الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

من آفاق الفكر، ، كوكب "فينوس" وبنو الانسان،

Share

اقترب فى اواخر العام المنصرم الصاروخ الاميريكى " مارينر 2 " الموجه نحو كوكب " فينوس " السيار او الزهرة لتجسس احواله والتعرف الى ظروفه الطبيعية لا سيما بالنظر الى امكانية نمو الكائنات الحية على سطحه . اقترب من هدفه المرسوم واخذ يحوم حول الزهرة . وبهذه المناسبة توجهت مجلة " الانباء الادبية " الفرنسية الاسبوعية فى عددها الصادر بتاريخ 12 ديسمبر المنصرم الى الكاتب رينى برجافيل المعروف بقصصه السابقة لسير التاريخ والمتعلقة بالاسفار الخيالية الى عوالم الفضاء ، فالتمست منه ان يمدها برأيه فى هذا المضمار . فوافاها بكلمة فى صورة حوار بينه وبين صحفى شاب مزعوم . وها نحن نقتطف منه ما يلى :

الصحفى - بودى أن أطلع على رأيك فى شأن هذا الصاروخ الامريكى الحائم اليوم حول " فينوس " ؟

الكاتب - اظن الساعة قد حانت . . - وكيف ذلك ؟ - اجل ان " فينوس " لفى انتظار البشر منذ ملايين السنين . .

وها هم الان . . اوشكوا ان يلتحقوا به . . ان تلك الهنة من الفولاذ لعبارة عن نهاية مرتجفة لهدبنا اللمسى ، او هى ، ان احببت ، شاربنا القطى لتحسس الوجود . ان الانسان بصدد تشمم " فينوس " وانه ليوشك ان يرشف عبيرها . وغدا ستصبح له مهادا . .

- لكنهم يقولون انها لا تخلو من حرارة فى جوها . . اليس كذلك ؟ - ذلك هو المظنون ، وسيعلمون عنه الخبر اليقين فى القريب . وبالفعل

فلربما كان مضجع " فينوس " جاحما تنصهر بلفحه الاوادم المغامرون . ولكن لا موجب للانزعاج . انه لم يبق شىء غير ممكن اذا اعتبرنا ما انتهت اليه " التكنيك " وبالخصوص ما بلغت اليه من سرعة فى تقدمها . سنبرد اذن " فينوس " ، ونـهبها الثلوج وحفيف النسمات ، ونـهبها الرياض والطيور والربيع . ولسوف نضفى فوقها فستانا نسج من اكسيجين لوليمة اعراسنا بها . . انه لا بد من ان نبلغ اليها ، وان الامر لأكيد .

ما هذه العجلة ؟ - اننى لست بالمستعجل فى حد ذاتى . لكن الامر اوكد بالنظر اليك .. - أنا ؟ اجل ، قل لى كم بلغت من السن ؟ - ست وعشرون سنة . . - ومتزوج ؟ اجل ، وقد ولد لى ولد صباح هذا اليوم . - حسنا انه سيذهب الى " فينوس " ؟ - الى " فينوس " . . هو ؟ لكن لا ادرى .. . هل امه ..

- بامهات أو . . بغير أمهات ، لا مفر لابناء غدنا من أن يفتحوا اجنحتهم . . اما فكرت فى ان ابنك وجميع الابناء الذين ولدوا فى هذا العام الذى ارسل البشر خلاله باصابعهم الاولى المتحسسة نحو " فينوس " اما علمت ان كافة ابناء هذا الجيل سوف يبلغون مبلغ الرجال فوق كرة ارضية حاملة لستة مليارات من الاشخاص ؟

- ستة مليارات . . لست مدركا ذلك تمام الادراك . . انه لعدد هائل .

- انه لضعف عددهم اليوم . فاذا كان ابنك باريسيا مثلك فسيعيش يومئذ وسط مجموعة من السكان تبلغ ستة عشر مليونا بدلا من ثمانية ولربما بلغت العشرين مليونا نظرا لجاذبية المدن . . فهل من حاجة الى ان اصف لك حياته فى ذلك المحيط .

انه لامر مذهل ، وما كان خطر لى على بال .

