الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

من آفاق الفكر، التاريخ وفلسفته في نظر العلامة طوينبي Toynbee

Share

من المعلوم ان علامتنا التونسى الفيلسوف المؤرخ أبا زيد عبد الرحمان ابن خلدون قد كان فى طليعة اولئك الذين لم يريدوا أن يقتصروا على دراسة التاريخ كسلسلة من الاحداث والكوارث المتعاقبة على مسرح الزمن فى غير ما استنباط نواميس معقولة تربطها وتفسرها تفسيرا منطقيا شاملا شافيا يوحد اشتاتها ويلقى شبه الضوء الكاشف على مغزاها وطبيعة كيانها ومنحى سيرها وجريانها . والحق أن ابن خلدون هو أول من جعل من العمران البشرى موضوعا لبحوث التاريخ . وهو بهذا الاعتبار اول من عمد الى ايضاح مفهوم الحضارات الانسانية ووضع الاسس الاولى للدراسات الاجتماعية على اختلافها . ولاشك أن الحقبة التاريخية التى عاشها علامتنا كانت تقتضى قيام هذا الصنف من بحوث عامة شاملة تكون بمثابة استخلاص العبرة والدرس والخلاصة الفكرية من هيكل حضارة جليلة تتابعت مدى ثمانية قرون وأتت أكلها فى مختلف الميادين لكنها قد كادت ساعتئذ أى في أواسط القرن الثامن للهجرة ان تستنفد امكانياتها بلكت أن تشرف على التضعضع والانهيار . ولقد كان العلامة التونسى بالفعل ، وهو من جعل دراسات القيمة المستخلصة أحكامها الصارمة من مشاهدة الاحداث الانسانية عبر الاجيال مرتكزة على الاستقراء والاستنتاج والقياس العقلي - كان ابن خلدون بعض الاونة شبه المتحسس لما سيأتي بعده من الاحداث وبالخصوص للانقلابات الهائلة التى عرفتها الانسانية خلال القرن التاسع الهجرى والخامس عشر المسيحى ، اذ ينتقل زمام الامر نهائيا من يد الاسلام الى الدول المسيحية الغربية ، وتنتهى مرحلة القرون الوسطى كى تبتددى الحقبة التى نعيشها من التاريخ .

على كل حال فالى ابن خلدون يرجع الفضل فى فلسفة تلك الحقبة المنصرمة التى انقضت على عهده لدول الاسلام وحضارة الاسلام . ولكن ها هو الفكر الغربى اليوم ينتج ويبرز لنا أمثال هؤلاء المتعمقين المتفلسفين في شؤون التاريخ والباحثين على غرار ابن خلدون ، على النواميس الجوهرية التى تسير التاريخ وتهيمن على تطور المجتمع الانساني . ولقد بدأ بروز هذا الصنف من المؤرخين الفلاسفة ابتداء من القرن الثامن عشر المسيحي . ، اذ نشأ خلاله فيغو vigo   الطليانى ومنتسكيوMontesquieu  الفرنسي . لكن الذى يهمنا هو استعراض آراء آخرهم عهدا واقربهم منا زمنا . فلا مراء ان الحضارة الغربية قد اجتازت أشواطا عملاقية خلال القرنين الاخيرين حتى أصبحت

اليوم عالمية باتم معنى الكلمة ، بحيث أصبحت الدراسات المستحدثة التى تناولت هذا الطور النهائى الحاسم هى الحرية دون غيرها بان تلفت نظرنا وتسترعى انتباهنا لما فيها من جس لنبض حضارتنا هذه الكونية ذات السمات الخاصة بها والتي لم تشاركها فيها أية حضارة من الحضارات المنقرضة او التى ما زالت صامدة ليوم الناس هذا فى وجه الانقلاب العالمى ، وان تضعضعت أركانها .

وفي طليعة المؤرخين المعصريين الذين درسوا درسا فلسفيا متعمقا تاريخ الحضارات مستخلصين من بحوثهم اراء ومذاهب فى الفكر تنسحب على التطور العام للبشرية جمعاء ، فى طليعة اولئك المؤرخين المتفلسفين المتفهمين لسير التاريخ يحسن بنا أن نذكر عميدهم بلا مراء وهو العلامة الفيلسوف المؤرخ المحقق ارنلد . ج . طوينبى       Arnold J . Toynbee  

