إن الذين قرأوا لمنور صماح فى الستينات كتيب ((الشهداء)) (1) الذى أهداه الى ((أرواح الذين استشهدوا فى سبيل تونس وقدموا نفوسهم قربانا للحرية ))(2)، وقرأوا مع ذلك الكتيبات المتتالية التى اصدرها وهى " الفردوس المغتصب )) (3) وديوانه ((فجر الحياة))(4) الذي صدر قرار عن السفارة العامة فى شأنه يقضى بحجزه وقد انتشر رغم ذلك ، وكتابه ((حرب على الجوع))(5) لا ينسون صوت منور الشاعر الملتهب وطنية وحماسا ، والمتأجج غيرة على الاصلاح الاجتماعى والتحرير السياسى ، ويتذكرون جيدا مساهمة منور فى الميدان الشعرى لعلو كلمة الحق وللتغنى بالامجاد الوطنية والقيم السامية .
والمتأمل فى مراحل حياته ومختلف الاطوار التى مر بها شعره يرى العسر الذي عاناه ، فقد عرف الجوع والفقر ودعا بكل حماس الى الثورة وساهم فى النضال وفى الوطنى بشعره وعمله ، فهذا الشاعر الذى ولد بمدينة نفطة ، وفى واحة من واحات الجريد الجذابة ، ذات يوم بالضبط فى 17 ديسمبر 1932(6)
قد عرف اليتم صغيرا وعمره لم يتجاوز التسع سنوات توفى ابوه سنة 1941 ، فذهب يعيش فى كفالة خاله ينتقل من قرية الى أخرى ، نراه بقرية سيدى عمر من حجلة من ولاية القيروان يزاول صناعة الخبز والفطائر والحلويات ، حتى يمهر فيها ، قضى هنالك سنتين ((يأكل الناس من صنع يديه )) كما عبر عن ذلك في فصل قدم به كتاب صراع ( 7 ) ، ثم اذا به ينتقل مع خاله الى قرية سيدى على بن نصر الله من نفس الولاية يقيمان فيها يخبزان الخبز ثم سريعا ما تحولا إلى بلدة حاجب العيون قرب القيروان يعملان فيها اعمالا مختلفة, واخيرا وجد نفسه يعمل فى الميدان الصحفى بجريدة(( تونس ))التى انشأها المرحوم زين العابدين السنوسى ، ومنها عمل محررا بعدد من الجرائد ((كالاخبار )) و (( الزيتونة )) و(( البلاغ )) ثم فى صفحة العمل الثقافى وانتقل بعد ذلك الى الصحافة المنطوقة بالاذاعة التونسية.
وأهم ما تميزت به هذه الفترة من حياته هو الفقر ، والدأب اليومي للتحصيل على القوت ، والتنقل من قرية الى أخرى ، فاحتك هكذا بفئات من الشعب داخل الوطن ، ولعله من الهام ان نذكر ان المجاهد الاكبر كان هو الحافز الاكبر له فى المضى فى قرض الشعر اذ ارتجل أمامه قصيدة فقبله الرئيس وشجعه وأشار عليه بالالتحاق بجامع الزيتونة (8).
ومن الشخصيات الاخرى التى اثرت فى حياته نذكر شخصية والده وهو عالم فقيه متخرج من الازهر وكان درس بجامع القرويين بفاس وبالجزائر ونفطة .
ونذكر كذلك الصحفى زين العابدين السنوسى الذى شجعه على مباشرة العمل الصحفى وكان ينشر له بجريدة (( تونس ))بعض القصائد واستخدمه فيها وكان يهذب له مقالاته ويرشده ويوجهه فى مطالعاته (9)
وقد عرفنا منور صمادح بنفسه فى ((صراع )) ورسم لنا مراحل حياته المختلفة في فصل ابرز فيه عصاميته وصراعه مع الحياة . وضمن كتابه هذا قصائد تليت فى مناسبات قومية عديدة.
وفي(( حرب على الجوع )) (10) شنها منور حربا شعواء على من عذبوا الانسانية بتونس وحرموها حتى من حق الخبز ومن الحياة الكريمة وذلك فى العهد الاستعمارى قبيل الاستقلال ، اذ وصل عسف المستعمر الى اقصاه ووجد الشعب التونسى نفسه فى أسفل دركات المهانة والخصاصة والمذلة, قد اهدى الشاعر كتابه هذا ((الى ضحايا الظلم والجهل والاقطاع والانسانية المعذبة والذين فقدوا الخبز فماتت كرامتهم واصبحوا اشباحا بلا أرواح, والذين يجوبون الطرقات جياعا حفاة عراة والمحرومين فى الحياة ..))(11)
ونجد (( منور )) فى هذ الكتيب يشهر بالجوع ، ويندد بالحيف الاجتماعى و يصور بؤس الشعب ويرسم لنا لوحات تمثل نماذج من الفقراء والتعساء البائسين بلفت النظر اليهم ويصف الطفولة المشردة والشباب المحطم ومآسي الاخلاق فى المجتمع التونسى قبيل الاستقلال ، ويمكن ان يعد هذا الكتيب وثيقة هامة لدراسة احوال الشعب التونسى ووضعه الاجتماعى والاقتصادى قبل الاستقلال ولادراك ما بلغت اليه الآن البيئة التونسية من تغيير جذرى ، وتحول واسع النطاق .
اما بعد الاستقلال فقد اصبح منور يمجد النصر وبطله فى كثير من القصائد بل وخصص بعض دواوينه لذلك مثل قصائد(( مولد التحرير )) (12)وهي من وحى أحداث سنتى 1957-1958 ; وصار يهتم بقضايا التحرير فى العالم كقضايا الجزائر وفلسطين والفيتنام واريتيريا والقضية الزنجية ..(13)
ونجد فى آخر ديوان(( نسر ونصر )) قصائد قالها الشاعر اثناء أزمته النفسية المديدة بمستشفى الرازى ، بعث بها منذ عشر سنوات من هناك وهي تصور معاناته وشدة ضيقه ولا تزال تصور حالته الراهنة .