( وهكذا يضعنا الكاتب امام معضلة تكاثر الجنس البشرى على وتيرة مزعجة ، مما لا ريب فى انه سيقذف بالبشرية فى هوة سحيقة من الشقاء والبوار ان لم تنتبه لوجه الحل بتسليط ما سموه العقل ، وتوخى الطرق العلمية الناجحة المجدية . )

" ويتابع الكاتب حديثه على هذا المنوال " - ان الخط المنحنى المعبر عن سرعة نمو الانسانية العددى قد بلغ الى نقطة كاد ان يرتقى منها فى اتجاه يوشك ان يكون عموديا . ان البشرية اليوم لتوشك ان تنفجر بمفعول قوتها الحيوية . . وان ذاك الانفجار حاصل غدا من دون ريب . . وستكون انت البالغ اليوم من العمر الخامسة والعشرين , ستكون أنت يومئذ فى عنفوان كهولتك ونشاطك اذ تتجمع المشاكل وتتظافر وتمسك بني الانسان من خناقهم . يومئذ ينقلب عليك ابنك ثائرا حنقا بسبب ما كان من انجابك اياه فى وجود مستحيل

- على اننى لست بالجانى مطلقا  .. - كلا ، بل انت الجانى ، وانا معك . انها دائما جناية الاباء . اننا لفى شقاق وخصام مستمر داخل حدودنا ومن ورائها ، واننا لنركم الاسلحة بلا فتور . اننا لفي شقاق وخلاف من اجل هذه المطامح الذاتية والقوميات والنزعات الامبراطورية او الاشتراكية البائدة الحمقاء ، اى من اجل كل تلك السخافات التى اخني عليها الدهر كما قد اخنى على لحيتى كارل ماركس وبونكارى نحن فى شقاق ونزاع بينما هناك عمل اكيد يناشدنا بان نسخر جميع ما لدينا من وسائل وعزمات ومواهب فكرية من أجل أن نعد العدة لغدنا وننقذ ابناءنا من هوة الشقاء .

- ولكن أليس اعداد اهبة المستقبل هو هم الاحزاب التقدمية ، كما هو هدف الرأسمالية النيرة ؟

- لم يعد بعد من شأن للرأسمالية ولا للاشتراكية ولا للشيوعية . . ان كل ( هذه الاسماء المذهبية لتخنقنا خنقا ، وانها لتحكم وثاقنا الى رفات القرن التاسع عشر المنصرم بينما القرن الحادى والعشرون يوشك أن يباغتنا منقضا بمحركاته الداوية جمعاء . ان الانقلاب المتحتم والذى يجب الشروع في انجازه من الآن ليس هو مطلقا بالانقلاب الاجتماعى أو القومى . انما هو انقلاب " تكني " فى نطاق الجنس البشرى ، الحق ان المغالطات التى

ستعرض لابنائنا لهى فى بساطتها . . بالغة حد المأساة ، اذ هي تشمل الوظائف الحيوية الاساسية للانسان بما فيها من تنفس وشراب وغذاء وتناسل ، كما تتصل ايضا بوظائفه الروحية التى ربما فاقت الاولى شأنا ، اذ من الواجب ان نمنح الستة المليارات من البشر اهدافا وغايات نفسانية للعيش . .

( ويلاحظ الكاتب هنا ما بلغ اليه الامر اليوم بالانسانية فيما يخص السكنى فقد اصبحت المساكن الجماعية العملاقية تتكاثر فى الضواحي ، وأصبحت الأسر الفتية تحشر اليها حشرا وتكدس بها تكديسا في غير ما مبالاة بمطالب الاوادم الروحية ، ولا تفاد للسآمة والضجر واليأس المترتب عن ذلك الاسلوب الفاحش الرتيب فى الاسكان . . )

يقول الكاتب : - انه لا حل ينجح امام ذلك التكاثر سوى اقامة المنازل ذوات الارتفاع المتزايد عموديا . والحل يقضى بان يجعل ذاك السكن خليقا بان يسكن , وان تمكن فيه الأسر من التعايش بدلا من ان تركم على بعضها ركما ، فيفضي الامر للتباغض ما بينها فى الخارج ، فيما بين افراد كل منها فى الداخل . . . ( ويمعن الكاتب فى تشاؤمه وينظر الى مستقبل البشرية بمنظار قاتم اللون متوقعا كوارث جسيمة تهدد كيان البشرية )