وهو انجليزى الجنسية ولد سنة 1889 وتلقى دروسه بمدينتى   Baltiol Winchester       وباشر قبيل الحرب العالمية الاولى خطة عضو بمعهد الفنون  البريطاني بأثينا . وكان قد تخصص في دراسة التاريخ اليونانى . وكان لاندلاع حرب البلقان يومئذ أثره العميق في توجيهه الفكرى ، اذ لم يتمالك من المقارنة بين هذه الحرب الضروس المتأخرة وبين حروب بيلوبونيز Peloponese    التى اندلعت في عين الاقطار قبل المسيح وافضى أمرها الى  تصدع بناء الحضارة اليونانية . فكان العلامة الشاب يتشوف من يومئذ الى الكشف عن الاسباب المعقولة لفناء الامم والحضارات ، وكان أحد هذه العوامل الحاسمة الهدامة بتجل له في ظاهرة الروح والنظام العسكريين المتجهين بطبعتهما الى التقتيل والتخريب . وفي تلك الفترة انيطت بعهدته اجراء حفريات بمقدونيا . وفي خلال الحرب الكونية الاولى 1914-1918 رسم الخطوط العامة لمؤلفه الكبير  Study of History  او بحث التاريخ الذي أخذ في نشره ابتداء من سنة 1933 وظهر منه لحد الان زهاء عشرة مجلدات وهو يحتل مناصب علمية سامية للبحث والتدريس بجامعة لندن وبالخصوص فيما له صلة بالعلائق الاممية . وقد عمد الكثيرون فى انجلتر وفرنسا الى عرض وتلخيص مذهبه فى تأويل التاريخ واستخلاص نواميسه واستجلاء عبره .

لقد قام طوينبي بمجهود جبار ، فى سبيل تأويل احداث التاريخ ، اذ يحاول تفهمها على ضياء المنطق والعقل ، شاملا بذلك الايضاح والامعان كافة الحضارات الانسانية .

قال طوينبى بتعدد الحضارات البشرية ، وان أثبت وجود صلات رحم تربط السابق باللاحق ، بحيث تنتظم كلها فى سلك واحد هو سلك التاريخ الانساني في مجموعه . وهو لا يحاول بالمرة تحديد مفهوم الحضارة فى حد ذاتها . بيد انه يقول عنها أنها الميدان المتناول للفهم والادراك ، مما يدعى

بالعمل أو النشاط التاريخي . وهذه العلاقة شبيهة بما ذهب اليه العلامة ابن خلدون اذ قرر أن التاريخ يبحث عن العمران البشرى ، ومن اجل ذلك انبرى يبحث نواميس ذلك العمران ، حتى يركز عليها علم التاريخ الذى يجب أن يعتمد طبيعة اشياء وقواعد العمران الانسانى

على أن طوينبى قد تناول مفهوما مستحدثا تبلور خلال القرن التاسع عشر وهو مفهوم الحضارة   civilisation   والحضارة فى نظره هي بصفة  عامة عبارة عن منطقة او حيز ما من الزمن والمكان ، تتضامن عناصره ويرتبط بعضها ببعض ، وان انعدمت تلكم الصلات كلما اجتزنا تلكم الحدود المرتسمة فى الزمن او رقعة الفضاء

أما قبل أن تنشأ الحضارات ، فقد قامت المجتمعات البدائية . والفرق بين المجتمع البدائى والحضارة هو أن المجتمع البدائى لا تاريخ له ، وهو بالتالى ضيق الرقعة . وانما انعدم حظه من التاريخ لاتجاه انظاره نحو ماضيه ، بحيث ما تنفك حركاته متكررة على منوال متشابه رتيب الى أن يضمحل أو تخلفه حضارة قائمة الكيان . فالتاريخ اذن هو تاريخ الحضارات ولا شك أن مدى التاريخ ، بهذا الاعتبار ؛ قصير جدا ، إذا اعتبرنا حياة الانسانية التى تعد مآت الالاف من القرون ، وكذلك بالنظر الى امكانيات العيش والبقاء المتوفرة اليوم لبنى الانسان والتى يمكن تقديرها بمليونين من السنين اللهم الا اذا حلت الكارثة أو أزمة الازمة .

وللمجتمعات البدائية دور هام فى نظر طوينيبي فهي التي بلغت بالانسان الى مستواه الانسانى ، وصعدت به من الدرك الاسفل او الحضيض الحيوانى فنحن قد بلغنا اذن مستوى الاوادم خلال ذاك الطور البدائى ، ونحن اليوم بصدد العروج الى مستوى وأفق أرفع . وان دور الحضارات لهو ابلاغنا ذاك الاوج ، وهو أفق ( ما فوق الانسان ) .

