الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

من آثار ابن ابى الضياف المخطوطة

Share

لم تعد مكانة أحمد بن أبى الضياف المؤرخ التونسى المتوفى سنة 1874 فى حاجة الى تدعيم أو تدليل ، فقد تناوله الدارسون بالبحث فى مواضع عدة متنوعة من حيث الترجمة ، او الشخصية ، او الآراء والمكانة (1) .

واننا هنا لا نرى حاجة فى العودة الى ترجمته فليس عندنا عناصر جديدة اضافية ، لكننا نشير الى وجود كثير من الكتابات النثرية والاشعار له ضمن المخطوطات (2) وفيما يلى جدول بما عثرنا عليه منها :

1 - النثر :

أ - الكتابات الرسمية :

- نص أمر بتقليد محمد المرابط النيشان بتاريخ 7 ذى القعدة 1837/1253 ( كنش يبدو أنه لصهر بن أبى الضياف رقم 16589 دار الكتب الوطنية الورقة 181 ) .

- نص أمر بتقليد محمد الأصرم النيشان بتاريخ 6 محرم 1840/1256 . ( نفس المصدر - الورقة 179 ) .

- تنبيهات لعسس السراية الملكية عند سفر أحمد باى الى فرنسا ( 1262 / 1846) أولها : (( هذا دستور يرجع اليه ، وقانون يعمل عليه، يطاع أمره ولا يذاع سره .. الخ )) نفس المصدر - الورقة 176 ) .

- ظهير لأخيه محمد باشا باى بتاريخ 1846/1262 . أوله : (( هذا ظهير عظيم ، وكتاب كريم ، حررناه شارحا للصدور .. الخ ( نفس المصدر . الورقة 176 ب ) .

- ظهير فى تكليف محمود محسن بالامامة بتاريخ رمضان 1850/1266 . ( نفس المصدر الورقة 183 )

- نص أمر بتحبيس أراض فى عهد أحمد باى بتاريخ 1850/1267 . ( كنش للطواحنى رقم 18833 - مكتبة عبد الوهاب - الورقة 63 - وما بعدها )

ب - الكتابات الشخصية :

- تهنئة الشيخ ابن الحسين بولايته الفتيا ( أشهر ملوك الشعر المذكور أعلاه . الورقة 65 ) .

- مراسلات بين محمد بن الخوجة وبين ابن أبى الضياف خلال رحلته الى باريس ( مجمع الدواوين للسنوسى رقم 16628 دار الكتب الوطنية ، الورقة 130 وما بعدها )

- كتاب موجه إلى حمده المناعى فى نازلة حال ( كنش صهره المذكور أعلاه الورقة 222 )

2 - الشعر :

( انظر تفاصيل الجدول بالصفحة الموالية ) .

كما ان له بعض الاشعار الشعبية والاغانى المحفوظة والمروية شفاهيا (4) .

وقد عثرنا على مقامة له بعنوان ( المقامة الجلية فى الأنوار البشرية ) لم تشر اليها عن قريب او بعيد جميع المصادر والمراجع التى تناولت بالبحث ترجمة بن ابى الضياف او آثاره ، فهل يمكننا اثبات نسبتها اليه ؟

انه لمن الصعب أن نؤكد تأكيدا قطعيا ذلك ، الا اننا نملك من الادلة ما يرجح انها له :

- فأغلب أهل الذكر يؤكدون ذلك ونذكر من بينهم خاصة الاستاذين ابراهيم شبوح والمنصف الشنوفى .

- وخط المقامة يتفق فى نقط كثيرة مع ما نشر من نماذح خطية للكاتب (5)

- وطريقة التعبير فيها تتفق وأسلوب ابن أبى الضياف خاصة ، والعصر عامة فى نقط عديدة منها : التراكيب ، والصيغ المتداولة ( خاصة الدينى منها ) بعض التعابير العامية ..

- وظروفها ، والاشارة إلى حوادث معينة فيها تتفق مع ما ذكر فى ( الاتحاف ) كما سيأتى .

