نحن فى تونس نعيش لحظة الإقلاع ، ولعل ما يتبادر الى الأذهان عند سماع لفظة الإقلاع هو المعنى الاقتصادى للكلمة بحكم تقاليد استعمال هذه اللفظة فى مشاريع التنمية ومخططاتها . لكن الإقلاع الحقيقي - لغويا - هو الصعود بالشىء - انسانا أو مجتمعا من الارض الى العلي ، فكيف يعقل اذن ان نقلع بالبعض ونترك البعض ؟ فاذا ما نوينا الإقلاع باقتصاد المجتمع ودخل الفرد فيه لابد ان نقلع ايضا بمستوى الإنسان ومداركه واحساسه وأن نقلع بضميره ونفسه وقلبه وعقله ووجدانه . . حتى لا يكون هذا الإنسان المقلع - أو المقلع به - ناقصا ، فيرتفع جسمه وتبقى روحه مشدودة الى الحضيض بل يمكن ان يكون الإقلاع نكبة عليه وبؤسا ، للتناقض والتضاد بين ارتفاع المادة وانحطاط الذات ، فيكون الويل والبلاء الذي لا مرد له وتندثر المجتمعات _ شذر مذر - وهو أول درس علمه التاريخ للإنسان .
ومن أجل الاقلاع الشامل - أى بالجسم والروح - وجب علينا التفكير فى امر التربية والثقافة - أى فى معدن الانسان وجوهره - حتى يضحى هذا الانسان متقبلا للنمو ، متحملا لمسؤولية وجوده ، عاملا وشاعرا بشرف عمله ، محققا لذاته ، معتنقا لأصيل المبادئ الاساسية . - أى الحرية والعدالة والتقدم - .
وفى رأيى أن تونس شهدت وعاشت معركة التربية القومية بداية من أوائل القرن الماضى ، وبالضبط مع مطلع التوسع الاقتصادى - وبالطبع الثقافى - الأوروبى . فأوروبا التى بلغت مرحلة الصناعة البخارية فكرت فى توسيع تجارتها ونشأت عن ذلك الايديولوجية الاستعمارية التى وجدت لها فى الساسة والفلاسفة والعلماء ورجال الاقتصاد خير مبررين ومفسرين
ووجدت فى المبشرين من رجال الكنيسة وفى المعمرين خير منفذين لعمليات الاستيلاء على الشعوب وإبادتها ماديا وروحيا.
وحينما بدأ الاستعمار يتغلغل فى كيان الامم المستضعفة ، فابتلع الجزائر ، بدأت معركة التربية القومية كرد فعل ضد ارادة المسخ والتشويه ، وانبرى المصلحون التونسيون يقرعون اجراس الخطر ويوقظون ابناء قومهم من غفوة القرون - بداية من الوعى بمقوماتهم الاصلية - وكان بيرم الخامس وابراهيم الرياحى وسالم بوحاجب وخير الدين وابن أبى الضياف ، مثلما كان سواهم وبعض شيوخهم فى مصر وتركيا . فالتربية القومية فى كتابات وتفكير هؤلاء المصلحين هى تأصيل الامة فى ماضيها لأجل سلامة تفتحها على المستقبل ، مع مقاومة حضارية للاستعمار والانغيار والذوبان في الامم الاخرى.