ومما يؤخذ على الفيلسوف الانجليزى أن نظريته التطورية هى متأثرة باراء الفيلسوف الفرنسى برغسون Bergson لا سيما فى كتابه المدعو بـ " التطور الخلاق " I.Evolution creatrice على أن طوينبي معترف بذلك وكثيرا ما استشهد فى دراساته بفقرات كاملة من كتب برغسون . وقد عمد طوينبى الى احصاء الحضارات الانسانية فى مجموعها من بدء التاريخ فبلغ عددها عنده زهاء احدى وعشرين . وقد انقرض وبناد معظمها دون أن يبلغنا ذلك المستوى المنشود ، مستوى السوبرمان او ( ما فوق الانسان ) .

بادت الحضارات كلها وانقرضت من غير جدوى اللهم الا خمس باقية لحد الآن فى نظر العلامة المؤرخ الانجليزى . وهذه الحضارات الخمس التي تعيش اليوم هى : الحضارة المسيحية الغربية ، والحضارة المسحبة الشرقية والحضارة الاسلامية ، والحضارة الهندية ، والحضارة الصينية . ويذهب طوينبى الى القول بأن ثلاثة من هذه الحضارات على الاقل هي اليوم بصدد الاحتضار ..

كيف تنشا حضارة ما فى نظر طوينبي

كيف تتخلص حضارة ما من ربقة المجتمع البدائى ، او بعبارة اخرى كيف تتكون الحضارة بصفة عامة ؟ انما يتم ذلك اثر حصول وعي لدى ابناء ذلك المجتمع البدائى ، اثر اصطدامهم بمحنة من المحن ، وتعرضهم لما سماه بالتحدى من طرف عناصر الطبيعة او من طرف معاصريهم من ابناء الانسان أنفسهم . وكذلك تنبثق الحضارة من التغلب على مشقة أو محنة يصطدم بها بنو الانسان . يقول طوينبي ما معناه : ان منشأ أى حضارة يكون حينما يكافح البشر تحديا ويظفرون فى كفاحهم وكلما ترعرعت حضارة واكتهلت فلا مفر من أن تصطدم بعقبات متجددة من الداخل أو من الخارج ، ومن جانب الطبيعة والبشر على السواء . ويتتابع النمو للحضارة المعنية ما وفقت الى اجتياز العقبات والتغلب على الصعاب

على أنه قد يحدث أن تعرض عقبة كأداء لا يمكن اجتيازها بحال من طرف حضارة ما فعندئذ يحدث ما سماه طوينبى Breakdown  ومعنى ذلك توقف النمو ، ويضرب لذلك مثلا سلسلة حروب بيلويونيز   Peloponese البلاد اليونان وهي التى ابتدأت سنة 431 قبل الميلاد . واذ لم تستجب المدن اليونانية للتحدى العارض يومئذ لها وهو ايجاد حل لمشكلة الوحدة الهيلينة او اليونانية فقد قضى عليها بالتناحر والانهيار فى أمد قد يقصر وقد يطول .

وهناك آية اخرى لحدوث الصدع القاتل فى هيكل الامة او الحضارة ، وقد اطنب في شأنها الفيلسوف الانجليزى . ذلك ان الصلات ما تنفك منسجما بين كافة عناصر المجتمع وطبقاته . وتكون فى طليعة الجمهور نخبة من القادة تعمل لفائدته أكثر مما تعمل لخاص مصلحتها . ويظل مجموع الامة منقادا عن طواعية لاوامر قادته . لكن ياتي حين تتغير فيه الحالة وينقلب الوضع اذ تنقطع النخبة الحاكمة عن العمل لفائدة الجماهير ، فنراها تسعى لمجرد تدعيم مصالحها المكتسبة . أما تلكم الجماهير ، فلا تعود من يومئذ تنقاد الا عن طريق الجبر والاكراه . وهذا ناشئ عن عدم استجابة لصنف آخر من التحديات .

ونحن نقف عند هذا الحد من دراسة آراء طوينبى حول مجرى التاريخ البشرى بما فيه من حضارات متتابعة فى سيرها من مهد الى لحد ، ومن مولد الى نمو واكتمال ، الى تضعضع وموت واضمحلال . وهناك نقاط كثير للشبه بين العلامتين العربي التونسي والاوروبي الانجليزى . وكفانا هنا أن تذكر ما ذهب البه ابن خلدون من أن للدول اعمارا كاعمار الافراد . فها هو ذا Toynbee يعمم هذا المعنى على الحضارات الانسانية وهى ابعد مدى وأوسع مفهوما والله يرث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين

اشترك في نشرتنا البريدية