- والحجة الاخيرة انه لا يوجد اى شىء يثبت نسبتها الى شخص آخر غير ابن أبى الضياف ، ولا الى وجود انتحال ما فى آثار الكاتب الاخرى ونعلل عدم ذكرها فى المصادر بأسباب هى :

1 - قلة أهميتها بالنسبة لبقية آثاره ، خصوصا تاريخه .

2 - تقدم تاريخ كتابتها على بقية آثاره فهى من بواكير انتاجه (6)

3 - انه لم يشتهر بكتابة المقامة (7) ، كما لم يشتهر بشعره (8) .

المقامة الجلية : تقديم وتحليل :

يحمل مخطوط هذه المقامة الرقم 3586 بدار الكتب الوطنية ، أوراقه أربع ذات حجم يساوى 21،5 × 17،5 . وتحتوى على 21 او 22 سطرا فى الوجه الواحد وفيها بعض التمزيق الناتج عن تآكل الورق ، وبالاضافة الى هذا أصيبت صفحاته ببلل جعل بعض الكلمات خصوصا اواخر السطور واوائل سطور الوجه المقابل ممحوة فى أغلب الاحيان .

والخط الذى كتبت به المقامة مغربى جميل واضح ، يستعمل مدادا أحمر لرسم الفواصل وكتابة أسماء الاعلام .

لم يذكر المؤلف تاريخا للمقامة ، لكننا نملك ارشادين هامين :

- مدحه لحسين باى (9)

- ذكره للولى الصالح سيدى البشير (10)

وبالرجوع إلى القسم الخاص بعهد حسين باى من ( اتحاف أهل الزمان . . ) عثرنا على ما يفيد أنه أقام زاوية لسيدى البشير ومسجدا ، الا أن الكاتب لم يضبط تاريخا لذلك (11) . وبما أن ( الاتحاف ) مرتب زمنيا ، فقد رجعنا الى الأسطر السابقة فوجدنا ذكرا لبناء الباى المذكور زاوية لسيدى عياد الزيات (12) فى ربيع الثانى 1248 / أوت 1832 ؛ كما ورد فى حديث الكاتب عن بناء زاوية البشر ذكره لتشييد أبنية بمقام السيدة المنوبية (13) ، والملاحظ أن حسين باى (( ضايقه الاجل عن اتمام برج المنوبية )) - حسب لفظ ( الاتحاف ) - ، وقد توفى هذا الباى سنة 1835/1251 . فتكون المقامة لكل ما ذكرنا ألفت بين التاريخين المثبتين أعلاه ، ونستنتج عن هذا بعض الملاحظات الهامة :

- أن المقامة أول أثر معروف للكاتب (14)

- أنها من الثمرات الأولى لوظيف ( الكتابة ) ، ففيها جانب مدحى هام (15)

- أنها كتابة شاب (16) ، فالجانب التمرينى فيها هام أيضا (17) .

إن موضوع المقامة الاساسى هو مدح الاولياء ، وقد ذكر الكاتب أربعة منهم . أبا الحسين الشاذلى (18) ومحمد البشير (19) ، والشيخ الونيس (20) ، وولية (( شيخة )) لم يفصح عن اسمها (21) .

ولعل عنوان المقامة (( المقامة الجلية فى الانوار البشرية )) يدل دلالة واضحة على فحواها . والملاحظ أن (( أدب المناقب )) (22) كثير الانتشار فى العهد الحسينى خاصة فى شكل (( المقامة )) (23) ؛ وقوامه عناصر تقليدية تنحصر غالبا فى النقط التالية :

- الاشادة بالعبادة والتقوى ، وكثرة الاعتكاف والاختلاء .

- ذكر (( الكرامات )) والاعمال الخارقة المنسوبة للأولياء .

- التغنى بجمال الضريح ، او المدرسة ، أو المسجد مع التطرق لوصف المدينة ، ويأتى ذلك فى أسلوب متميز يعتمد المبالغة والاقتباس القرآنى خاصة

ويستعمل الكاتب شكلا قصصيا كأن يبدأ المقامة بالتجوال والرحلة حتى يبلغ مقام الولى ، أو يدير حوارا قوامه التجاهل ليفسح المجال فى رد الناس عملية لتعداد محاسن الولى ، والتعريف به .