- اى اخطار تعنى ؟ ان لهجتك لتدعو الى القلق يا سيدى ، واننى لاخشى ان تكون نهبا لمخيلتك ، وضحية لمنحاك القصصى المتحدى للزمن ، ان هذا ليس من الجد فى شىء ؟

.... . - انك لتسألنى عن الأخطار المتوقعة . . انه من الاكيد ان نقرأ حسابا للمخلوق الانسانى ، من شعر رأسه الى أصابع رجليه ، لننظر الى أهم الأخطار مما يتعلق بحاجياته ووظائفه العضوية الأساسية . . . . التنفس أولا . . ان الهواء يوشك ان يتعفن ، وهذه مواطن الخضرة تتقلص سريعا ، بحيث يتعذر شيئا فشيئا تجدد مادة الاكسيجين في حين ان الاحتراقات المتنوعة ستتضاعف ضعفين أو ثلاثة خلال السنين العشرين المقبلات فتعوضنا عنه حامضا فحميا وأدرانا هدامة للجثمان .

وفي المحل الثاني الشرب ، فالماء الجارى من حنفيات المدن كثيرا ما كان غير مستساغا . واذا عممنا النظر فلن يكون مقدار الماء الصالح للشرب سادا لحاجيات البشر بعد مضى عشرين سنة .

اما بالنظر الى التغذية ، فلم تعد الزراعة سادة للحاجيات فى اقطار الهند واليابان والروسيا والصين . وهى فى اضمحلال بفرنسا . وبعد ، فقد حكم على المنهاج التقليدى للتغذية بالافلاس نظرا لبطئه وعدم ضمانه لوفرة المحصول . فهؤلاء اليبانيون اصبحوا يعنون بزراعة النباتات البحرية في معامل معدة لهذا الغرض من اجل التغذية . ولربما تحتم ان نعنى بانتاج اللحم والمواد الدسمة والسكرية والدقيقية بطرق صناعية . فانت يا سيدى البالغ الان من العمر الخامسة والعشرين ستشهد انقراض ورقة الخس ومصرع مشوى اللحم البقرى ، ولن يعود يدرك ابناء ابنائك ماهية التفاح . فاذا نحن لم نطرق من الان الابواب المؤدية الى الاستعاضة عن الاغذية الطبيعية بمواد مصطنعة تقوم عوضا عنها ، فان ابناءكم سيظلون طيلة حياتهم جياعا ، ثم انهم سيلدون ضعفين من النسل اذ تلك هى سنة الحياة ، فالامة التى تموت جوعا هى الأحرى أن تزداد عددا .

اما التناسل فقد يجدر ان نضع حدا للتكاثر وان نرغمه على الاستقرار . فان لم نوفق الى ذلك فان السلالة البشرية ستهلك مختنقة من فرط تكاثرها كما يحصل فى مرض السرطان المتفشى فى الجثمان هذا مهما قد يتخذ من الوسائل فى غير ذلك النطاق الحيوى .

فهذه ، يا سيدى ، طائفة نزرة من المشاكل التى سيصطدم بها ابنك الوليد . فليت شعرى اى عمل انجزناه كى نعينه على ايجاد الحل اللائق بها ؟ اى عمل قمت به انا وقد بلغت سن والدك ، بل اى عمل قمت به انت وانت فى سن ولد لى ؟ حقا اننا لم نعمل شيئا .

( وهنا يندد الكاتب بقادة الشعوب السياسيين والدينيين واساطين العلم والفكر ، فهم لم يقيموا وزنا لهذه المشكلة الخطيرة اذ هى " لا تهمهم " . . " انها لا تهم سوى ابنائنا فما عليهم الا ان يخرجوا بأنفسهم من مأزقهم " (1) بالتعبير العامى : يدبروا روسهم . . .

( ويعجب الكاتب لهذه الانانية الخرقاء التى اتسم بها هذا الجيل الذى لا هم له سوى الخصومات الفارغة التى لا جدوى من ورائها . . ثم يقول الكاتب : )

- انه ليس من باب الصدفة ان نجد اليوم فى كل بلد نفس العصابات من الفتيان قد تسلحت بسلاسل الدراجات واقبلت على تحطيم كل شىء وقعت عليه يدها لا تدرى ما غايتها من ذلك التحطيم .

