمال الكائنات ولا يرتد الينا الا بعد أن يشيع فى نفوسنا البهجة - ويضفي علينا حلة فضفاضة من السرور تطوي في ثناياها ما تحمله قلوبنا من مكاره الحياة وأوضارها.

وفي بعض الاحايين كان يغرينا منظر الجبال وهي تلتمع باشعه القمر البيضاء الناصعة على الصعود الى قممها التى كات تبدو لاعيننا كأنها اكوام من نور متجمعه فنصعد اليها ومن ثم نشرف على تلك الروعة وذلك الجلال الباديين فى منظر الجبال المنسابة فى الخلاء انسياب الموج فى اللجة ، وربما راقنا الجلوس على القمة فنمكث عندها حتى تأخذ النفس حظها من السمر . ثم نؤوب الى دورنا . وهكذا .

وفي امسية من تلك الامسيات اللذيذة كان حديثنا يدور حول جحود الانسان ومكره فقال احدنا لقد جرنى الحديث والحديث ذو شجون - كما

يقولون - الى تذكر قصة حصلت منذ سنين . واني ذاكرها لكم بالمناسبة . ثم قال

كان لى صديق عزيز وكان يخلص فى عمله فكان جزاء اخلاصه أن فتح الله عليه وسهل الرزق حتى اثري وابتني له دارا انيقة وتزوج بفتاة تليق به . ومسرعان ما رزقه الله بطفلة تقطر الحلاوة من بسمتها ويشع الانس من طلعتها فملأت بيته مسرة ونفسه بهجة وغبطة فاعتني بتربيتها . وما لبثت أن شبت كأحسن ما تكون الفتيات ادبا وحياء . وحسنا ودواما . وماهتم أبوها ان تخير لها شابا رضيه لمصاهرته وعجل بزفافها اليه تأمينا لمستقبلها وحبا فى الطمأنينة عليها - كما كان يقول-.

ولم تكد تبدو علائم الرضا والغبطة فى وجه ذلك الأب المشفق حتى طلق الزوج المختار وحيدة ابوبها تحت سلطان حدة اعترته وسورة غضب تملكته . وذلك هو الرجل يلفظ الطلاق في يسر وسهولة ويفيء الى متكئه فيستلقي عليه آمنا مطمئنا مغضيا مما سيؤول إليه امر المرأة بعد طلاقها . از فم الرجل إذا تحرك بكلمة الطلاق لا يكون فى نظر المرأة - فم رجل ولكنه يستحيل الى شيء آخر ربما كان فوهة مدفع . وما فوهة المدفع يندلع منها اللهب باهول في قلب المرأة من فم الرجل تندلع منه لفظة الطلاق - كلتاهما - فى نظرها فوهتان ما صوبتا إلى شئ الا هدمته الا ان اخراهما شر من الاولى فتلك لهدم الحصون والقلاع وهذه لهدم القلوب والافئدة.

وقع الطلاق على هذه الفتاة كما تقع الصاعقة على الغصن الاملد وكان وقعه فى نفس ابويها شديدا مؤثرا . فمنيت الفتاة بامراض هدت كيانها والزمتها الفراش وهجم الموت على امها وهي قائمة بتمريضها . ولم يحتمل الأب الصدمة فتصدع قلبه ولحق بزوجته على الاثر تاركا ابنته ليد الزمان وتصريف القدر.

وابت مشيئة الله . الا ان تنفخ من روح الحياة في البنت بعد موت أبويها فعاودتها الصحة وزهاها الشباب برونقه . فعادت احسن ما كانت ولم تلبث ان بدت غادة فتانة .

كان لهذه الاسرة - أو لنقل لهذه البنت - اقرباء كانوا يمنون انفسهم بالثروة التى ستئول اليهم . بعد وفاتها . ولكن شبح الموت الذي كان يظلل الفتاة ويرفرف عليها فاجأهم بانقشاعه عنها لذلك ريعوا . إذ رأوا الحياة تأبي الا أن تعاكسهم بمعاودتها : لهذه الفتاة . وفي ذلك تحطيم لآمال عراض كانت تملأ ادمغتهم .

والانسان إذا امتد به الأمل الى شيء وادناه منه يعز عليه ان يفجأ بالخيبة ويبوء بالفشل . فيعمد الى استفراغ كل ما لديه من قوى يراها تدنيه مما يرجو ويؤمل . ولقد عز على اصحابنا ان يخيبوا فيما املوا بهذه الصورة التى لم تكن تخطر لهم على بال فعمدوا الى الحيلة يكتسبون بها الثروة مع وجود الفتاة . فراحو يتظاهرون لقريبتهم بالود ويظهرون لها من الحنان . ما يستميلها اليهم . وكان من عطفهم المصطنع عليها وعنايتهم المزعومة بها ان قالوا لها انهم لا يقدرون على تركها منفردة فى دارها لأنهم يخشون عليها من فضول القول وتشويه السمعة .