وقد سلك ابن أبي الضياف هذه الطريقة ، لكن الجانب الأدبى عنده ضعف ، فالخبال الفنى، أو الحبكة القصصية ، او البراعة اللفظية (وبعض ذلك أو كله متوفر فى المقامات التى اطلعنا عليها ) تتضاءل ، فيبدو غالب المقامة أجوف (24) .

وهو يستعمل فى كامل المقامة لغة خاصة هى لغة أهل الطرق والزوايا ، ويعكس ذلك انتشارها فى ذلك العصر ، وتأثيرها فى ابن أبى الضياف خاصة . والملاحظ أننا نجد صدى لهذا التعظيم والمدح للأولياء فى ( اتحاف أهل الزمان (25)

وفى المقامة جانب يبدو ثانويا ، ولكنه فى الواقع هام ، لما أسلفنا من ارتزاق الكاتب من وظيفة الكتابة عند تأليفه للمقامة (26)

وقد ربط بين ذكره لمناقب الأولياء وفضائل ممدوحه بالتأكيد على موقف حسين ياى من الدين ، فهو غيور عليه ، محام عنه ، متعلق بتشييد مقامات الاولياء . ويضيف إلى ذلك عناصر المدح التقليدية من كرم وحلم وشجاعة .. ، بل يأتى أثناء ذلك بصور مغرقة فى التقليد كتشبيه الكرم بالسحاب الممطر ، او الحلم بالبحر ، وينقلب هذا المدح دعاء بالنصرة والتوفيق يغلب عليه التكلف (27)

ومما لا شك فيه أن المقامة قالب أدبى يقصد فيه الى اللفظ قبل كل شىء ، والجانب الشكلى أهم ما يعتنى به الكاتب (28)

وقد استعمل ابن ابى الضياف ما يستعمله كتاب المقامة عادة من وصف دقيق ، واكثار من التشابيه والصور والمعانى الخفية ، والسجع ، وفنون البديع وخاصة التورية والاقتباس من القرآن ، ومزج النثر بالشعر .

لكن الملاحظ أن لغة الكاتب تضعف أحيانا ، وتميل الى العامية أخرى . ويبدو ذلك فى النظم المدرج فى المقامة ويتمثل فى قصيدتين قلت الابيات السليمة منهما .

فهل يعود ذلك الى شباب الكاتب وقلة تمرنه ؟ أم الى طابع بدأ يسود أدب العصر خاصة وقد لاحظنا اشتغال ابن أبى الضياف بالنظم العامى (29) وعلى كل ، فالمقامة فى حد ذاتها ليست أثرا ادبيا هاما ، وليست لها قيمة تاريخية كبرى ، لكنها تمثل مصدر دراسة بالنسبة لأسلوب العصر او بالنسبة لشخصية بن ابى الضياف ، وتطور طريقته فى الكتابة .

المقامة الجلية ( نموذجان ) (30)

أ - وصف الولى ( البشير ) (31) :

.. وبعد فيقول فقير خفى الألطاف ، الراجى هدايته أحمد بن أبى الضياف ، يا أدباء الزمان ، وبلغاء المكان ، احضروا القلب الى القبول ، وألقوا الاسماع لما نقول ، إن أحسن ما نطق به اللسان ، وأعذب ما سمعته الآذان ، وروق الأفكار ، وفتق الازهار ، ما روى ابو الفرح والانوار ، عن أبى السعادة والاسرار (32) قال :

كنت بالظعن الى البلاد موصوفا ، وبزيارة أوليائها (33) معروفا ، فبينما البلدان تلفظنى ، والامواج تقذفنى ، حتى (34) بلغت (35) تونس الخضرا . فقلت لقلمى بشرى ، فأول من عرض لى ، الشيخ الولى (36) ، ذو السر الجلى ، والمقام العلى ، سيدى (37) أبو الحسن الشاذلى ، فدخلت لذلك المقام فوجدته على أحسن نظام ، ثم خرجت لزيارة (38) بعض القبور ، لتتضاعف لى الأجور ، فدخلت من باب العلاوة (39) وقت الصبوح ، و (40) ألفيت تلقاءه نورا يلوح ، فصرت أمسى (41) وبالحب أهيم ، فصفعنى (42) نور عظيم ، وصرت ساعيا (43) على الألحاظ ، وذلك النور الفياض ، فوجدته فى مكان كأنه فلق ،