لعمري لئن حطموا كل شئ فذلك لانهم - عن غير وعى منهم - يبغضون حاضرنا ، ويبغضون مستقبلهم كما نعده لهم . انهم ليلقون بنظرهم حواليهم وامامهم فلا يجدون من شىء يستحق ان يحب . انهم لا يحبون اقفاص الدجاج التى اسكنوهم فيها ، وكذلك لا يحبون المواعظ الاخلاقية السمجة الملقاة عليهم والتى لم نعمل نحن فى سلوكنا بمقتضاها . انهم لا يحبون المثل السياسية التى بادت أربابها وانقرض زمانها . انهم لا يحبون " الحب " كانما فطنوا الى انه ليس الا احبولة لصنع اطفال مثلهم . انهم لا يهوون ان يعيشوا وانهم لمصيبون .

لقد يكون متحتما اذن ان نرجع الى انفسهم ما افتقدته من غايات للحياة . استغفر الله فلن نرجع اليهم ذلك ، فقد فات الوقت والتهمتهم الاحداث وضاعت فيهم الفرصة ، لكن لنرجع ذلك الى ابنائهم . ان كل شىء متعين ان يخلق جديدا : الله ، والاسرة ، والعقل ، والهواء الذي ننشقه والخبز الذى نطعمه . انه لعمل هائل مزعج ، لكنكم انتم الاباء الفتيان ، ان لم تقوموا به من الآن ، واكتفيتم بتكتيف الايدى قائلين " ان الحالة ستتحسن ، والطبيعة ستعمل عملها الاصلاحى " فان ويلات مرهقة دامية طويلة ستصيبكم فى فلذات اكبادكم . ذلك ان الطبيعة لن تصلح شيئا ، وان الامر لن يصلح بالمرة

- لا شك انك مصيب فى رأيك وتقديرك . اننى اخذت اشعر بالخوف ولكن ما العمل وماذا نستطيع ؟

- ان كل شئ فى مقدورنا واستطاعتنا . ان فى استطاعة العلم الفنى ( التكنيك )ان يجابه اليوم كل معظلة ، ولعمرى ان الكفاءات الذهنية غير معوزة ايانا . انما تعوزنا العزائم الطيبة ويعوزنا الحب .

عليكم انتم معشر الاباء الشبان ان تلتمسوا فى حبكم ابناءكم مزيدا من حماس تهبوه الانسانية لكى تجابه به صعابها . من الاكيد ان نجند انسانية اليوم كى تنقذ حياة انسانية الغد ، وليس لنا ان نضيع ولو يوما واحدا فى هذا الصدد . ان سرعة هذا القرن العشرين قد تجاوزتنا معشر الكهول ، وما كنا نحسب لذلك حسابا . . ان القرن التحق بنا وخلفنا وراءه . وليس فى وسعى الا ان اصرخ . وبعد ، فلا أظن كل من سيقرؤون هذه الكلمة سيضحكون . . كفانى ان اثير قلقا فى نفس فئة منهم ، وان تنال العدوى غيرهم ، فلربما اضطرم غاب باكمله من جراء عود واحد من كبريت .

- ولكن ما شأن الصاروخ الاميريكى مارينر 2 فى كل هذا ؟ وكوكب فينوس ؟ وهل تظن فى الامكان ان نوجه هناك بالخلائق التى تغص بها الارض ؟

- لكى يمكن توجيهها فلا مفر من ان تكون صالحة وان تكون راغبة . ولعمرى لئن خرجت الانسانية من طور البلبلة الحمقاء التى تحياه اليوم , فلا مراء انها ستواجه اعمالا جبارة . الحق انها لفى بدء تاريخها . كل شئ فى البدء . ان الارض نقطة انطلاق . . نقطة انطلاق ، تلك هى اللفظة بالضبط . اما فينوس ، فهى نقطة اخرى وشوط آخر قصير . ان اللانهاية والابدية أمامنا . ان الكون والفضاء والزمان ، كل ذلك فتح ابوابه لكى يحقق ازدهار الجنس البشرى . ان كل شىء فى طوعنا ومقدورنا , لكن يجب ان تتعلق به هممنا . .

