حدثنا الانسان ، المتجمل بالدراية والعرفان ، قال غادرت منازل الاصلاب بسلام ، ووليت وجهى شطر منازل الارحام ، فسبحان من خلق ، خلق الانسان من علق ، ثم مضغة ، ثم عظما ، ثم كسا تلك العظام لحما ، وعندها تم تكويني ، ودخلت فى طور النمو من حينى ، هذا وانا سجين البطن دفين الاحشا ، مساق الى ما يراد منى لا الى ما اشا ، تارة فى عراك واخرى فى سكون ، فهل انا سعيد ام محزون " لا هذا ولا ذاك ، فلست بالافاك " عزلة تامة وانزوا ، لا فراش لا قطعة من غطاء عارى الجسد حافى القدم ، افي يسر انا ام في عدم ) لا هذا ولا ذاك ، فلست بالافاك " لا طعام ولا جوع ، ولا يقظة ولا هجوع ولا قنوط ولا صبر ، ولا تفكير فى التخلص من ذلك القبر ، في غربية مجردة عن الحنين ، فلا تحسر ولا تاوه والا انين ، اننعيم واستمتاع ، او لوعة وارتياع " لا هذا ولا ذاك ، فلست بالافاك " حياة فى ديجور ، ولا شوق فيها للنور وحرارة قاربت الجحيم ، ولم اتطلب فيها هبا من نسيم ، اعذب هذا ام عذاب حيرة وغفلة وارتياب " لا هذا ولا ذا ك ، فلست بالافاك " بعد حين قضيته في ذلك الاحتجاب ، شعرت كانى مللت ذاك الحجاب ، بل رايتني كان فى اختلاج واهتزاز ، وكانى اتحفز للبراز ، ولم يعد يطيب لى المقام ، وسئمت نفسى ظلمة الارحام ، اترانى اتمنى منقذا ، او افتش منفذا ، هل هذا صحيح امتالم انا او مستريح ، " لا هذا ولا ذاك ، فلست بالافاك " لم يفدني بعد بذل لجهود الا صرخة من ولود ، دفعتنى الى العرا ، فاذا بى اسمع وارى ، خرجت مضرجا بالدما ، كانى آيب من حملة شعوا ، واول ما ادركه فى فضائي الجديد ، هو انى صرت قطعة من جليد ، ان هذا هو العذاب الهون ، ليت شعرى بعده ما سيكون ، لا لذة بعد ذلك للانسلاخ ، عن حشا كان نعم المناخ ، بل عجيجا مسترسلا ، وعملا متسلسلا ، عشت عيونى عن اضواء الصباح ، واضربى نالق المصباح ، فلزمت البكاء والعويل ، ولم اجد للخلاص من سبيل ، وكاني اقول فى صراخى دثرونى ، وحيلوا بين النور وجفوني ، ثم تعاقبت الاوصاب وتنوعت اصناف العذاب ، وكانى اقول يا اهل الشفقة ، اعيدوني ان قدرتم علقه ، قسما لو قدرت لكنت القافل الآيب ، الى ما بين الصلب والترائب نعم كانت اللبان قرائى ، ولكنها اذكت ذات الضرام باحشائى ، ولما لم اصبر على الم الاحتراق ، صحت ربى أهذا غسلى ام غساق . انهما اعدا لكل كفار عنيد ، فهل أنا عنيد أم وليد ربى أنا البرئ فمالى ألاقى عذابا فبالبتني كنت
قبل هذا ترابا ، قلت هذا ولكن ليس باللسان المبين ، بل بالصراخ والتأوه والانين ، فالوداع يا مرابع الارحام ، وعليك من تحية وسلام ، كنت فيك ذا راحة وسكون ، ليت شعرى هل اعود وما عسى ان يكون ، الان جاء دور الكلام فقلت دون قصد ولا اتهام ، كلمة امى فكانت ام الكلام ، وكان بها تعلقى واليها شوقى ، ثم بعد حولين كاملين ، ضربوا موعدا ليوم البين اعنى يوم افتراقى عن الثدى ، وتحملى مرارة الصدى ، وبعد ان ساءت الحال ، وانقطعت الامال ، قدموا الى مائدة الطعام ، واطعمته بالقهر والارغام ، وهكذا عوضوا ثدى الحنون ، بسلة وملاعق وصحون ، ها انا الآن صرت صبيا ناشطا لاعبا جريا ، فى انتشاء ولست بالسكران ، وجنون ولم يمسنى جان ، تلقفني كرة الاولياء ، بصولجة القوة والولاء ، منحوني أوقات لهو قليلة وارهقونى بدروس طويلة ، معززة بوعيد وارهاب ، بحكم بتنفيذ فعقاب ، فخضت فى غمار تلك الهيجاء ، مرة فى احرف الهجاء ، وما اعتزلتها حتى ارتميت فى احضان الاملاء فكان عين البلاء ، ونفس العناء ، فقمت انا بمهمة التحريف ، وقام المعلم بالتعزير والتخويف ، ولم اكد اتقن مخرج اللفظ
حتى سقطت فى هوة الحفظ ، فسبحت فى تم ماله من قرار ، واعانتني على اهوال الاقدار ، وقد كاد ان يلتقمن فيه حوت العثاء ، ويحرمني لذة السلامة والهناء فاقبر قبل الممات ، فى تلك الثلاث ظلمات ، او امكث في سفر وسرى ، ولا اظنه ينبذني بالعرا ، ها انا الان صرت غلاما ليت هذا الدور قي دواما ، فلقد انفتحت لى ابواب الامانى ، ورحبت بي الاوانس والغوانى ، واديرت لى الاقداح ، وعكفت على الملاح فيوما احتسى كؤوس الصفاء ووما اتحرع مرارة الحفا فخلعت عني ثوب الانقياد ، لاوامر الاباء والاجداد ، ها انا اليوم في دور الشباب ، مستمرا فى صحبة ذات الحب وذات الحباب مقتطفا زهرة الحياة غافلا عن حومة الممات ، خلصت اوقاتى من الكزر ، واستهنت بكل خطر ، وما زلت سابحا فى هذا الفرات
مرتشفا من سلسلة رائق الكاسات ، حتى حانت ساعة النكبة ، فدفعتني موجته العذية ، فاذا بي فوق برزخ الكهولة ، ولعمرى انها نكبة ولكنها ليست مهوله ، عيش قريب من الشساب ، لا أقول انه عذب ولا أقول عذاب ، نقلة كانت آية ذات اعتبار ، وبالبتني قول فيها القرار ، بل صارت منسية منسوخة ، إذ سقطت منها الى هوة الشيخوخة عندها قلت ليت الشباب يعود ، ليته بالرجوع يجود ، كيف لا ولا قيام الا بعناء ، ولا سماع الا بطول نداء ، سعال متعاقب ، ومدامع تتساكب ، اوهام وسجون ، وحركة احسن منها السكون ، هذا والهرم الفظ ، يريد ان ينقض ، وفعلا قصارت اليقظة مناما ، والمنامة يقظة واحلاما ، وبعد هذا فهل تصرمت الآمال ، وهل قلت لا قامة ولذا الترحال ، كلا فقد اتت قبلنا اقوام ، بلغوا الف عام ، ولا احتياج الى برهان ، فقد اثبته القرآن