بل شمس الضحى فى الافق ، منجل (44) حسنه مبتهج ، معتبق (45) طيبه مؤترج ، تكتسب منه المزايا الغزار ، ويتصدق بالأسرار ، فقلت : لمن ذا المقام الكامل ؟ قال الحاضر : عجبا تعلم وتتجاهل ؟ فقلت : لا وحق الملك القدير ، قالوا : وهل يكون لغير السالك البشير (46) المشهور عند الصغير والكبير ؟ فلما سمعت هذا المنطوق ، علمت (47) بأنه (48) المشهور عند كل المخلوق ، ثم جلت فى ميادين الحب والافتتان (49) ، وقلت : ليس الخبر كالعيان ، فوجدت شمس الزوايا ، ذات المحاسن والمزايا ، قد تعلت على الفجر (50) ، وجاد بها الدهر ، ممتزجة بتقوى الله ، وممتلئة بأولى الجاه (51) ،

يزينك وجهها اذا نظرت له      كأنه السعد أو كوكب الدر (52)

فناهيك برونقها وحسنها ، وترنم طير الفصاحة عند رؤيتها .

وقادت على أعلى العوالى بثغرها      بشيرنا ذا (53) العلم والسر (54) ذاك الامام العالم عابد                 كرامته أجلى من الصبح والفجر (55)

يكفيك (56) من هذا مقامه ، ومن أراد الحصر يجعل العد كلامه، اذ فضائله فالقطر الشمس ، وفضيلة اليوم تنسيك فى فضيلة امس ، ومن جملة الكرامات فريدة العصر ودرة الدهر ،

فجاءت بفضل الله لحظة صالح       على وفق ما اختار أولو القدر والسر (57)

ب - مدح حسين باى : (58)

فقلت ( ... ) : ومن انشأها (59) ؟ قالوا : أسسها (60) على التقوى ، وجعلها للعلماء مأوى ، الملك الكريم ذو (61) الجود (62) العميم ، والعماد الذى أقام به الله الذين ، ونصر به المسلمين ، مشابه (63) السلاطين (64) ، الشهير المناقب ، العلى المراتب ، ذو المآثر المحموده ، والمساجد المقصوده والرايات المنصوره ، والآيات المنشورة (65) ، والشجاعة المشهوره ، من أعلى قيمة الصالح والعالم ، الشامل (66) ذكره العالم ، من الجود من كفه سائل لكل الأقطار ، وبحر حلمه يضاهى (67) البحار ، من به الزمان جاد على الايام ، فصارت ايامه كعلم الاعلام (68) وما من معال (69) الا وهو متوليها ، وما من شيعة الا طار

اليها ، وما من فضل (70) الا وله فيه اليد الطولى ، بل هو احق به واولى ، وما هذه (71) الزاوية الفريده ، ذات المحاسن العديده ، الا دفعة من بحره ، ونبذة (72) من بره ، يكل عن وصفه القرطاس والقلم ، وتعجز عن مدحه العرب والعجم ، والاطناب فى غيره محل (73) ، وفى حقه مخل ، اذ لو اتفق (74) كل ذى لسان ، على عد أجناس فضائل هذا السلطان ، لا يكون أحد فيهم قديرا ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (75) ، هذا وشيمته جبر الكسير ، وفك الاسير ، وفعل الخيرات ، وبذل الاوقات (76) ، معلى الحق ومشيد أعلامه ، ومدحض الباطل وهادم (77) بنيانه ، وكل علية له تركع ، وكل مزية له ترجع ، المستفاد (78) المعلوم عند كل حين ، سيدنا حسين باى (79) ، الذى (80) سحابه موصوف بالرى ، قالوا : وهل توجد هذه الصفات فى (81) انسان ؟ قلت : وهل له ثان ؟ ..

اشترك في نشرتنا البريدية