أليس فى امتلاك قبة السماء هدف جميل للحياة ؟ فاذا ما هشم الاحداث بلورا وبحثوا عن النور وجب علينا أن نوجه أنظارهم الى النجوم . . . "

لقد قدمنا ما به الحاجة من نص الكاتب الفرنسى . وانما هو عبارة عن صرخة انذار يوجه بها الى البشرية فى مجموعها ، اذ لم تعد الكوارث فى عصرنا مقصورة على بقعة من الارض دون غيرها . وبالفعل فالبشرية اليوم وقد وحدتها " التكنيك " توحيدا آليا صوريا صرفا تجتاز طورا خطيرا تسوده البلبلة الحمقاء والفوضى الشاملة البلهاء على حد تعبير الكاتب . وهى مع ذلك ما تنفك بصدد خصام وشقاق وسخف لا ينتهى بينما العالم باسره على قاب قوسين او ادنى من كارثة عملاقية كونية ترتبت عن ذلك التقدم " التكنى " عينه الذى آمن الكاتب بامكانياته الخارقة وسده جميع الرغبات , بما فيها من حاجيات روحية ربما فاقت شأنا غيرها من الماديات ، حسب قوله وزعمه .

على أننا لا يسعنا الا ان نلاحظ ان هذه الامكانيات اللامتناهية من الوجهة " التكنية " هى نفسها التى قد اوردت عالمنا على شفا حفير هار ، وهددته بالفناء والبوار .

ذلك ان التقدم المادى الخاطف السريع ، وسلوك خطة التصنيع الآلى وتوخى طرق الوقاية المصطنعة لصد غائلة الاوبئة القائمة فى حد ذاتها بعمل طبيعي تلك هى فيما يبدو بعض العلل المفسرة لذلك التكاثر الوخيم لسلالة

بنى الانسان ، وهو الذى سيفضى عن قريب بكرتنا الى الكارثة التى يخشاها كاتب الحديث الممتع الطريف .

وما دامت امور البشرية تجرى على ما نشهده ، وما دامت تيارات الفكر والشعور العالمى لم يلحقها ايما تحوير جذرى ، فنحن لا نرى من موجب ان يتوقف مسير العربة الجهنمية المتجهة نحو الهاوية ، اللهم الا ان يكون ذلك بمفعول خارقة تنافى على طول الخط المهيع الذى تسلكه لحد الان الانسانية المسرفة الى اقصى حد فى جنونها الآلى الاخرق والمنصاعة لدعوة التقدم كما تصوره بعض اساطين الفكر ابتداء من القرن الثامن عشر الذى دالت دولته على حد تعبير الكاتب نفسه .

ان امكانيات البشر " التكنية " التى لا حد لها ، وان كان ذلك فى حيز الماديات لا اكثر ولا اقل ، لا كما يذهب اليه الكاتب فى خلطه الفاحش بين القيم والمفاهيم - ان امكانيات البشر لحرية بأن تبلغنا فينوس والمريخ ، ولكن هل هى عينها التى سنحصل بها على صفاء العيش ونقاوة الاحلام وطهارة الضمير وسلامة المصير ؟

ان الهدف المعنوى الذى يرسمه الكاتب لنا لهو أن نمتلك النجوم ونستعمر الافلاك ، ولكن أليس الهدف الاسمى الذى يجب ان نسعى اليه أولا وآخرا هو ان ننسجم مع انفسنا ومع الطبيعة والكون ؟ أليس هو ايضا ان نذلل جماح اهوائنا ونوطئ اكناف امزجتنا كيما نحصل على السعادة بأعمق واشمل معناها وهى تلك البهجة الكونية التى قد فارقت ضلوع البشر منذ ان ارتسموا لهم غايات واهدافا للتغلب والاستيلاء المادى الصرف ، ؟

ان امثال هذه التحارير المتكهنة التى تصدر اليوم عن اقلام الكثيرين من ذوى النوايا الحسنة ، وان اتسمت بالخلط الفاحش الصبيانى ، لهى أحرى ان تزيد الطين بلة واللازمة عتوا وتفاقما .

اشترك في نشرتنا البريدية