وخير لهم ولها ان تنتقل عن دار ابيها الى دارهم للسكنى معهم ومازالوا يضربون لها علي هذه النغمة -والمرأة حريصة على سمعتها- حتى كان لهم ما ارادوا . وانتقلت بقضها وقضيضها طارفها وتليدها الى دار الاقرباء المشفقين لتقيم فى الحرز المسكين ولكنها قاست الامرين من اقربائها فالنساء لا يفترن عن ازعاجها بالمشاحنات النسوية الممقوتة . والرجال لا يهمهم الا العمل على تصفية ما بيدها من مال .

فكانت في الاولى من الصابرات المحتملات . وفي الثانية من المجيبات الملبيات وكانوا فى غضون كل ذلك يردون كل من يتقدم اليهم طالبا يدها شحا بعزيزتهم وتغاليا بفريدتهم اذ هم لا يحتملون بعادها ولا يطيقون فراقها - كما كانوا

يقولون - وأخيرا زوجوها -على مضض منهم - كما كانوا يزعمون - لأنهم يخشون الله فى احتجازها ويربأون بانفسهم من مغبة التمتع فى زواجها وما بهم ذلك ولكنهم عرفوا انه لم يبق بيديها ما يطمعهم فيها ويرغبهم فى التشبت ببقائها ، اذ قد تم لهم استصفاء المال الذي كان يشوقهم الى اجتلاء محياها كلما ذوقرن الشمس ولم يبق لها غير الدار ولاستحواذهم على الدار فرصة اخرى.

ما كاد يستقربها المقام في منزل زوجها الجديد حتى اطلعت على بؤسه وفاقته فرق له قلبها . وللمرأة شعور غريب نحو زوجها إذا سكنت اليه يجعلها تضفي عليه من الحنان ما ينسيه الشقاء ولا تجد السآمة سبيلا إلى قلب المرأة بالسرعة التى تجدها الى قلب الرجل . ولذلك تكون المرأة اوفى من الرجل في كثير من الاحيان.

اذنت هذه المسكينة رجلها ببيع الدار التى تملكها وما هو الا ان طالع الناس بمتحر واسع ولقد احسن القيام في تنمية المال حتى اصبح بين عشية وضحاها من كبار المثرين ومن الأغنياء المعدودين . واطمأنت المرأة الى ماصار اليه حال رجلها . ومنت نفسها بتمضية حياة هانئه فى كنف من حنت عليه وكانت سببا فى انقاذه من لوعة . الفقر التى كان يتردى فيها . وراحت تباهي لداتها بانها اصبحت ربة منزل وزوجة رجل ولا يبعد ان تكون أم ولد وتلك غاية امانى النساء ومنتهى ما يطمحن اليه . ولم يدر بخلدها ان الخيبة تكمن لها بين شفتي من وضعت ثقتها فيه . وان عليها ان تحترس من ان تفلت من مكمنها .

وبينما كانت الاحلام العذاب تداعب مخيلتها والخوالج الطيبة تهجس بخاطرها نمي اليها بان زوجها قد تزوج بغيرها من ( خيرها ) فتملكتها الدهشة والحيرة واشتعلت في جسمها عوامل الحقد والغيرة فنازعته - كما هى سجية النساء- ولكنه لم يحتملها ولم يتمهل عليها ولفظ الكلمة الفاصلة فى شموخ واستكبار. دون ان يستعيد فى ذاكرته كيف كان وكيف صار ؟ ولم يسعها الى ان تدرج إلى بيت ذويها . فلم يتلقوها الا كما يتلقي غلاظ الاكباد

ارملة جاءت تستدر العون والرحمة منهم فحز فى صميمها ما منيت به من نكران وجحود وراحت تندب تعاستها وبؤسها فيما بينها وبين نفسها . وما كاد صديقنا يتم جملته الاخيرة حتى بدا وجه السماء متجهما بكتل السحاب المتراكم حتى لكأنه يريد ان ينقض على الارض وتستر القمر بغمامة سوداء اشبه ما تكون بالدخان الأسود حتى خلناه مغاضبا لأهل الارض وخلنا الجبال لم تترك فرجة للبشر الا لتطبق عليهم وبدت قممها العالية ترمقنا باستخفاف كما يرمق جبابرة الحياة جماعات المستخدمين وبدا الفج - فج الحسينية - الذي كان يقابلنا وهو ينفرج عن التلال القائمة على جانبيه كالفم الفاغر فكية لالتهامنا . وبدت رؤوس النخيلات القائمة هناك كرؤوس العمالقة تهتز من الغضب انذارا بحلول العاصفة التى بدت طلائعها تملأ الافق وتسد الفجاج كأنها جيش مغير . وكأن الارض كانت تحقد على الانسان فتنفست عن حرارة بالرغم من غيبة الشمس وخلت الليل فى تلك الساعة كالغول الاسود العابس بريد ان يتخطفنا بظلامه وسرى الوهم الى قلوب زملائي فقمنا نسرع الخطى نحو بيوتنا . وفيما نحن نسير قال زميلنا متمما حكايته ثم انتبذت بنفسها الى اقصى مكان وأوت الى رباط من اربطة النسوان ،

مكة-

اشترك في نشرتنا البريدية