ومع حلول الكارثة الاستعمارية وانتصاب " الحماية " على الاصعدة العسكرية والادارية والاقتصادية والتربوية والثقافية ، بدأ نوع جديد من معركة التربية القومية حيث هب " الشبان التونسيون " لنصرة مقومات الامة من دين ولغة وتراث ، الى أن تمخضت تلك المقومات مضافة الى ثقافة انسانية عصرية عن ميلاد الايديولوجية الوطنية وكانت حركة الحزب الحر الدستورى التونسى تعتمد فيما تعتمد عليه اثارة " العصبية " الخلدونية التى - حسب رأى العلامة" تقام عليها الامم " . وطور الزعيم الحبيب بورقية أساليب الكفاح التحريرى وانشغل بقضية التربية القومية كدرع واق للشعب من الانحلال والتفكك والاندثار وعالج بعض تلك المقومات - كالحجاب آنذاك بفصول مطولة فى جريدة العمل التونسى . وحينما تخلص الشعب التونسي من الاستعمار العسكرى والاقتصادى والإدارى ، ظل - كبقية الشعوب المتخلصة حديثا من الاستعمار - يعانى رواسب حضارية تركتها سنوات الفرنسة فى ذواتنا وتركيبنا الثقافى وشخصيتنا التربوية ، فاعتقد من الكثيرون أن لا منزلة لنا الا فى ظل " الإمبراطورية " الفرنسية ، نتعامل معها فى سائر شؤون اقتصادنا واجتماعنا وثقافتنا وسلوكنا وأدبنا بل واعتبر بعض " المساكين " أن كل ما يرد علينا من هناك هو العالمي والانسانى والمثل الاعلى ، فأصبغنا - مثلا - نعت العالمي على الادب الفرنسي واللغة الفرنسية واللباس الفرنسى وأنكرنا " العالمية " على الفكر العربي والامريكى اللاتينى والصينى والهندى والإفريقي . وانتظر الكثيرون وفي كل مجالات الحياة شهادات الاستحسان وحسن السيرة من الأوصياء الفرنسيين حتى لكأننا أيتام حضارة وخصيان تاريخ.
الأمم الغالبة والمغلوبة :
إذا كان الاستعمار ظاهرة دائمة مستمرة ، تتخذ اشكالا مختلفة متغيرة حسب كل عصر ، فمن واجب الكفاح القومى ان يكون دائما مستمرا وعليه أن يتخذ اشكالا مختلفة متغيرة حسب طبيعة الاستعمار ونوعيته وأسلحته . والاستعمار المعاصر هو استعمار القلوب والأرواح ، يمتاز بأنه لا يصدر عن امبراطورية واحدة بل يصدر عن كل أمة تعملقت وأحست بحاجة للتوسع وبلع سواها لخلق مناطق نفوذ وجبروت فى العالم . ونحن نشهد فى هذا الربع الأخير من القرن صراعا بين الأمم الغالبة لهضم الأمم المغلوبة ثقافيا وفكريا كما كان الصراع محتدما بين أساطيل الدول الكبرى فى القرن التاسع عشر لافتكاك " الكنتوارات " التجارية واستقطاب الأسواق العالمية والتدخل فى شؤون الدول الصغيرة واستعمارها . . . ( المثل التونسى هنا ايضا ثرى بالمعانى عندما استغلت عام 1684 كل من فرنسا وبريطانيا وايطاليا ثورة على بن غذاهم لتبتلع تونس ) .
أزمة الشباب = خرافة :
اننا فى تونس نخصص للتربية 33 بالمائة من الميزانية ، ودأبنا على ذلك منذ فجر الاستقلال حيث آمن الرئيس بورقيبة بأن الانسان هو جوهر كل نهضة وأساس كل عمران ، فكانت ديمقراطية التعليم من أوكد - بل أوكد _ الاولويات وعم التعليم كل المناطق وتحرر المجتمع من الجهل فتمكن من الدرع الضرورى لمواجهة تحديات العصر الحديث - وهى كثيرة جدا - لكن شمول الكم عاقنا عن ضمان الكيف ، والكيف هو التعميق والتأصيل وبلوغ الروح نسويها ونقومها لنحت الانسان فى أجيالنا التونسية . . فكانت مغامرة التعليم الشامل - جغرافيا - هي الخطوة الاولى نحو التربية القومية . وإذا تبادر الى أذهان البعض ان الفرق بين التعليم والتربية هو ما نقلد فيه ( جون بياجى ) و ( ولهام رايش ) و ( توماس غوردن ) من طرق حوارية أو تحررية فحسب ، فذلك هو الخطأ الفادح الذي يوفر السهولة ولا يضمن الجدوى . فالتربية هى قبل كل شىء أمران أساسيان :
- شحن التعليم بفلسفة قومية هادفة - أى بعبقريتها الخصوصية -
- تحمل المربى لمسؤولية حضارية
ويأتى بعد ذلك تجنيد كل هياكل المجتمع للمساهمة فى معركة التربية - ايجاد سياسة ثقافية قومية تساعد على التربية السليمة - دعم الرسالة التربوية لأجهزة الاعلام . - قيام الأسرة بدورها الرئيسى تجاه الأبناء - غرس المدرسة فى بيئتها من حيث المحاور ) بيئة فلاحية - صناعية سياحية إلخ . . .)
ويذكر الجميع أن كلمة اصلاح التعليم اصبحت شعارا تقليديا ، كثيرا ما ترددت حتى ضعف ايمان المربين بها ، ذلك لان هذا الاصلاح لم يصل إلى الجوهر ، بل اكتفى بتعديل بعض البرامج واعادة توزيع الاوقات وظلت المؤسسة التربوية " حصنا " حصينا فلم تتأثر بنمو المجتمع ولم تتفاعل مع تطور البلاد والعالم ، بينما الامر يدعو الى معركة قومية شاملة وحكيمة وعلمية هدفها بعث اجيال مسؤولة وعاملة وواعية بقضايا مجتمعها وعصرها ومتشبعة بقيمها وماضيها.
فوالله ما أغبي من يعلل فى بلداننا العربية الاسلامية بعض نتائج سوء التعليم والتملص من مسؤولية التربية بأزمة الشباب العالمية ، فنفسر فوضى الشباب لدينا وانحلاله وتميعه بما يجرى فى مدارج السربون وجامعة بركلاى ، ناسين أو متناسين اننا نحن الذين لم نحكم التربية ولم نؤصلها ولم نعمق الذات البشرية فى تربتها الطبيعية فنشأ جيل كثير التشوهات النفسية ، محتقرا لكل ما هو قومى ، متهافتا على المستوردات من الافكار واللباس والسلوك واللغة . . . أى جيل شبه هجين وهو فى أرضه . . فأزمة الشباب خرافة وتعليل عجز وإخفاق
إذا فتحت مدرسة لن توصد سجنا ؟
ومن أجل ذلك شرعت الدولة التونسية فى الدخول بحزم الى معترك القومية بتعريب المواد الاساسية وشحن للبرامج التربوية بفلسفة أصيلة تكون كالخيط الرفيع يشد بين كافة سنوات التعليم ، كما حملت الدول المربين رسالة أنبل وأعظم من مجرد تلقين الرقم والحرف بأن دعتهم - ضمن مرحلة التعليم الاساسي - الى ضمان مستقبل أبنائنا بالسهر على ادماجهم في
المجتمع - قيما ومهنا واخلاقا - حتى يكون ذلك التعليم الاساسى أرضية حياة كاملة لا مجرد جسر نحو التعليم الثانوى.
فالذى ينتظرنا جميعا هو خوض غمار التربية الحق بصوغ البرامج واعادة الوعى والروح فيها وترقية اللغة العربية الى منزلتها الاولى من التعليم وفتح المؤسسة التربوية على المجتمع وعلى العصر ، فتعيش بهما ولهما ، والالتفات الى المربى لدعم تكوينه على أسس اعمق واثرى نظرا لنبل رسالته وجلال وظيفته حيث انه يعالج مادة الانسان وينحت طينة البشر التى كرمها الله على سائر المخلوقات.
تلك فى نظرنا قضية التربية القومية ، وهى قضية - اذا ما عولجت على الاسس التى عددناها - سينجو بها المجتمع التونسى مما يهدده من اخطار - كسائر الشعوب النامية - فقديما قال بعضهم : " إذا فتحت مدرسة أوصدت سجنا " لكن التاريخ الحديث أثبت بالحجة القاطعة أنك إذا فتحت مدرسة فلن توصد سجنا ، الا اذا عرفت كيف تدرس فى تلك المدرسة وماذا تدرس ، ودون ذلك لن توصد السجن لكنك ستعمره بنزلاء من نوع آخر يتقنون الكتابة والقراءة والروح خواء من القيم الاساسية.
أما اليوم فانك اذا فتحت مدرسة وزرعت فيها العبقرية القومية فانك لا فقط توصد سجنا ، بل توصد باب الخطر المحدق بالنشء وبالمجتمع ، وتقطع السبل على اسباب انهيار الامة لانك بالمؤسسة التربوية ستقيها رياح المغامرة والاستلاب . . . فالتربية مشروع حضارة أو لا تكون وهكذا أردناها فى تونس ولنا عودة .

